تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) يحتمل قوله :( وأنت فيهم ) أي في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحدا في الدنيا ما دام هو فيهم، ومادام [ فيهم مؤمن لقوله تعالى ][ في الأصل وم : مؤمن فيهم بقوله ] :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي يؤمنون، وهو[ في الأصل وم : وهم ] كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله :( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )[الأنبياء: ١٠٧] ومن رحمته ألا يعذب أحدا من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ذلك إلى يوم التنادي بقوله :( إنما نؤخرهم ليوم )[إبراهيم: ٤٢] كذا وقوله :( والساعة أدهى وأمر )[القمر: ٤٦].
ويحتمل أن يكون قوله :( وأنت فيهم ) في أهل مكة خاصة ؛ إنه لا يعذبهم مادام فيهم أحد من المسلمين من نحو النساء والذراري كقوله ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم )الآية[الفتح: ٢٥] أي لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم ؛ أي بين أظهرهم حتى نخرجك من بينهم.
[ وقيل ][ ساقطة من الأصل وم ] ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي يصلون، وقيل : يؤمنون.
وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه ولكن يعذبهم تعذيب القتال والجهاد، ولا يعذبهم استئصال على ما أهلك[ في الأصل وم : هلك ] سائر الأمم.
ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله تعالى :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي سيؤمنون، أي لا يعذبهم مادام يعلم أن فيهم أحدا يؤمن في آخر عمره، أو من قولهم : ألا يجوز الله أن يهلك أحدا إذا كان في علمه أنه سيؤمن في آخر عمره لقولهم في الأصلح : إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدين. فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم، وهم يستغفرون ؛ أي سيؤمنون.
لكن لو كان كما قالوا لكان لا يجوز الجهاد معهم أبدا، ويسقط الأمر بالقتال ؛ إذ لعل فيهم من يسلم، فإذن أمره بالجهاد والقتال معهم دل أن ذلك ليس ما توهموا، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) أي وهم يدخلون في الإسلام. وقيل : يسلمون.
وقال بعضهم :( وهم يستغفرون ) بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا منها قال :( وما لهم ألا يعذبهم الله )الآية[الأنفال: ٣٤].
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : فيكم أمانان، أحدهما : رسول الله ﷺ لقول الله :( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) والآخر : الاستغفار لقول الله :( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) قال : فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار.
وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون معصومين[ في الأصل وم : معصومون ] من قوارع العذاب مادام بين أظهرهم ؛ فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيهم[ في الأصل وم : فيكم ]، وهو الاستغفار الذي ذكر.
وروي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ :«كان ساجدا في آخر سجوده في صلاة [ آية الكسوف ][ في الأصل وم : الآيات ]، فقال : أف أف، فقال : رب ألم تعدني ألا تعذبهم، وأنا فيهم ؟ رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون ؟ »[ بنحوه أبو داوود١١٩٤ ].
وعن بعضهم : أمانان أنزلهما الله ؛ أما أحدهما فمضى، وهو نبي الله، وأما الآخر فأبقاه الله تعالى بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة.
وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم وجعل ذلك [ الاستغفار ][ ساقطة من الأصل وم ] كتابا يتلى في الصلوات أوجه ثلاثة من الحكمة :
أحدها : تعريف لهذه الأمرة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا[ في الأصل وم : أنهم إنما ] تمادوا في غيهم، واستقبلوا بالمكروه والأذى، ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا ييأس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم.
والثاني : ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد، وإن كانوا قد جهلوا إذا كان لتضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر ؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك.
والثالث : يكون فيه بيان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى