جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : تأويله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْت فِيهِمْ : أي وأنت مقيم بين أظهرهم. قال : وأنزلت هذه على النبيّ ﷺ وهو مقيم بمكة. قال : ثم خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، فاستغفر من بها من المسلمين، فأنزل بعد خروجه عليه حين استغفر أولئك بها : وَما كانَ الله مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرونَ. قال : ثم خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم، فعذّب الكفار. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزي، قال : كان النبيّ ﷺ بمكة، فأنزل الله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ. قال : فخرج النبيّ ﷺ إلى المدينة، فأنزل الله : وَما كانَ اللّهُ مُعَذبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. قال : فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون، يعني بمكة فلما خرجوا أنزل الله عليه : وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَما كانُوا أوْلِياءَهُ قال : فأذن الله له في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله : وَما كانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وأنْت فِيهِمْ يعني النبيّ ﷺ. وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني : من بها من المسلمين. وَمَا لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ يعني مكة، وفيها الكفار.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ يعني : أهل مكة. وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وفيهم المؤمنون، يستغفرون يغفر لمن فيهم من المسلمين.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي وأبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزي : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : بقية من بقي من المسلمين منهم، فلما خرجوا، قال : وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ.
قال : حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ قال : أهل مكة.
وأخبرنا أبيّ، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : المؤمنون من أهل مكة. وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ قال : المشركون من أهل مكة.
قال : حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : المؤمنون يستغفرون بين ظهرانيهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يقول : الذين آمنوا معك يستغفرون بمكة، حتى أخرجك والذين آمنوا معك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال : ابن عباس : لم يعذّب قرية حتى يخرج النبيّ منها والذين آمنوا معه ويلحقه بحيث أمر. وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني المؤمنين. ثم أعاد إلى المشركين، فقال : وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ قال : يعني أهل مكة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما كان الله ليعذّب هؤلاء المشركين من قريش بمكة وأنت فيهم يا محمد، حتى أخرجك من بينهم. وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهؤلاء المشركون يقولون : يا ربّ غفرانك وما أشبه ذلك من معاني الاستغفار بالقول. قالوا : وقوله : وَما لهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ في الآخرة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا عكرمة، عن أبي زميل، عن ابن عباس : إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون : لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبيّ ﷺ :«قَدْ قَدْ » فيقولون : لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون : غفرانك غفرانك. فأنزل الله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. فقال ابن عباس : كان فيهم أمانان : نبيّ الله والاستغفار، قال : فذهب النبيّ ﷺ، وبقي الاستغفار. وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلاّ المُتّقُونَ قال : فهذا عذاب الاَخرة، قال : وذاك عذاب الدنيا.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا : قالت قريش بعضها لبعض : محمد أكرمه الله من بيننا اللّهُمّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأمْطِرْ عَلَيْنا. . . الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا : غفرانك اللهمّ فأنزل الله : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. . . إلى قوله : لا يَعْلَمُونَ.
حدثني ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : كانوا يقولون يعني المشركين : والله إن الله لا يعذّبنا ونحن نستغفر، ولا يعذّب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها وذلك من قوله ورسول لله ﷺ بين أظهرهم، فقال الله لنبيه ﷺ يذكر له جهالتهم وغرّتهم واستفتاحهم على أنفسهم، إذ قالوا اللّهُمّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السّماءِ كما أمطرتها على قوم لوط، وقال حين نعى عليهم سوء أعمالهم : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، أي بقولهم، وإن كانوا يستغفرون كما قال : وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ من آمن الله وعبده، أي أنت ومن تبعك.
حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال : حدثنا أبو بردة، عن أبي موسى، قال : إنه كان فيكم أمانان : قوله : ومَا كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : أما النبيّ ﷺ فقد مضى، وأما الاستغفار فهو دائر فيكم إلى يوم القيامة.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن عامر أبي الخطاب الثوريّ قال : سمعت أبا العلاء يقول : كان لأمة محمد ﷺ أمَنتاه : فذهبت إحداهما، وبقيت الأخرى : وَما كانَ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ. . . الاَية.
وقال آخرون : معنى ذلك : وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم يا محمد، وما كان الله معذّب المشركين وهم يستغفرون، أي : لو استغفروا. قالوا : ولم يكونوا يستغفرون فقال جلّ ثناؤه إذ لم يكونوا يستغفرون : وَمالَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : إن القوم لم يكونوا يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذّبوا. وكان بعض أهل العلم يقول : هما أمانان أنزلهما الله، فأما أحدهما فمضى نبيّ الله، وأما الاَخر فأبقاه الله رحمة بين أظهركم، الاستغفار والتوبة.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قال الله لرسوله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يقول : ما كنت أعذبهم وهم يستغفرون، ولو استغفروا وأقرّوا بالذنوب لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون، وما لهم ألا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن محمد وعن المسجد الحرام
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كانَ اللهُ مُعَذّبهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون قال : يقول : لو استغفروا لم أعذّبهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : وما كان الله ليعذّبهم وهم يسلمون. قالوا : واستغفارهم كان في هذا الموضع : إسلامهم. ذكر من قال ذلك.
حدثنا سوّار بن عبد الله، قال : حدثنا عبد الملك بن الصباح، قال : حدثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، في قوله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. قال : سألوا العذاب، فقال : لم يكن ليعذبهم وأنت فيهم، ولم يكن ليعذّبهم وهم يدخلون في الإسلام.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وأنْتَ فِيهمْ قال : بين أظهرهم. وقوله : وَهُمْ يَسْتَغْفِروُنَ قال : يسلمون.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم بين أظهرهم وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال : وهم يسلمون. وَما لَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا محمد بن عبيد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ قال : بين أظهرهم. وَما كان اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ قال : دخولهم في الإسلام.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وفيهم مَن قد سبق له من الله الدخول في الإسلام. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ يقول : ما كان الله سبحانه يعذّب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم. ثم قال : وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يقول : ومنهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار، ثم قال : وَمالَهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ فعذّبهم يوم بدر بالسيف.
وقال آخرون : بل معناه : وما كان الله معذّبهم وهم يصلّون. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، ق
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾
وما سلف من التفسير ٢: ٣١٢، ٣١٣ ٧: ٤٢٩، ٤٣٠، وغيرها في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.