الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ : أي : ما كان شيءٌ مِمَّا يَعُدُّونه صلاةً وعبادةً إلا هذين الفعلين وهما المُكاء والتَّصْدية، أي : إن كان لهم صلاةٌ فلم تكن إلا هذين كقول الشاعر :
فأقام القيود والسِّياط مُقام العطاء.
والمُكاء : مصدر مَكا يمكو، أي صَفَر بين أصابعه أو بين كَفَّيْه، قال الأصمعي :" قلت لمسجع بن نبهان : ما تمكو فريصتُه ؟ فَشَبَك بين أصابعه وجَعَلها على فِيه ونفخ فيها. قلت : يريد قول عنترة :
يقال : مَكَتِ الفَريصة، أي : صَوَّتَتَ بالدم. ومكت اسْتُ الدابة، أي : نفخت بالريح. وقال مجاهد : المُكَّاء : صفير على لحنِ طائرٍ أبيضَ يكون بالحجاز قال الشاعر :
المُكَّاء فُعَّال بناء مبالغة. قال أبو عبيدة :" يقال مكا يمكو مُكُوَّاً ومُكاءً : صَفَر، والمُكاء بالضم كالبُكاء والصُّراخ. قيل : ولم يشذَّ من أسماء الأصوات بالكسرِ إلا الغِناء والنِّداء.
والتَّصْدِية فيها قولان أحدهما : أنها من الصَّدى وهو ما يُسْمع مِنْ رَجْع الصوت في الأمكنة الخالية الصُّلبة يقال منه : صَدِي يَصْدَى تَصْدِيَة، والمراد بها هنا ما يُسْمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. وفي التفسير : أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يُصَلِّي ويتلو القرآن صفَّقوا بأيديهم وصَفَروا بأفواههم ليُشْغِلوا عنه مَنْ يَسْمَعُه ويَخْلطوا عليه قراءته. وهذا مناسبٌ لقوله :
﴿لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]/. وقيل : هي مأخوذةٌ من التَّصْدِدَة وهي الضجيج والصِّياحُ والتصفيق، فأُبْدِلَت إحدى الدالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قولُه تعالى :﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] في قراءة مَنْ كسر الصاد أي : يضجُّون ويَلْغَطون. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال :" إنما هو مِنْ الصَّدْي فكيف يُجعل من المضعَّف " ؟ وقد ردَّ أبو علي على أبي جعفر رَدَّه وقال :" قد ثبت أنَّ يَصُدُّون مِنَ نحو الصوت فأخْذُه منه، وتَصْدِية تَفْعِلَة "، ثم ذكر كلاماً كثيراً. والثاني : أنها من الصدِّ وهو المنعُ والأصل : تَصْدِدَة بدالين أيضاً، فأُبْدِلت ثانيتهما ياءً. ويؤيِّد هذا قراءةُ مَنْ قرأ " يَصُدُّون " بالضم أي : يمنعون.
وقرأ العامَّةُ " صلاتُهم " رفعاً، " مُكاءً " نصباً، وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلافٍ عنهما " وما كان صلاتَهم " نصباً، " مكاءٌ " رفعاً. وخطَّأ الفارسي هذه القراءةَ وقال :" لا يجوز أن يُخْبر عن النكرةِ بالمعرفةِ إلا في ضرورة كقول حسان :
وخرَّجها أبو الفتح على أن المُكاء والتصدية اسما جنس، يعني أنهما مصدران قال :" واسم الجنس تعريفُه وتنكيره متقاربان فلِمَ يُقال ثانيهما جُعل اسماً والآخر خبراً ؟ وهذا يَقْرُب من المعرَّف بأل الجنسية حيث وُصِف بالجملة، كما يُوصف به النكرة كقوله تعالى :﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقولِ الآخر :
وقال بعضهم :" وقد قرأ أبو عمرو " إلا مُكاً " بالقصر والتنوين، وهذا كما قالوا : بكاء وبُكى بالمد والقصر. وقال الشاعر فجمع بين اللغتين :
| وما كنت أخشى أن يكونَ عطاؤُه | أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا |
والمُكاء : مصدر مَكا يمكو، أي صَفَر بين أصابعه أو بين كَفَّيْه، قال الأصمعي :" قلت لمسجع بن نبهان : ما تمكو فريصتُه ؟ فَشَبَك بين أصابعه وجَعَلها على فِيه ونفخ فيها. قلت : يريد قول عنترة :
| وحَليلِ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلاً | تَمْكُو فريصتُه كشِدْق الأَعْلَمِ |
| إذا غرَّد المُكَّاء في غير روضةٍ | فويلٌ لأهل الشَّاءِ والحُمُرات |
والتَّصْدِية فيها قولان أحدهما : أنها من الصَّدى وهو ما يُسْمع مِنْ رَجْع الصوت في الأمكنة الخالية الصُّلبة يقال منه : صَدِي يَصْدَى تَصْدِيَة، والمراد بها هنا ما يُسْمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. وفي التفسير : أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يُصَلِّي ويتلو القرآن صفَّقوا بأيديهم وصَفَروا بأفواههم ليُشْغِلوا عنه مَنْ يَسْمَعُه ويَخْلطوا عليه قراءته. وهذا مناسبٌ لقوله :
﴿لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]/. وقيل : هي مأخوذةٌ من التَّصْدِدَة وهي الضجيج والصِّياحُ والتصفيق، فأُبْدِلَت إحدى الدالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قولُه تعالى :﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] في قراءة مَنْ كسر الصاد أي : يضجُّون ويَلْغَطون. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال :" إنما هو مِنْ الصَّدْي فكيف يُجعل من المضعَّف " ؟ وقد ردَّ أبو علي على أبي جعفر رَدَّه وقال :" قد ثبت أنَّ يَصُدُّون مِنَ نحو الصوت فأخْذُه منه، وتَصْدِية تَفْعِلَة "، ثم ذكر كلاماً كثيراً. والثاني : أنها من الصدِّ وهو المنعُ والأصل : تَصْدِدَة بدالين أيضاً، فأُبْدِلت ثانيتهما ياءً. ويؤيِّد هذا قراءةُ مَنْ قرأ " يَصُدُّون " بالضم أي : يمنعون.
وقرأ العامَّةُ " صلاتُهم " رفعاً، " مُكاءً " نصباً، وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلافٍ عنهما " وما كان صلاتَهم " نصباً، " مكاءٌ " رفعاً. وخطَّأ الفارسي هذه القراءةَ وقال :" لا يجوز أن يُخْبر عن النكرةِ بالمعرفةِ إلا في ضرورة كقول حسان :
| كأنَّ سَبيئةً مِنْ بيت رَأْسٍ | يكونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ |
| ولقد مَرَرْتُ على اللئيم يَسُبُّني | فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنيني |
| بَكَتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها | وما يُغْني البكاءُ ولا العويلُ |