جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
﴿وَاعْلَمُوَا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مّن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىَ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال أبو جعفر : وهذا تعليم من الله عزّ وجلّ المؤمنين قسم غنائمهم إذا غنموها، يقول تعالى ذكره : واعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتم من غنيمة.
واختلف أهل العلم في معنى الغنيمة والفيء، فقال بعضهم : فيهما معنيان كلّ واحد منهما غير صاحبه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، قال : سألت عطاء بن السائب عن هذه الآية : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، وهذه الاَية : ما أفاءَ اللّهُ عَلى رسُولهِ، قال : قلت : ما الفيء وما الغنيمة ؟ قال : إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، وأخذوهم عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض فهي في سوادنا هذا فيء.
وقال آخرون : الغنيمة ما أُخذ عَنْوة. والفيء : ما كان عن صلح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان الثوري، قال : الغنيمة : ما أصاب المسلمون عنوة بقتال فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهدها. والفيء : ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، هو لمن سَمّى الله.
وقال آخرون : الغنيمة والفيء بمعنى واحد. وقالوا : هذه الاَية التي في الأنفال ناسخة قولَه : ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلِلّهِ وللرسُولِ. . . الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلَلّهِ وللرسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ قال : كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فقال : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السّبيلِ، فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الحشر، وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر، وسائر ذلك لمن قاتل عليه.
وقد بيّنا فيما مضى الغنيمة، وأنها المال يوصل إليه من مال من خوّل الله ماله أهل دينه بغلبة عليه وقهر بقتال. فأما الفيء، فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك، وهو ما ردّه عليهم منها بصلح، من غير إيجاف خيل ولا ركاب. وقد يجوز أن يسمى ما ردّته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم فيئا، لأن الفيء إنما هو مصدر من قول القائل : فاء الشيء يَفيءُ فَيْئا : إذا رجع، وأفاءه الله : إذا ردّه. غير أن الذي ورد حكم الله فيه من الفيء يحكيه في سورة الحشر إنما هو ما وصفت صفته من الفيء دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب، لعلل قد بينتها في كتابنا :«كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الدين » وسنبينه أيضا في تفسير سورة الحشر إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال : الاَية التي في سورة الأنفال ناسخة الاَية التي في سورة الحشر فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى. وقد بيّنا معنى النسخ، وهو نفي حكم قد ثبت بحكم بخلافه، في غير موضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله : مِنْ شَيْءٍ فإنه مراد به كل ما وقع عليه اسم شيء مما خوّله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين مما وقع فيه القسم حتى الخيط والمخيط. كما
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قوله : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، قال : المخيط من الشيء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد بمثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : قوله : فَأنّ للّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما، وإنما معنى الكلام : فأن للرسول خمسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، قال : سألت الحسن عن قول الله : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ، قال : هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والاَخرة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال : سألت الحسن بن محمد، عن قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، قال : هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والاَخرة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أحمد بن يونس، قال : حدثنا أبو شهاب، عن ورقاء، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خَمّسَ الغنيمة فضرب ذلك الخُمْسَ في خمسة، ثم قرأ : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرسُولِ. قال : وقوله : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام، لله ما في السّمَوَاتِ وما في الأَرْضِ، فجعل سهم الله، وسهم الرسول واحدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم : فَأن لِلّهِ خُمُسَهُ قال : لله كلّ شيء.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ قال : لله كلّ شيء، وخمس لله ورسوله، ويقسم ما سوى ذلك على أربعة أسهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس، فخمس لله والرسول.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا أبان، عن الحسن، قال : أوصى أبو بكر رضي الله عنه بالخمس من ماله وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ قال : خمس الله وخمس رسوله واحد، كان النبيّ ﷺ يحمل منه ويصنع فيه ما شاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أصحابه، عن إبراهيم : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، قال : كل شيء لله، الخمس للرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال آخرون : معنى ذلك : فإن لبيت الله خمسه وللرسول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع بن الجراح، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، قال : كان رسول الله ﷺ يُؤْتَى بالغنيمة، فيقسمها على خمسة : تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ. . . . إلى آخر الاَية، قال : فكان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله ﷺ خمسة أسهم، فيجعل أربعة بين الناس ويأخذ سهما، ثم يضرب بيده في جميع ذلك السهم، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سُمي لله، ويقول :«لا تجعلوا لله نصيبا فإن لله الدنيا والاَخرة »، ثم يقسم بقيته على خمسة أسهم : سهم للنبيّ ﷺ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال آخرون : ما سمي لرسول الله ﷺ من ذلك فإنما هو مراد به قرابته، وليس لله ولا لرسوله منه شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس : فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربع فربع لله والرسول ولذي القربى يعني قرابة النبيّ ﷺ فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبيّ ﷺ، ولم يأخذ النبيّ ﷺ من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال قوله : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ افتتاح كلام، وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم، ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلاً قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا. فأما من قال : سهم الرسول لذوي القربى، فقد أوجب للرسول سهما وإن كان ﷺ صرفه إلى ذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم. وقد
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ. . . الاَية، قال : كان النبي ﷺ إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا، فكان خمس لله ولرسوله، ويقسم المسلمون ما بقي. وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس : خمس لله ورسوله، وخمس لذوي القُرْبى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، قال : سألت يحيى بن الجزار عن سهم النبيّ ﷺ، فقال : هو خمس الخمس.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، وجرير عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ قال : أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله، وللرسول خمسه يضعه حيث رأى،
قال أبو جعفر : وهذا تعليم من الله عزّ وجلّ المؤمنين قسم غنائمهم إذا غنموها، يقول تعالى ذكره : واعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتم من غنيمة.
واختلف أهل العلم في معنى الغنيمة والفيء، فقال بعضهم : فيهما معنيان كلّ واحد منهما غير صاحبه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، قال : سألت عطاء بن السائب عن هذه الآية : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، وهذه الاَية : ما أفاءَ اللّهُ عَلى رسُولهِ، قال : قلت : ما الفيء وما الغنيمة ؟ قال : إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، وأخذوهم عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض فهي في سوادنا هذا فيء.
وقال آخرون : الغنيمة ما أُخذ عَنْوة. والفيء : ما كان عن صلح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان الثوري، قال : الغنيمة : ما أصاب المسلمون عنوة بقتال فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهدها. والفيء : ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، هو لمن سَمّى الله.
وقال آخرون : الغنيمة والفيء بمعنى واحد. وقالوا : هذه الاَية التي في الأنفال ناسخة قولَه : ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلِلّهِ وللرسُولِ. . . الاَية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله : ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرَى فَلَلّهِ وللرسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ قال : كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فقال : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السّبيلِ، فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الحشر، وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر، وسائر ذلك لمن قاتل عليه.
وقد بيّنا فيما مضى الغنيمة، وأنها المال يوصل إليه من مال من خوّل الله ماله أهل دينه بغلبة عليه وقهر بقتال. فأما الفيء، فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك، وهو ما ردّه عليهم منها بصلح، من غير إيجاف خيل ولا ركاب. وقد يجوز أن يسمى ما ردّته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم فيئا، لأن الفيء إنما هو مصدر من قول القائل : فاء الشيء يَفيءُ فَيْئا : إذا رجع، وأفاءه الله : إذا ردّه. غير أن الذي ورد حكم الله فيه من الفيء يحكيه في سورة الحشر إنما هو ما وصفت صفته من الفيء دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب، لعلل قد بينتها في كتابنا :«كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الدين » وسنبينه أيضا في تفسير سورة الحشر إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال : الاَية التي في سورة الأنفال ناسخة الاَية التي في سورة الحشر فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى. وقد بيّنا معنى النسخ، وهو نفي حكم قد ثبت بحكم بخلافه، في غير موضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله : مِنْ شَيْءٍ فإنه مراد به كل ما وقع عليه اسم شيء مما خوّله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين مما وقع فيه القسم حتى الخيط والمخيط. كما
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قوله : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، قال : المخيط من الشيء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد بمثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم الفضل، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
القول في تأويل قوله تعالى : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : قوله : فَأنّ للّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما، وإنما معنى الكلام : فأن للرسول خمسه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، قال : سألت الحسن عن قول الله : وَاعْلَمُوا أنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ، قال : هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والاَخرة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال : سألت الحسن بن محمد، عن قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، قال : هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والاَخرة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أحمد بن يونس، قال : حدثنا أبو شهاب، عن ورقاء، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خَمّسَ الغنيمة فضرب ذلك الخُمْسَ في خمسة، ثم قرأ : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرسُولِ. قال : وقوله : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ مفتاح كلام، لله ما في السّمَوَاتِ وما في الأَرْضِ، فجعل سهم الله، وسهم الرسول واحدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم : فَأن لِلّهِ خُمُسَهُ قال : لله كلّ شيء.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ قال : لله كلّ شيء، وخمس لله ورسوله، ويقسم ما سوى ذلك على أربعة أسهم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس، فخمس لله والرسول.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا أبان، عن الحسن، قال : أوصى أبو بكر رضي الله عنه بالخمس من ماله وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ قال : خمس الله وخمس رسوله واحد، كان النبيّ ﷺ يحمل منه ويصنع فيه ما شاء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أصحابه، عن إبراهيم : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ، قال : كل شيء لله، الخمس للرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال آخرون : معنى ذلك : فإن لبيت الله خمسه وللرسول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع بن الجراح، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، قال : كان رسول الله ﷺ يُؤْتَى بالغنيمة، فيقسمها على خمسة : تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ. . . . إلى آخر الاَية، قال : فكان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله ﷺ خمسة أسهم، فيجعل أربعة بين الناس ويأخذ سهما، ثم يضرب بيده في جميع ذلك السهم، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سُمي لله، ويقول :«لا تجعلوا لله نصيبا فإن لله الدنيا والاَخرة »، ثم يقسم بقيته على خمسة أسهم : سهم للنبيّ ﷺ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال آخرون : ما سمي لرسول الله ﷺ من ذلك فإنما هو مراد به قرابته، وليس لله ولا لرسوله منه شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس : فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربع فربع لله والرسول ولذي القربى يعني قرابة النبيّ ﷺ فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبيّ ﷺ، ولم يأخذ النبيّ ﷺ من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال قوله : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ افتتاح كلام، وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم، ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلاً قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا. فأما من قال : سهم الرسول لذوي القربى، فقد أوجب للرسول سهما وإن كان ﷺ صرفه إلى ذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم. وقد
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَاعْلَمُوا أنمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ. . . الاَية، قال : كان النبي ﷺ إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا، فكان خمس لله ولرسوله، ويقسم المسلمون ما بقي. وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس : خمس لله ورسوله، وخمس لذوي القُرْبى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، قال : سألت يحيى بن الجزار عن سهم النبيّ ﷺ، فقال : هو خمس الخمس.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، وجرير عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار، مثله.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : فَأنّ لِلّهِ خُمُسَهُ قال : أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله، وللرسول خمسه يضعه حيث رأى،