تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة، من إحلال المغانم. و " الغنيمة " : هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. و " الفيء " : ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك. هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف(١) والخلف.
ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق(٢) عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضا ؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية " الحشر " :﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [الحشر: ٧]، قال : فنسخت آية " الأنفال " تلك، وجعلت الغنائم : أربعة أخماسها(٣) للمجاهدين، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين. وهذا الذي قاله بعيد ؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بَدْر، وتلك نزلت في بني النَّضِير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول : تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا(٤) إلى رأي الإمام يقول : لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم.
وقوله(٥) تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط(٦) والمخيط، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].
وقوله :﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم : لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرِّيَاحي قال : كان رسول الله ﷺ يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة(٧) وهو سهم الله. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل(٨)
وقال آخرون : ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم(٩) لرسوله عليه السلام(١٠)
قال الضحاك، عن ابن عباس، رضي الله عنهما : كان رسول الله ﷺ إذا بعث سَرِيَّة فغنموا، خَمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثم قرأ :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [ قال : وقوله ](١١) ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا.
وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية. والحسن البصري، والشعبي، وعَطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة(١٢) وقتادة، ومغيرة، وغير واحد : أن سهم الله ورسوله واحد.
ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال : أتيت رسول الله ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت : يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة ؟ فقال :" لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش ". قلت : فما أحد أولى به من أحد ؟ قال :" لا ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم " (١٣)
وقال ابن جرير : حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن قال : أوصى أبو بكر بالخمس(١٤) من ماله، وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه(١٥)
ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال : كانت الغنيمة تقسم(١٦) على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة(١٧) فربع لله وللرسول ولذي القربى - يعني : قرابة النبي ﷺ. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله ﷺ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئًا، [ والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل ]. (١٨)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْمَر المِنْقَرِي، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُرَيْدَة في قوله :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال : الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه.
وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح قال : خمس الله والرسول(١٩) واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء - يعني : النبي ﷺ.
وهذا أعم وأشمل، وهو أن الرسول(٢٠) صلى الله عليه وسلم(٢١) يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء - ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال :
حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي، رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة : يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟ فقال عبادة : إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام(٢٢) رسول الله ﷺ فتناول وَبَرة بين أنملتيه فقال :" إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر(٢٣) من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله(٢٤) القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في [ سبيل ](٢٥) الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [ عظيم ](٢٦) ينجي به الله من الهم والغم " (٢٧)
هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، عن(٢٨) رسول الله ﷺ نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول(٢٩)
وعن عمرو بن عَبَسة أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة(٣٠) من ذلك البعير ثم قال :" ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ". رواه أبو داود والنسائي(٣١)
وقد كان للنبي ﷺ من المغانم(٣٢) شيء يصطفيه لنفسه عبدًا أو أمة أو فرسًا أو سيفًا أو نحو ذلك، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.
وروى الإمام أحمد، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا(٣٣) الفَقَار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد(٣٤)
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت : كانت صفية من الصّفي. رواه أبو داود في سننه(٣٥)
وروى أيضًا بإسناده، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال : كنا بالمِرْبَد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها :" من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي وسهم الصّفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله ". فقلنا : من كتب لك هذا ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣٦)
فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرر هذا وثبوته ؛ ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه.
وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.
وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية، رحمه الله : وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.
فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام(٣٧) من الخمس، ماذا يُصنع به من بعده ؟ فقال قائلون : يكون لمن يلي الأمر من بعده. روى هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة جماعة، وجاء فيه حديث مرفوع(٣٨)
وقال آخرون : يصرف في مصالح المسلمين.
وقال آخرون : بل هو مردود على بقية الأصناف : ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، اختاره ابن جرير.
وقال آخرون : بل سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال ابن جرير : وذلك قول جماعة من أهل العراق.
وقيل : إن الخمس جميعه لذوي القربى كما رواه ابن جرير.
حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المِنْهَال بن عمرو، وسألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين، عن الخمس فقالا هو لنا. فقلت لعلي : فإن الله يقول :﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فقالا يتامانا ومساكيننا.
وقال سفيان الثوري، وأبو نُعَيْم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم : سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية، رحمه الله تعالى، عن قول الله(٣٩) تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال(٤٠) هذا مفتاح كلام، لله(٤١) الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ، فقال قائلون : سهم النبي ﷺ تسليما للخليفة من بعده. وقال قائلون : لقرابة النبي ﷺ. وقال قائلون : سهم القرابة لقرابة الخليفة. فاجتمع قولهم(٤٢) على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعُدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما(٤٣)
قال(٤٤) الأعمش، عن إبراهيم(٤٥) كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم : ما كان علي يقول فيه ؟ قال : كان [ علي ](٤٦) أشدهم فيه.
وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء، رحمهم الله.
وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب ؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية [ وفي أول الإسلام ](٤٧) ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ وحماية له : مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حَمِيَّة للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل - وإن كانوا أبناء عمهم - فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول ؛ ولهذا كان ذَمُّ أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم. ولهذا يقول في أثناء قصيدته(٤٨) :
ل
ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق(٢) عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضا ؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية " الحشر " :﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [الحشر: ٧]، قال : فنسخت آية " الأنفال " تلك، وجعلت الغنائم : أربعة أخماسها(٣) للمجاهدين، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين. وهذا الذي قاله بعيد ؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بَدْر، وتلك نزلت في بني النَّضِير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول : تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا(٤) إلى رأي الإمام يقول : لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم.
وقوله(٥) تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط(٦) والمخيط، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١].
وقوله :﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم : لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرِّيَاحي قال : كان رسول الله ﷺ يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة(٧) وهو سهم الله. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل(٨)
وقال آخرون : ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم(٩) لرسوله عليه السلام(١٠)
قال الضحاك، عن ابن عباس، رضي الله عنهما : كان رسول الله ﷺ إذا بعث سَرِيَّة فغنموا، خَمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثم قرأ :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [ قال : وقوله ](١١) ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا.
وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية. والحسن البصري، والشعبي، وعَطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة(١٢) وقتادة، ومغيرة، وغير واحد : أن سهم الله ورسوله واحد.
ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال : أتيت رسول الله ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت : يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة ؟ فقال :" لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش ". قلت : فما أحد أولى به من أحد ؟ قال :" لا ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم " (١٣)
وقال ابن جرير : حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن قال : أوصى أبو بكر بالخمس(١٤) من ماله، وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه(١٥)
ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال : كانت الغنيمة تقسم(١٦) على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة(١٧) فربع لله وللرسول ولذي القربى - يعني : قرابة النبي ﷺ. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله ﷺ، ولم يأخذ النبي ﷺ من الخمس شيئًا، [ والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل ]. (١٨)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْمَر المِنْقَرِي، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُرَيْدَة في قوله :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال : الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه.
وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح قال : خمس الله والرسول(١٩) واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء - يعني : النبي ﷺ.
وهذا أعم وأشمل، وهو أن الرسول(٢٠) صلى الله عليه وسلم(٢١) يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء - ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال :
حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي، رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة : يا عبادة، كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس ؟ فقال عبادة : إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام(٢٢) رسول الله ﷺ فتناول وَبَرة بين أنملتيه فقال :" إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر(٢٣) من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله(٢٤) القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في [ سبيل ](٢٥) الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [ عظيم ](٢٦) ينجي به الله من الهم والغم " (٢٧)
هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، عن(٢٨) رسول الله ﷺ نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول(٢٩)
وعن عمرو بن عَبَسة أن رسول الله ﷺ صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة(٣٠) من ذلك البعير ثم قال :" ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ". رواه أبو داود والنسائي(٣١)
وقد كان للنبي ﷺ من المغانم(٣٢) شيء يصطفيه لنفسه عبدًا أو أمة أو فرسًا أو سيفًا أو نحو ذلك، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.
وروى الإمام أحمد، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس : أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا(٣٣) الفَقَار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد(٣٤)
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت : كانت صفية من الصّفي. رواه أبو داود في سننه(٣٥)
وروى أيضًا بإسناده، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال : كنا بالمِرْبَد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها :" من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي وسهم الصّفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله ". فقلنا : من كتب لك هذا ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم(٣٦)
فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرر هذا وثبوته ؛ ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه.
وقال آخرون : إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.
وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية، رحمه الله : وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.
فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام(٣٧) من الخمس، ماذا يُصنع به من بعده ؟ فقال قائلون : يكون لمن يلي الأمر من بعده. روى هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة جماعة، وجاء فيه حديث مرفوع(٣٨)
وقال آخرون : يصرف في مصالح المسلمين.
وقال آخرون : بل هو مردود على بقية الأصناف : ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، اختاره ابن جرير.
وقال آخرون : بل سهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال ابن جرير : وذلك قول جماعة من أهل العراق.
وقيل : إن الخمس جميعه لذوي القربى كما رواه ابن جرير.
حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المِنْهَال بن عمرو، وسألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين، عن الخمس فقالا هو لنا. فقلت لعلي : فإن الله يقول :﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فقالا يتامانا ومساكيننا.
وقال سفيان الثوري، وأبو نُعَيْم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم : سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية، رحمه الله تعالى، عن قول الله(٣٩) تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال(٤٠) هذا مفتاح كلام، لله(٤١) الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ، فقال قائلون : سهم النبي ﷺ تسليما للخليفة من بعده. وقال قائلون : لقرابة النبي ﷺ. وقال قائلون : سهم القرابة لقرابة الخليفة. فاجتمع قولهم(٤٢) على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعُدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما(٤٣)
قال(٤٤) الأعمش، عن إبراهيم(٤٥) كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم : ما كان علي يقول فيه ؟ قال : كان [ علي ](٤٦) أشدهم فيه.
وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء، رحمهم الله.
وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب ؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية [ وفي أول الإسلام ](٤٧) ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله ﷺ وحماية له : مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حَمِيَّة للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل - وإن كانوا أبناء عمهم - فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول ؛ ولهذا كان ذَمُّ أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم. ولهذا يقول في أثناء قصيدته(٤٨) :
| جَزَى الله عَنَّا عبدَ شمس ونَوفلا | عُقُوبة شرٍّ عاجل غير آجلِ |
| بميزان قسْط لا يَخيس شَعِيرة | لهُ شَاهدٌ مِنْ نَفْسه غير عائلِ |
١ في أ: "علماء من السلف"..
٢ في م: "ما يطلق"..
٣ في د: "الأربعة الأخماس"، وفي ك: "أربعة أخماس"..
٤ في ك: "راجع"..
٥ في ك: "ويقول"، وفي م: "فقوله"..
٦ في ك، م: "الخياط"..
٧ في د: "في الكعبة"..
٨ رواه الطبري في تفسيره (١٣/٥٥٠)..
٩ في م: "وسهمه"..
١٠ في أ: "صلى الله عليه وسلم".
.
١١ زيادة من تفسير الطبري..
١٢ في ك، م، أ: "عبد الله بن أبي بريدة"..
١٣ السنن الكبرى (٦/٣٢٤)..
١٤ في جميع النسخ: "أوصى الحسن بالخمس" والمثبت من الطبري..
١٥ تفسير الطبري (١٣/٥٥٠)..
١٦ في د: "تخمس"..
١٧ في د، ك، م، أ: "أربعة أخماس"..
١٨ ما بين المعقوفين عن تفسير الطبري..
١٩ في د: "خمس الله وخمس الرسول".
.
٢٠ في د: "وهو أنه"..
٢١ في أ: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٢٢ في أ: "قال"..
٢٣ في أ: "وأكثر"..
٢٤ في م: "في سبيل الله"..
٢٥ زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد..
٢٦ زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد..
٢٧ المسند (٥/٣١٦)..
٢٨ في أ: "أن"..
٢٩ المسند (٢/١٨٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦٩٤)..
٣٠ في د: "أخذ منه وبرة"..
٣١ سنن أبي داود برقم (٢٧٥٥)..
٣٢ في د، ك، م: "الغنيمة"..
٣٣ في أ: "ذو".
.
٣٤ المسند (١/٢٧١) وسنن الترمذي برقم (١٥٦١)..
٣٥ سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤)..
٣٦ سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤)..
٣٧ في أ: "صلى الله عليه وسلم"..
٣٨ رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٣٠٣) من طريق الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: لما سألت فاطمة أبا بكر عن الخمس فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي يلي بعده" فلما وليت رأيت أن أرده على المسلمين.
.
٣٩ في د: "عن قوله"..
٤٠ في د: "فقال"..
٤١ في ك: "كلام الله"..
٤٢ في ك، م: "رأيهم"..
٤٣ في ك: "رضي الله عنهما وأرضاهما"..
٤٤ في م: "وقال"..
٤٥ في م: "إبراهيم قال"..
٤٦ زيادة من الطبري..
٤٧ زيادة من د، ك، م..
٤٨ في ك: "قصيدته اللامية"..
٢ في م: "ما يطلق"..
٣ في د: "الأربعة الأخماس"، وفي ك: "أربعة أخماس"..
٤ في ك: "راجع"..
٥ في ك: "ويقول"، وفي م: "فقوله"..
٦ في ك، م: "الخياط"..
٧ في د: "في الكعبة"..
٨ رواه الطبري في تفسيره (١٣/٥٥٠)..
٩ في م: "وسهمه"..
١٠ في أ: "صلى الله عليه وسلم".
.
١١ زيادة من تفسير الطبري..
١٢ في ك، م، أ: "عبد الله بن أبي بريدة"..
١٣ السنن الكبرى (٦/٣٢٤)..
١٤ في جميع النسخ: "أوصى الحسن بالخمس" والمثبت من الطبري..
١٥ تفسير الطبري (١٣/٥٥٠)..
١٦ في د: "تخمس"..
١٧ في د، ك، م، أ: "أربعة أخماس"..
١٨ ما بين المعقوفين عن تفسير الطبري..
١٩ في د: "خمس الله وخمس الرسول".
.
٢٠ في د: "وهو أنه"..
٢١ في أ: "صلوات الله وسلامه عليه"..
٢٢ في أ: "قال"..
٢٣ في أ: "وأكثر"..
٢٤ في م: "في سبيل الله"..
٢٥ زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد..
٢٦ زيادة من ك، م، أ، ومسند أحمد..
٢٧ المسند (٥/٣١٦)..
٢٨ في أ: "أن"..
٢٩ المسند (٢/١٨٤) وسنن أبي داود برقم (٢٦٩٤)..
٣٠ في د: "أخذ منه وبرة"..
٣١ سنن أبي داود برقم (٢٧٥٥)..
٣٢ في د، ك، م: "الغنيمة"..
٣٣ في أ: "ذو".
.
٣٤ المسند (١/٢٧١) وسنن الترمذي برقم (١٥٦١)..
٣٥ سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤)..
٣٦ سنن أبي داود برقم (٢٩٩٤)..
٣٧ في أ: "صلى الله عليه وسلم"..
٣٨ رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٣٠٣) من طريق الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: لما سألت فاطمة أبا بكر عن الخمس فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أطعم الله نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي يلي بعده" فلما وليت رأيت أن أرده على المسلمين.
.
٣٩ في د: "عن قوله"..
٤٠ في د: "فقال"..
٤١ في ك: "كلام الله"..
٤٢ في ك، م: "رأيهم"..
٤٣ في ك: "رضي الله عنهما وأرضاهما"..
٤٤ في م: "وقال"..
٤٥ في م: "إبراهيم قال"..
٤٦ زيادة من الطبري..
٤٧ زيادة من د، ك، م..
٤٨ في ك: "قصيدته اللامية"..