الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾[ ٥٠ ].
أي : لو عاينت ذلك، يا محمد(١)، رأيت أمرا عظيما(٢)، يضربون وجوههم وأستاههم(٣)، يقولون لهم :﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾[ ٥٠ ]، أي : النار. ف :" يقولون " محذوفة(٤) من الكلام(٥).
وجواب ﴿لو﴾ محذوف. والمعنى : ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما، وشبه هذا(٦).
وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم(٧).
وقيل : إنما يكون يوم القيامة(٨).
وقيل : أريد به يوم بدر، قاله مجاهد(٩).
قال مجاهد :﴿أدبارهم﴾ : أستاههم(١٠)، ولكن الله كريم يكني(١١).
قال ابن عباس :/كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم(١٢).
قوله :﴿الذين(١٣) كفروا﴾[ ٥٠ ]، وقف(١٤)، إن جعلت المعنى : إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ :﴿الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾[ ٥٠ ]، على الابتداء والخبر(١٥).
ويدل على هذا المعنى :﴿الله يتوفى(١٦) الانفس حين موتها﴾(١٧).
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت(١٨) على ﴿الملائكة﴾، وهو مروي عن نافع(١٩)، وجعلت ﴿يضربون﴾، على إضمار مبتدأ، أي : هم(٢٠) يضربون.
والأحسن الوقف على ﴿أدبارهم﴾، وهو التمام(٢١) وتبتدئ :﴿وذوقوا﴾[ ٥٠ ]، على معنى : ويقولون(٢٢).
﴿وذوقوا(٢٣) عذاب الحريق﴾[ ٥٠ ] تمام(٢٤)،
١ جامع البيان ١٤/١٥، بتصرف يسير..
٢ هذا تقدير جواب ﴿ولو﴾ المحذوف، كما في إعراب القرآن للنحاس ٢/١٩٠.
قال أبو حيان في البحر ٤/٥٠١: "لو" التي ليست شرطا في المستقبل تقلب المضارع للماضي.
فالمعنى: لو رأيت، وشاهدت. وحذف جواب ﴿ولو﴾ جائز بليغ حذفه في مثل هذا؛ لأنه يدل على التعظيم. أي: لرأيت أمرا عجبا، وشأنا هائلا، كقوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾[الأنعام: ٢٨]، انظر: الكشاف ٢/٢١٧، وتفسير القرطبي ٨/١٩، والدر المصون ٣/٤٢٧..

٣ جمع سته، بالتحريك، مثل: سبب وأسباب. انظر: المصباح / سته..
٤ في الأصل: محذفة، وهو سهو ناسخ..
٥ في معاني القرآن للفراء ١/٤١٣: ".... يريد: ويقولون، مضمرة، كما قال: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا﴾ [السجدة: آية ١٢]، يريد: يقولون: ﴿ربنا﴾ وفي قراءة عبد الله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)، يقولان ﴿ربنا﴾"، انظر: مجاز القرآن ١/٢٤٧، ومعاني القرآن للأخفش ١/٣٥١، وجامع البيان ١٤/١٧، والبيان ١/٣٨٩، وزاد المسير ٣/٣٦٩، والدر المصون ٣/٣٢٧..
٦ انظر: المصادر السالفة فوقه..
٧ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٩٠، بتصرف يسير. وهو قول مقاتل في تفسير الماوردي ٢/٣٢٦، وزاد المسير ٣/٣٦٨. وأورده البغوي ٣/٣٦٧، والقرطبي ٨/٢٠، والشوكاني ٢/٣٦٢ من غير عزو. وينظر: جامع البيان ١٤/١٥..
٨ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٩٠، باختصار، وتفسير القرطبي ٨/٢٠، وفتح القدير ٢/٣٦٢..
٩ التفسير ٣٥٦، وجامع البيان ١٤/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧١٨، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٩..
١٠ في الأصل: أستاههم، وهو سبق قلم ناسخ..
١١ جامع البيان ١٤/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٧١٨، وتفسير البغوي ٣/٣٦٨، وتفسير ابن كثير ٢/٣١٩، والدر المنثور ٤/٨١، وحرف فيه إلى: أشباههم، ولا معنى له..
١٢ جامع البيان ١٤/١٦، وتفسير البغوي ٣/٣٦٨، وتفسير ابن كثير: ٢/٣١٩..
١٣ في الأصل: للذين، وهو تحريف..
١٤ وهو تام عند نافع، كما في القطع والإئتناف ٣٥٢، وتعقبه الداني في المكتفى ٢٨٧، بقوله: "وتفسير السلف على غير ذلك"، فالملائكة عندهم، هي التي تتوفى الذين كفروا..
١٥ ﴿الملائكة﴾: مبتدأ، و﴿يضربون﴾: خبره، والجملة في موضع الحال، كما في المحرر الوجيز ٢/٥٤٠..
١٦ الزمر: ٣٩..
١٧ هذا التوجيه لنصير النحوي، كما في القطع والإئتناف ٣٥٣، انظر: المقصد ١٥٩، ومنار الهدى ١٥٩..
١٨ في الأصل: وقعت، وهو تحريف..
١٩ انظر: القطع والإئتناف ٣٥٣، والمقصد ١٥٩، ومنار الهدى ١٦٠..
٢٠ في الأصل: هي، وهو تحريف..
٢١ وهو اختيار النحاس في القطع والإئتناف ٣٥٣، وهو عنده كاف، وعند أحمد بن جعفر تام، وأبي يحيى الأنصاري في المقصد ١٦٠، والأشموني في منار الهدى ١٦٠..
٢٢ تقدير المضمر للفراء في معاني القرآن ١/٤١٣، ص٦٢٩، هامش ٣، قال ابن الأنباري في البيان ١/٣٨٩: "... وحذف القول كثير في كتاب الله تعالى، وكلام العرب"..
٢٣ في المخطوطتين: ذوقوا، وأثبت نص التلاوة..
٢٤ وهو كاف في المقصد ١٦٠، ومنار الهدى ١٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى