غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿أن تكون﴾ بالتاء الفوقانية : أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ﴿أسارى﴾ يزيد والمفضل. الآخرون ﴿أسرى﴾ من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. ﴿من ولايتهم﴾ بكسر الواو حمزة. والباقون : بفتحها.
الوقوف :﴿في الأرض﴾ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون ﴿الآخرة﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿عظيم﴾ ه ﴿واتقوا الله﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿منهم﴾ ط ﴿حكيم﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿حتى يهاجروا﴾ ج ﴿ميثاق﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿أولياء بعض﴾ ط ﴿كبير﴾ ه ﴿حقا﴾ ط ﴿كريم﴾ ه ﴿منكم﴾ ط ﴿في كتاب الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم قال ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً. وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد ﷺ صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه ذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس. ثم قال ﴿لا تفعلوه﴾ أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً ﴿تكن فتنة﴾ أي تحصل مفاسد عظيمة ﴿في الأرض﴾ من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ما كان لنبي﴾ الروح ﴿أن يكون له أسرى﴾ أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله ﷺ قبل الوحي يتحنث في غار حراء ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها ﴿والله يريد الآخرة﴾ منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن ﴿عذاب عظيم﴾ هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار ﴿حلالاً طيباً﴾ نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. ﴿واتقوا الله﴾ عما سواه ﴿إن الله غفور﴾ يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم ﴿رحيم﴾ بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيراً﴾ من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه ﴿يؤتكم خيراً﴾ مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة ﴿فأمكن منهم﴾ عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة ﴿والله عليم﴾ بأحوالهم ﴿حكيم﴾ فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. ﴿والذين آووا﴾ ذكر الله ومحبته في القلوب ﴿ونصروا﴾ المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله ﴿والذين آمنوا﴾ بأن الطلب حق ﴿ولم يهاجروا﴾ عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. ﴿وإن استنصروكم﴾ تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم ﴿فعليكم النصر﴾ بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم ﴿إلا على قوم﴾ أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد ﴿فأولئك منكم﴾ يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :«أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى