الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ إلى قوله :﴿إن الله عزيز حكيم﴾[ ٩-١٠ ]. قرأ عيسى بن عمر : " إني ممدكم "، أي : قال : إني ممدكم(١).
ومن قرأ :﴿مردفين﴾، بفتح(٢) الدال، يجوز أن يكون نصبا على الحال من الضمير في :﴿ممدكم﴾(٣).
وقيل : هو في موضع خفض نعت ل(٤) : " ألف " (٥).
ومن كسر الدال(٦) فمعناه : يُردف بعضهم بعضا، أي : يتبع بعضهم بعضا(٧). يقال : ردفته(٨) وأردفته : إذا تبعته(٩).
وأنكر أبو عبيد(١٠) أن يكون/المعنى : يُردف بعضهم بعضا، أي : يحمله خلفه، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل(١١).
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضا في الإتيان(١٢) لا في الركوب(١٣)، وقد روي عن ابن عباس أنه قال : وراء كل مَلَكٍ مَلَكٌ(١٤).
فمعنى الكسر : أن الملائكة يُردف بعضها بعضا(١٥)، أي : يتبع(١٦).
ومعنى الفتح : أن الله أردف بهم المؤمنين(١٧).
حكى سيبويه " مردفين " : بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها(١٨).
وأصله : " مرتدفين "، ثم أدغم " التاء " في " الدال " بعد أن ألقى حركتها على " الراء " (١٩).
وحكى أيضا : " مردفين " بكسر الراء(٢٠)، على أنه " مرتدفين " أيضا، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة " التاء " (٢١).
ومعنى الآية :﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾[ ٨ ]، ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾[ ٩ ]، أي : حين ذلك(٢٢)، أي : تستجيرون(٢٣) به من عدوكم، ﴿فاستجاب﴾ ربكم ﴿لكم أني ممدكم﴾، أي : بأني(٢٤) ﴿ممدكم بألف من الملائكة﴾ يردف بعضهم بعضا، أي : يتلو(٢٥). وروي عن عاصم(٢٦) : " ألف " (٢٧)، على وزن " أَفْعُل " (٢٨).
قال ابن عباس : لما اصطف القوم، قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ! ورفع النبي ﷺ يده، وقال : يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا(٢٩).
قال السدي : فاستجاب الله عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر(٣٠).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي ﷺ، إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدّ يده، وجعل يهتف بربه : " اللهم أنجز ما وعدتني "، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه ﷺ، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال : يا نبي الله كذلك(٣١) مناشدتك(٣٢) ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك(٣٣) !.
١ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، وعنه نقل مكي، وشواذ القرآن لابن خالويه ٥٤، وفيه: "عيسى وأحمد عن أبي عمرو"، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٤، وفيه: "وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه، وعيسى بن عمر بخلاف عنه: "إني"، بكسر الألف، أي: قال: "إني، والبحر المحيط ٤/٤٦٠، وفيه: "وقرأ الجمهور: ﴿إني﴾ بفتح، أي: "بأني"، وعيسى بن عمر، ورواها عن أبي عمرو: "إني" بكسرها على إضمار القول على مذهب البصريين..."..
٢ وهي قراءة نافع وحده، كما في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٨٩، وفيه: "وحجة من فتح: أنه بناه على ما لم يسمّ فاعله؛ لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة أي: أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار": وكتاب السبعة في القراءات ٣٠٤، وإعراب القراءات السبع لابن خالويه ١/٢٢١، وحجة القراءات لأبي زرعة ٣٠٧، والتيسير ٩٥. وانظر: جامع البيان ١٣/٤١٦، ففيه تعقيب على قراءة فتح الدال..
٣ مشكل إعراب القرآن ١/٣١١، والكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٨٩، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، وفيه: "... يكون في موضع نصب على الحال من: "كم" في: ﴿ممدكم﴾، أي: أردف بهم المؤمنين، وهذا مذهب مجاهد: أي: ممدين"..
٤ في "ر": للألف..
٥ مشكل إعراب القرآن ١/٣١١، بلفظ: "... أو نعتا لـ: "ألف"، تقديره: يمدكم متبعين بألف"، والكشف ١/٤٨٩، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، والبيان في غريب القرآن ١/٣٨٤، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦..
٦ وهي قراءة باقي السبعة: ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، عدا نافع. الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٨٩، وكتاب السبعة في القراءات ٣٠٤، وإعراب القراءات السبع وعللها ١/٢٢١، والتيسير في القراءات السبع ٩٥، وزاد المسير ٣/٣٢٦. وبها قرأ الحسن، ومجاهد، كما في تفسير ابن عطية ٢/٥٠٤، والبحر المحيط ٤/٤٦٠، وهي الاختيار عند مكي في الكشف، وعند الطبري في جامع البيان ١٣/٤١٦..
٧ قال في تفسير مشكل الغريب ١٨٠: ﴿مردفين﴾: بعضهم في إثر بعض"..
٨ ردفته، بالكسر،: لحقته وتبعته. المصباح / ردف..
٩ انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٨٩، ومشكل إعراب القرآن ١/٣١٢، وجامع البيان ١٣/٤١٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، وإعراب القراءات السبع وعللها ١/٢٢١، وحجة القراءات لأبي زرعة ٣٠٧، والدر المصون ٣/٣٩٩..
١٠ هو: القاسم بن سلام، أبو عبيد الأنصاري البغدادي، الإمام، ألف في القراءات، ومعاني القرآن، والفقه، واللغة، والشعر. توفي بمكة سنة ٢٢٤هـ. انظر معرفة القراء الكبار ١/١٧٠، وطبقات المفسرين للداودي ٢/٣٧..
١١ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، بلفظ: "و﴿مردفين﴾ بكسر الدال، قال أبو عمرو فيه: أي: أردف بعضهم بعضا، ورد أبو عبيد على أبي عمرو هذا القول، وأنكر كسر الدال، واحتج أن معنى أردف فلان فلانا جعله خلفه. قال: ولا نعلم هذا في صفة الملائكة يوم بدر، وأنكر أن يكون أردف بمعنى ردف. قال: لقول الله عز وجل: ﴿تتبعها الرادفة﴾[النازعات آية: ٧]، ولم يقل: المردفة...". انظر: مشكل إعراب القرآن ١/٣١٢، وجامع البيان ١٣/٤١٤، ففيه قول أبي عبيدة من غير نسبة..
١٢ في الأصل: الإيتار، براء مهملة، وهو تحريف..
١٣ هذه خلاصة رد النحاس على أبي عبيد. انظر: إعراب القرآن ٢/١٧٨..
١٤ جامع البيان ١٣/٤١٢، وتفسير ابن كثير ٢/٢٩٠، والدر المنثور ٤/٣٠..
١٥ وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء كما في جامع البيان ١٣/٤١٤، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨. انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٤٨٩..
١٦ في تفسير القرطبي ٧/١٣٥،: "بالكسر": اسم فاعل، أي: متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك أهيب في العيون"..
١٧ قال في الكشف ١/٤٨٩: "وحجة من فتح: أنه بناه على ما لم يسم فاعله؛ لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي: أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار". انظر: جامع البيان ١٣/٤١٤، ٤١٦..
١٨ معاني القرآن للزجاج ٣/٤٠٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢/١٨٩، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦، وهي رواية الخليل بن أحمد عن بعض المكيين، كما في مختصر في شواذ القرآن ٤٥، والمحتسب في تبيين وجوه القراءات ١/٢٧٣، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٤، والبحر المحيط ٤/٤٦٠، والدر المصون ٣/٣٩٩. وفي جامع البيان ١٣/٤١٧، عزيت لعبد الله بن يزيد. وهي غير منسوبة في البيان في غريب إعراب القرآن ١/٣٨٤، وفي التبيان في إعراب القرآن ٢/٦١٧..
١٩ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٨٩، وتمام نصه: "لئلا يلتقى ساكنان"، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦. وانظر: الكتاب ٤/٤٤٤، ومعاني القرآن للزجاج ٢/٤٠٣، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ١/٢٧٣، وزاد المسير ٣/٣٢٧..
٢٠ في المحرر الوجيز ٢/٥٠٥: "حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم [السجستاني]...". وفي جامع البيان ١٣/٤١٧: "قال عبد الله بن يزيد...". وهي رواية عن الخليل في المحتسب ١/٢٧٣..
٢١ لمزيد بيان انظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٠٣، والمحتسب ١/٢٧٣، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٥، وزاد المسير ٣/٣٢٦، والتبيان في إعراب القرآن ٢/٦١٧، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦، والبحر المحيط ٤/٤٦٠، والدر المصون ٣/٣٩٩..
٢٢ في جامع البيان ١٣/٤٠٨، الذي نقل عنه مكي: "حين تستغيثون ربكم، فـ:﴿إذ﴾ من صلة ﴿يبطل﴾"..
٢٣ انظر: الفرق بين المستجير والمنتصر في تفسير الماوردي ٢/٢٩٨، وزاد المسير ٣/٣٢٥..
٢٤ في الكشاف ٢/١٩٠: "﴿أني ممدكم﴾، أصله: بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه "استجاب" فنصب محله". وهي قراءة العامة كما سلف، انظر: التحرير والتنوير ٩/٢٧٥..
٢٥ جامع البيان ١٣/٤٠٩، بتصرف يسير.
والمعنى الذي انتهى إليه مكي هاهنا، هو ترجيح لقراءة كسر الدال، وهو ما نص عليه في الكشف ١/٤٨٩، بقوله: "وكسر الدال أحب إليَّ؛ لأنه قد يكون بمعنى الفتح؛ ولأن عليه أكثر القراء"..

٢٦ الجحدري..
٢٧ قال في مشكل إعراب القرآن ١/٣١١: "وروي عن عاصم أنه قرأ بـ: "آلُفٌ" من الملائكة، جعله جمع "ألف"، "فعلا" على "أفعل"، كـ: "فَلُسَ" و"أفْلُس". وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: ﴿بخمسة ألف﴾ [آل عمران: ١٢٥]. فآلف جمع ألف لما دون العشرة وهي واقعة على خمسة آلاف المذكورة في آل عمران"..
٢٨ إعراب القرآن للنحاس ٢/١٧٨، وعنه نقل مكي، والمحرر الوجيز ٢/٥٠٤، وتفسير القرطبي ٧/٢٣٦. وهي غير منسوبة في البيان في غريب إعراب القرآن ١/٣٨٤، والتبيان في إعراب القرآن ٢/٦١٧. وفي حاشية الصاوي على الجلالين: "وقرئ بـ: آلف، كـ: أفلس، أي: شذوذا. قوله: كأفلس، أي: فأبدلت الهمزة الثانية ألفا". انظر: زاد المسير ٣/٢٢٦..
٢٩ صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ٢٤٧، وجامع البيان ١٣/٤١٠..
٣٠ لم أجده بهذا اللفظ. وفي جامع البيان ١٣/٤١١: "حدثني محمد بن الحسين قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو الله ويستغيثه ويستنصره، فأنزل الله عليه الملائكة"..
٣١ كذا في المخطوطتين، وفي تفسير غريب ما في الصحيحين ٥١،: "كذلك مناشدتك ربك: إشارة إلى الرفق وترك الإلحاح". وفي مشارق الأنوار ٢/٤٢١،: "قوله: "كذاك مناشدتك ربك"، كذا لهم. وعند العذري: "كفاك"، بالفاء، وهما بمعنى: قال ابن قتيبة معناه: حسبك،...". وفي النهاية في غريب الحديث ٤/١٦٠،: "ومنه حديث أبي بكر يوم بدر: "يا نبي الله كذاك"، أي: حسبك الدعاء". وفي اللسان / كذا: "وفي حديث عمر: كذاك لا تذعروا إبلنا أي: حسبكم". انظر: غريب الحديث لابن قتيبة ٢/٣٧، ٣٨.
وفي مصادر التوثيق أسفله، هامش ٣: "كفاك"، عدا: زاد المسير، فقيه "كذاك"، وفي هامشه: "هكذا وقع لجماهير رواة مسلم "كذاك" ولبعضهم "كفاك" وكل بمعنى..."..

٣٢ في الأصل: منا شهدتك، وهو تحريف..
٣٣ جامع البيان ١٣/٤٠٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٥/١٦٦٢، وتفسير البغوي ٣/٣٣٢، والكشاف ٢/١٩٠، وزاد المسير ٣/٣٢٥، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٩، مطولا، والدر المنثور ٤/٢٨، مطولا وحاشية الجمل على الجلالين ٣/١٧١، وفتح القدير ٢/٣٣١.
وقال الشيخ محمود شاكر في هامش تحقيقه لجامع البيان: "... وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه، مطولا..."، ورواه أحمد في مسنده،..." وروى بعضه أبو داود في سننه، ورواه الترمذي في كتاب التفسير، مختصرا... ورواه أبو جعفر الطبري في تاريخه من هذه الطريق نفسها"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى