غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
الوقوف :﴿الم﴾ كوفي. ﴿لا يفتنون﴾ ٥ ﴿الكاذبين﴾ ٥ ﴿يسبقونا﴾ ط ﴿يحكمون﴾ ٥ج ﴿لآت﴾ ط ﴿العليم﴾ ٥ ﴿لنفسه﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿يعملون﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿فلا تطعهما﴾ ط ﴿تعملون﴾ ٥ ﴿الصالحين﴾ ٥ ﴿كعذاب الله﴾ ط ﴿معكم﴾ ط ﴿العالمين﴾ ٥ ﴿المنافقين﴾ ٥ ﴿خطاياكم﴾ ط ﴿شيء﴾ ط ﴿لكاذبون﴾ ٥ ﴿مع أثقالهم﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين. ﴿يفترون﴾ ٥ ﴿عاماً﴾ ط لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿الطوفان﴾ ط ﴿ظالمون﴾ ٥ ﴿للعالمين﴾ ٥.
ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له : إن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون ؟
سؤال : ما الفائدة في قوله ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ دون أن يقول : تسعمائة وخمسين. الجواب : لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب. فإن من قال : عاش فلأن ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً. فإذا قال : إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم. وأيضاً المقصود تثبيت النبي ﷺ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض. وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام. قال بعض الأطباء : العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة. فاعترضوا عليهم بعمر نوح عليه السلام وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا : عمر نوح ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة. ويمكن أن يقال : إنهم أرادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم. ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال ﷺ " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين " والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل. وفي قوله ﴿وهم ظالمون﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿أحسب الناس﴾ أي الناسون من أهل البطالة ﴿أن يتركوا﴾ بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه. فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال : إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿أم حسب الذين﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿أن يسبقونا﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام. ﴿ساء ما يحكمون﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات. ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظرإلى جمالنا ﴿وهو السميع﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين. ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الأمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿وعملوا الصالحات﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿لنكفرن عنهم﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ولنجزينهم﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿وإن جاهداك لتشرك بي﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الأشباح كما قال عيسى عليه السلام : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. فهو أحق برعاية الحقوق منهما. ﴿جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح. والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله. ﴿وقال الذين كفروا﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿وما هم بحاملين﴾ شيئاً ﴿من خطاياهم﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.
ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له : إن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون ؟
سؤال : ما الفائدة في قوله ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ دون أن يقول : تسعمائة وخمسين. الجواب : لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب. فإن من قال : عاش فلأن ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً. فإذا قال : إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم. وأيضاً المقصود تثبيت النبي ﷺ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض. وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام. قال بعض الأطباء : العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة. فاعترضوا عليهم بعمر نوح عليه السلام وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا : عمر نوح ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة. ويمكن أن يقال : إنهم أرادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم. ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال ﷺ " أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين " والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل. وفي قوله ﴿وهم ظالمون﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.