الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله تعالى ذكره :﴿أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل﴾ ٢٨ إلى قوله :﴿لو كانوا يعلمون﴾ ٤١.
أي : تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين.
روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرد ديارهم من الغرباء قاله ابن زيد (١).
روي أنهم كانوا مع فسقهم يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأموال حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد (٢).
وقوله :﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ روي عن عائشة أنه الفراط (٣)، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم.
وروت أم هانئ (٤) أنها سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى ذكره :﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ قال : " كانوا يخذفون (٥) أهل الطريق ويسخرون منهم، فهو المنكر الذي كانوا يأتون " (٦) وقاله عكرمة والسدي (٧).
وقال مجاهد : المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضا في المجالس (٨). وهو قول قتادة وابن زيد (٩). والحديث المروي عن النبي ﷺ أولى بالاتباع.
ورى ذلك عن ابن شهاب (١٠). " إن على من عمل عمل قوم لوط الرجم أحصن أو لم يحصن (١١) ".
قال مالك : إذا شهد على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رجما، ولا يرجمان (١٢) حتى يرى كما يرى المرود في المكحلة أحصنا أو لم يحصنا إذا كانا قد بلغا الحلم (١٣).
وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال : " اقتلوا الفاعل والمفعول به " (١٤)
وقال علي ابن أبي طالب : يحرق الفاعل والمفعول به في النار (١٥). وروي أن أبا بكر شاور عليا في هذا فأمر بحرقهما (١٦).
وفعل ابن الزبير (١٧) مثل ذلك في أيامه (١٨)، وفعله هشام ابن عبد الملك (١٩) (٢٠)، وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل (٢١).
وروى أبو هريرة (٢٢) أن النبي ﷺ " أمر برجمهما (٢٣) " وأكثر الروايات عن النبي ﷺ في ذلك " القتل لهما جميعا (٢٤) " وفي بعض الحديث : " ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه (٢٥) "
وروى أنس (٢٦) أن النبي ﷺ قال : " إذا علا الذكر الذكر اهتز العرش وقالت السماوات : يا رب مرنا أن نحصبه (٢٧)، وقالت الأرض : يا رب مرنا نبتلعه، فيقول : دعوه فإن مرره بي ووقوفه بين يدي (٢٨) "
ثم قال تعالى ذكره :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا إيتنا بعذاب الله﴾ أي : ما جاوب لوطا قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلا أن قالوا : جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقا في قولك.
١ انظر: جامع البيان ٢٠/ ١٤٥، والدر المنثور ٦/٤٦٠.
٢ هذه الرواية وردت في الجامع للقرطبي ١٣/ ٣٤١، مختصرة ومنسوبة لابن زيد.
٣ أورده الطبري في جامع البيان ٢٠/ ١٤٥، وتاريخ الأمم والملوك ١/١٥١، والسيوطي في الدر المنثور ٦/٤٦١، والحديث من رواية عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها..
٤ هي فاختة بنت أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية القرشية المشهورة بأم هانئ، أخت أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وبنت عم النبي ﷺ لها أحاديث في الكتب الستة وغيرها. توفيت في خلافة معاوية. انظر: طبقات ابن سعد ٨/٤٤، والاستيعاب ٤/ ١٨٨٩، ٤٠٦٤، والإصابة ٤/٥٠٣، ١٥٣٣، وتقريب التهذيب ٢/٦٢٥، ٩٥..
٥ الخذف: هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة من خشب ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبابة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/١٦.
٦ أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٣٤١، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٠٩، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. انظر: الحديث أيضا في: جامع البيان ٢٠/ ١٤٥، وتاريخ الأمم والملوك ١/١٥٢، وتفسير البغوي ٥/١٩٢، والجامع للقرطبي ١٣/٣٤٢، وتفسير ابن كثير ٣/٤١٢، والدر المنثور ٦/ ٤٦٠.
٧ انظر: جامع البيان ٢٠/ ١٤٥، والدر المنثور ٦/ ٤٦١، والسدي: هو إسماعيل بن عبد الرحمن ابن أبي كريمة الهاشمي السدي الكبير، أبو محمد الكوفي الأعور، أصله من الحجاز، مفسر روى عن ابن عباس وأنس وطائفة، وروى عنه الثوري والحسن بن صالح وغيرهما. توفي سنة ١٢٧ هـ
انظر: النجوم الزاهرة ١/ ٣٠٤، وميزان الاعتدال ١/ ٢٣٦ وطبقات المفسرين ٢/ ١١٠..

٨ انظر: جامع البيان ٢٠/ ١٤٦، وتاريخ الأمم والملوك ١/ ١٥٢، والكشف والبيان للثعلبي ٦/ ٢٣، وتفسير البغوي ٥/١٩٢، والمحرر الوجيز ١٢/ ٢١٧، والجامع للقرطبي ١٣/٣٤٢، والدر المنثور ٦/ ٤٦١.
٩ انظر: جامع البيان ٢٠/ ١٤٦، والدر المنثور ٦/ ٤٦١.
١٠ هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري المدني الحافظ روى عن ابن عمرو سهل ابن سعد، وروى عنه مالك، والأوزاعي والليث. توفي سنة ١٢٤هـ انظر: صفة الصفوة ٢/ ١٣٦، ١٧٨، ووفيات الأعيان ٤/ ١٧٧، ٥٦٣، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨، ٩٦، وغاية النهاية ٢/ ٢٦٢، ٣٤٧٠.
١١ أخرجه مالك في الموطأ كتاب الحدود رقم الحديث ١٢.
١٢ في الأصل ولا يرجما.
١٣ انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر ٥٧٤. وانظر: أيضا سنن الترمذي ٣/٩ ونيل الأوطار مختصرا ٧/٢٨٨.
١٤ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود باب في من عمل عمل قوم لوط (٤٤٦٢) والترمذي في سننه، باب من جاء في حد اللوطي (١٤٨١) وقال: "هذا حديث في إسناده مقال، ولا تعلم أحدا رواه عن سهيل بن أبي صالح غير عاصم بن عمر العمري، وعاصم بن عمر يضعف في الحديث من قبل حفظه، "كما أخرجه ابن ماجه في سننه، باب من عمل عمل قوم لوط (٢٥٦١).
١٥ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٤٨٤، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٨٨.
١٦ انظر: المصدرين السابقين.
١٧ هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبو خبيب، فارس قريش في زمانه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، شهد فتح إفريقيا زمن عثمان، وبويع بالخلافة سنة ٦٤هـ وتوفي سنة ٧٣هـ انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٧١، ٣٤٠، والإصابة ٢/ ٣٠٩، ٤٦٨٢، وتقريب التهذيب ٤/ ٤١٥، ٣٠٤.
١٨ انظر: أحكام ابن العربي ٣/ ١٤٨٥ ونيل الأوطار ٧/٢٨٨.
١٩ هو هشام بن عبد الملك بن مروان، من خلفاء الدولة الأموية في الشام ولد في دمشق، وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة ١٠٥هـ انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٨/٢٨٣، والكامل لابن الأثير ٥/٢٦١، وتاريخح ابن خلدون ٣/١٠٦، ١٢٩.
٢٠ انظر: أحكام ابن العربي ٣/ ١٤٨٥، ونيل الأوطار ٧/٢٨٨..
٢١ قاله ابن وهب، محتجا بأن النار لا يعذب بها إلا الله تعالى. انظر: أحكام ابن العربي ٣/١٤٨٤..
٢٢ هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، راوية الحديث عن رسول الله ﷺ وعن أبي بكر وعمر وغيرهم، وروى عنه ابن المسيب وعكرمة وعروة وعطاء. توفي سنة ٥٨هـ انظر: طبقات ابن سعد ٢/ ٦٢، وصفة الصفوة ١/ ٦٨٥، ٩٧، وتذكرة الحفاظ١/ ٣٢، ١٦ والإصابة ٤، ٤٠٣، ٥١٤٠.
٢٣ أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الحدود ٢٥٦٢، وفيما يلي نص الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط قال: "ارجموا الأعلى والأسفل ارجموهما جميعا".
٢٤ انظر سنن ابن ماجه كتاب الحدود ٢٥٦١.
٢٥ الحديث من رواية ابن عباس، أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الحدود ٢٥٦٤، وأحمد في مسنده ١/ ٣٠٠، والحاكم في مستدركه ٤/ ٣٥٦، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وفيما يلي نص الحديث: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة".
٢٦ هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري. خادم رسول الله ﷺ روى عنه وعن الخلفاء الأربعة، وروى عنه قتادة والزهري وابن سيرين. توفي سنة ٩٣هـ انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١٧، ٩٣ وصفة الصفوة ١/٧١٠، ١٠٤ والإصابة ١/٣١، ٢٧٧، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٧٦، ٦٩٠، وتقريب التهذيب ١/٨٤، ٦٤٤.
٢٧ جاء في اللسان مادة "حصب" ١/ ٣١٩، و"الحصب": رميك بالحصباء حصبه يحصبه حصبا: رماه بالحصباء.. وتحاصبوا : تراموا بالحصباء. وحصبته أحصبه: رميته بالحصباء..
٢٨ أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، ص٢٠٤، ١٢، وقال: "هو موضوع"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى