الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً﴾ :" أل " في الألواح يجوز أن تكون لتعريف الماهيَّة وأن تكونَ للعهد، لأنه يُروى في القصة أنه هو الذي قطعها وشقَّقها. وقال ابن عطية :" أل " عوض من الضمير، تقديره :" في ألواحه " وهذا كقوله :﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، أي : مَأْواه ". أمَّا كون " أل " عوضاً من الضمير فلا يَعْرفه البصريون. وأمَّا قولُه ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ فإنَّا نحتاج فيه إلى رابطٍ يَرْبِط بين الاسم والخبر، فالكوفيون يجعلون أل عوضاً من الضمير، والبصريون يُقَدِّرونه، أي : هي المأوى له، وأما في هذه الآية فلا ضرورةَ تدعو إلى ذلك.
وفي مفعول " كَتَبْنَا " ثلاثةُ أوجه، أحدُها : أنه " موعظة "، أي : كتبنا له موعظة/ وتفصيلاً. و " من كل شيء " على هذا فيه وجهان، أحدُهما : أنه متعلِّقٌ ب " كتبنا "، والثاني : أنه متعلق بمحذوف لأنه في الأصلِ صفةٌ ل " موعظة "، فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً، و " لكلِّ شيء " صفةٌ ل " تفصيلاً ". والثاني : أنه " من كل شيء ". قال الزمخشري :" من كل شيء " في محل النصب مفعول " كتبنا "، و " موعظة وتفصيلاً " بدل منه، والمعنى : كَتَبْنا له كلَّ شيء كان بنو إسرائيل يَحْتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيلِ الأحكام ". الثالث : أن المفعولَ محلُّ المجرور. قال الشيخ بعدما حكى الوجهَ الأول عن الحوفي والثاني عن الزمخشري :" ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ وهو أن يكونَ مفعولُ " كَتَبْنا " موضع المجرور كما تقول :" أكلت من الرغيف " و " مِنْ " للتبعيض، أي : كتبنا له أشياء من كل شيء، وانتصب " مَوْعِظة وتفصيلاً " على المفعول من أجله، أي : كتبنا له تلك الأشياءَ للاتِّعاظ وللتفصيل " قلت : والظاهر أن هذا الوجهَ هو الذي أراده الزمخشري فليس وجهاً ثالثاً.
قوله :" بقوة " حالٌ : إمَّا من الفاعل، أي : ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي : ملتبسةً بقوة، أي : بقوة دلائلها وبراهينها، والأولُ أوضحُ. والجملةُ مِنْ قوله " فَخُذْها " يُحتمل أن تكونَ بدلاً من قوله " فخُذْ ما آتيتك " وعاد الضميرُ على معنى " ما " لا على لفظِها. ويحتمل أن تكونَ منصوبةً بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة " كتبنا " والتقدير : وكتبنا فقلنا : خُذْ ما. والضميرُ على هذا عائدٌ على الألواح، أو على التوراة، أو على الرسالات، أو على كل شيء لأنه في معنى الأشياء.
قوله :﴿يَأْخُذُواْ﴾ الظاهرُ أنه مجزومٌ جواباً للأمر في قوله " وَأْمُرْ ". ولا بدَّ مِنْ تأويله لأنه لا يلزمُ مِنْ أمره إياهم بذلك أن يأخذوا، بدليلِ عصيانِ بعضِهم له في ذلك، فإنَّ شَرْط ذلك انحلال الجملتين إلى شَرْطٍ وجزاء. وقيل : انجزم على إضمار اللام تقديره : ليأخذوا، كقوله :
وهو مذهبُ الكسائي، وابنُ مالك يرى جَوازه إذا كان في جواب " قل "، وهنا لم يُذكر " قل " ولكن ذُكِر شيءٌ بمعناه ؛ لأن معنى " وَأْمُرْ " و " قل " واحد.
قوله :﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ يجوز أن يكونَ حالاً كما تقدم في " بقوة " وعلى هذا فمفعولُ " يأخذوا " محذوفٌ تقديرُه : يأخذوا أنفسهم. ويجوز أن تكونَ الباءُ زائدةً، و " أحسنُها " مفعولٌ به والتقدير : يأخذوا أحسنَها كقوله :
وقد تقدَّم ذلك محقَّقاً في قوله تعالى :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[البقرة: ١٩٥]. و " أحسن " يجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، وأن لا تكونَ بل بمعنى حَسَنة كقوله :
أي : عزيزةٌ طويلة.
قوله :﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ جَوَّزوا في الرؤية هنا أن تكون بصَريةً وهو الظاهر فتتعدَّى لاثنين، أحدهما : ضمير المخاطبين، والثاني " دار ". والثاني : أنها قلبيةٌ وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى : سأُعْلِمُكُمْ سيرَ الأولين وما حلَّ بهم من النَّكال. وقيل : دار الفاسقين : ما دارَ إليه أمرُهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإِخبار والإِعلام. قال ابن عطية : معترضاً على هذا الوجه " ولو كان من رؤية القلب لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةِ مفعولين. ولو قال قائل : المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى فهو مُقَدَّر، أي : مَذْمومة أو خربة أو مُسَعَّرة على قول من قال إنها جهنم قيل له : لا يجوزُ حَذْفُ هذا المفعولِ ولا الاقتصارُ دونَه لأنها داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّز لكان على قبحٍ في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالى ".
قال الشيخ :" وحَذْفُ المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائزٌ فيجوز في جواب : هل أعلمتَ زيداً عمراً منطلقاً ؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف " منطلقاً " لدلالة الكلام السابق عليه ". قلت : هذا مُسَلَّم لكن أين الدليل عليه في الكلام كما في المثال الذي أبرزه الشيخ ؟ ثم قال :" وأمَّا تعليلُه بأنَّها داخلةٌ على المبتدأ والخبر لا يدل على المنع، لأن خبرَ المبتدأ يجوزُ حَذْفُه اختصاراً، والثاني والثالث/ في باب " أَعْلَمَ " يجوز حَذْفُ كلٍ منهما اختصاراً ". قلت : حَذْفُ الاختصار لدليل، ولا دليلَ هنا. ثم قال :" وفي قوله لأنها أي " سأريكم " داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوُّزٌ " ويعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر.
وقرأ الحسن البصري :" سأُوْريكم " بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما قاله الزمخشري :" وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقال : أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى : بَيِّنْه لي وأَنِرْه لأستبينَه. والثاني : ذكره ابن جني وهو أنه على الإِشباع فيتولَّد منها الواو قال :" وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإِتيان بالواو " قلت : وهذا كقول الآخر :
لكن الإِشباعَ بابُه الضرورة عند بعضِهم. وقرأ ابن عباس وقسامة ابن زيد :" سأُوْرِثكم ". قال الزمخشري :" وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وفي مفعول " كَتَبْنَا " ثلاثةُ أوجه، أحدُها : أنه " موعظة "، أي : كتبنا له موعظة/ وتفصيلاً. و " من كل شيء " على هذا فيه وجهان، أحدُهما : أنه متعلِّقٌ ب " كتبنا "، والثاني : أنه متعلق بمحذوف لأنه في الأصلِ صفةٌ ل " موعظة "، فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً، و " لكلِّ شيء " صفةٌ ل " تفصيلاً ". والثاني : أنه " من كل شيء ". قال الزمخشري :" من كل شيء " في محل النصب مفعول " كتبنا "، و " موعظة وتفصيلاً " بدل منه، والمعنى : كَتَبْنا له كلَّ شيء كان بنو إسرائيل يَحْتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيلِ الأحكام ". الثالث : أن المفعولَ محلُّ المجرور. قال الشيخ بعدما حكى الوجهَ الأول عن الحوفي والثاني عن الزمخشري :" ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ وهو أن يكونَ مفعولُ " كَتَبْنا " موضع المجرور كما تقول :" أكلت من الرغيف " و " مِنْ " للتبعيض، أي : كتبنا له أشياء من كل شيء، وانتصب " مَوْعِظة وتفصيلاً " على المفعول من أجله، أي : كتبنا له تلك الأشياءَ للاتِّعاظ وللتفصيل " قلت : والظاهر أن هذا الوجهَ هو الذي أراده الزمخشري فليس وجهاً ثالثاً.
قوله :" بقوة " حالٌ : إمَّا من الفاعل، أي : ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي : ملتبسةً بقوة، أي : بقوة دلائلها وبراهينها، والأولُ أوضحُ. والجملةُ مِنْ قوله " فَخُذْها " يُحتمل أن تكونَ بدلاً من قوله " فخُذْ ما آتيتك " وعاد الضميرُ على معنى " ما " لا على لفظِها. ويحتمل أن تكونَ منصوبةً بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة " كتبنا " والتقدير : وكتبنا فقلنا : خُذْ ما. والضميرُ على هذا عائدٌ على الألواح، أو على التوراة، أو على الرسالات، أو على كل شيء لأنه في معنى الأشياء.
قوله :﴿يَأْخُذُواْ﴾ الظاهرُ أنه مجزومٌ جواباً للأمر في قوله " وَأْمُرْ ". ولا بدَّ مِنْ تأويله لأنه لا يلزمُ مِنْ أمره إياهم بذلك أن يأخذوا، بدليلِ عصيانِ بعضِهم له في ذلك، فإنَّ شَرْط ذلك انحلال الجملتين إلى شَرْطٍ وجزاء. وقيل : انجزم على إضمار اللام تقديره : ليأخذوا، كقوله :
| محمدٌ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ | إذا ما خِفْتَ مِنْ أمرٍ تَبالا |
قوله :﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ يجوز أن يكونَ حالاً كما تقدم في " بقوة " وعلى هذا فمفعولُ " يأخذوا " محذوفٌ تقديرُه : يأخذوا أنفسهم. ويجوز أن تكونَ الباءُ زائدةً، و " أحسنُها " مفعولٌ به والتقدير : يأخذوا أحسنَها كقوله :
| . . . . . . . . . . . . . . . . . | سودُ المحاجر لا يَقْرأن بالسُّوَرِ |
[البقرة: ١٩٥]. و " أحسن " يجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، وأن لا تكونَ بل بمعنى حَسَنة كقوله :
| إنَّ الذي سَمَك السماء بنى لنا | بيتاً دعائِمُهُ أعزُّ وأطولُ |
قوله :﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ جَوَّزوا في الرؤية هنا أن تكون بصَريةً وهو الظاهر فتتعدَّى لاثنين، أحدهما : ضمير المخاطبين، والثاني " دار ". والثاني : أنها قلبيةٌ وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى : سأُعْلِمُكُمْ سيرَ الأولين وما حلَّ بهم من النَّكال. وقيل : دار الفاسقين : ما دارَ إليه أمرُهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإِخبار والإِعلام. قال ابن عطية : معترضاً على هذا الوجه " ولو كان من رؤية القلب لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةِ مفعولين. ولو قال قائل : المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى فهو مُقَدَّر، أي : مَذْمومة أو خربة أو مُسَعَّرة على قول من قال إنها جهنم قيل له : لا يجوزُ حَذْفُ هذا المفعولِ ولا الاقتصارُ دونَه لأنها داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّز لكان على قبحٍ في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالى ".
قال الشيخ :" وحَذْفُ المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائزٌ فيجوز في جواب : هل أعلمتَ زيداً عمراً منطلقاً ؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف " منطلقاً " لدلالة الكلام السابق عليه ". قلت : هذا مُسَلَّم لكن أين الدليل عليه في الكلام كما في المثال الذي أبرزه الشيخ ؟ ثم قال :" وأمَّا تعليلُه بأنَّها داخلةٌ على المبتدأ والخبر لا يدل على المنع، لأن خبرَ المبتدأ يجوزُ حَذْفُه اختصاراً، والثاني والثالث/ في باب " أَعْلَمَ " يجوز حَذْفُ كلٍ منهما اختصاراً ". قلت : حَذْفُ الاختصار لدليل، ولا دليلَ هنا. ثم قال :" وفي قوله لأنها أي " سأريكم " داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوُّزٌ " ويعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر.
وقرأ الحسن البصري :" سأُوْريكم " بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما قاله الزمخشري :" وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقال : أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى : بَيِّنْه لي وأَنِرْه لأستبينَه. والثاني : ذكره ابن جني وهو أنه على الإِشباع فيتولَّد منها الواو قال :" وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإِتيان بالواو " قلت : وهذا كقول الآخر :
| اللهُ يعلمُ أنَّا في تَلَفُّتِنا | يومَ اللقاء إلى أحبابنا صورُ |
| وأنني حيثما يثني الهوى بَصَري | من حيث ما سلكوا أَدْنُو فانظورُ |