محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٤٥ من سورة الأعراف في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٥٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٤٥ من سورة الأعراف

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره : وكتبنا لموسى في ألواحه. وأدخلت الألف واللام في «الألواح » بدلاً من الإضافة، كما قال الشاعر :
***والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبُ ***
وكما قال جلّ ثناؤه فإنّ الجَنّةَ هِيَ المَأْوَى يعني : هي مأواه.
وقوله : مِنْ كُلّ شَيْءٍ يقول من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعزّ سلطانه. مَوْعِظَةً لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب في الألواح. وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ يقول : وتبيينا لكلّ شيء من أمر الله ونهيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أو سعيد بن جبير وهو في أصل كتابي، عن سعيد بن جبير في قول الله : وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال : ما أمروا به ونهوا عنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ من الحلال والحرام.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد، قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله : وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال : ما أمروا به ونُهوا عنه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال عطية : أخبرني ابن عباس أن موسى ﷺ لما كربه الموت قال : هذا من أجل آدم، قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموت، فخطأ آدم أنزلنا ههنا فقال الله لموسى : أبعث إليك آدم فتخاصمه ؟ قال : نعم. فلما بعث الله آدم، سأله موسى، فقال أبونا آدم عليهما السلام : يا موسى سألت الله أن يبعثني لك قال موسى : لولا أنت لم نكن ههنا. قال له آدم : أليس قد أتاك الله من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً ؟ أفلست تعلم أنه ما أصَابَ في الأرْضِ من مُصِيَبةٍ ولا في أنْفُسِكُمْ إلا في كِتَابٍ مِنْ قَبْل أنْ نَبْرَأَهَا ؟ قال موسى : بلى. فخصمه آدم صلى الله عليهما.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول في قوله : وكَتَبْنا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ قال : كتب له لا تشرك بي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كلّ ذلك خلقي، ولا تحلف باسمي كاذبا، فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه، ووقّر والديك.

القول في تأويل قوله تعالى : فَخُذْهَا بِقُوّةٍ.


يقول تعالى ذكره : وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء : خذ الألواح بقوّة. وأخرج الخبر عن الألواح والمراد ما فيها.
واختلف أهل التأويل في معنى القوّة في هذا الموضع، فقال بعضهم : معناها بجدّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : حدثنا ابن عيينة، قال : قال أبو سعد، عن عكرمة عن ابن عباس : فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال : بجدّ.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال : بجدّ واجتهاد.
وقال آخرون : معنى ذلك : فخذها بالطاعة لله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعد، قال : أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله : فَخُذْهَا بِقُوّةٍ قال : بالطاعة.
وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده واختلاف أهل التأويل فيه في سورة البقرة عند قوله : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوّةٍ فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى : وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها.


يقول تعالى ذكره : قلنا لموسى : وأمر قومك بني إسرائيل يأخذوا بأحسنها. يقول : يعملوا بأحسن ما يجدون فيها كما :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها بأحسن ما يجدون فيها.
حدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس : وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها قال : أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه.
فإن قال قائل : وما معنى قوله : وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها أكان من خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن ؟ قيل : لا ولكن كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمَنْهيّ عنه.

القول في تأويل قوله تعالى : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ.


يقول تعالى ذكره لموسى إذ كتب في الألواح من كلّ شيء : خذها بجدّ في العمل بما فيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها، وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي، فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم، فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إليّ دار الفاسقين، وهي نار الله التي أعدّها لأعدائه. وإنما قال : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ كما يقول القائل لمن يخاطبه : سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ قال : مصيرهم في الاَخرة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا مسلم، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن، في قوله : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ قال : جهنم.
وقال آخرون : معنى ذلك : سأدخلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ : منازلهم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : دَارَ الفاسِقِينَ قال : منازلهم.
وقال آخرون : معنى ذلك : سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك :. . . . . . . . . . . .
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه : سأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ أمر من الله لموسى وقومه بالعمل بما في التوراة، فأولى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على من ضيعه وفرّط في العمل لله وحاد عن سبيله، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه أو عما لم يجر له ذكر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكتبنا لموسى في ألواحه.
* * *
وأدخلت الألف واللام في "الألواح" بدلا من الإضافة، كما قال الشاعر: (١)
والأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِب (٢)
وكما قال جل ثناؤه: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، [سورة النازعات: ٤١]، يعني: هي مأواه. (٣)
* * *
وقوله: "من كل شيء"، يقول: من التذكير والتنبيه على عظمة الله وعز سلطانه= "موعظة"، لقومه ومن أمر بالعمل بما كتب في الألواح (٤) = "وتفصيلا لكل شيء"، يقول: وتبيينًا لكل شيء من أمر الله ونهيه. (٥)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٠٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =: أو سعيد بن جبير، وهو في أصل
(١) (١) هو النابغة الذبياني.
(٢) (٢) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٥: ١٦٠، تعليق: ٣، ولم يذكر هناك موضعه هناك، فليقيد، والبيت، بروايته آنفاً:
لَهُمْ شِيمَةٌ لم يُعْطِها الدَّهْرُ غَيْرَهُمْمن الناسِ، فَالأحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ
(٣) (٣) انظر ما سلف ٥: ١٦٠، ١٦١.
(٤) (٤) انظر تفسير ((الموعظة)) فيما سلف من فهارس اللغة (وعظ).
(٥) (٥) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٦٨، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
كتابي: عن سعيد بن جبير= في قول الله: "وتفصيلا لكل شيء"، قال: ما أمروا به ونهوا عنه.
١٥١٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٥١٠٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء"، من الحلال والحرام.
١٥١٠٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدا يقول في قوله: "وتفصيلاً لكل شيء"، قال: ما أمروا به ونهوا عنه.
١٥١١٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء"، قال عطية: (١) أخبرني ابن عباس: أن موسى ﷺ انْصَلتَ لما كربه الموت، (٢) قال: هذا من أجل آدم! قد كان الله جعلنا في دار مثوًى لا نموت، فخطأ آدم أنزلنا هاهنا! فقال الله لموسى: أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم! فلما بعث الله آدم، سأله
(١) (١) هو ((عطية العوفي))، وهو جد ((محمد بن سعد)) الأعلى. انظر تفسير هذا الإسناد في رقم: ٣٠٥.
(٢) (٢) في المطبوعة، والدر المنثور ٣: ٢١: ((أن موسى ﷺ لما كربه الموت)). أسقط الذي كتبت: ((انصلت))، وهي في المخطوطة هكذا: ((الطيب)) غير منقوطة، ولم أجد لها لفظاً يطابق رسمها، ويجرى في معناها أقرب من ((انصلت)). يقال: ((انصلت في الأمر))، إذا انجرد وأسرع. يقال: ((انصلت يعدو)) إذا أسرع، و ((المنصلت)) : المسرع من كل شيء. وقد روى البخاري في صحيحة، عن أبي هريرة قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام. فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه عز وجل فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد أن يموت، الحديث. فكأن هذا كان منه لما كره الموت وأبغضه، فأسرع لما رآه يقول ما قال. هذا ما رأيت، وفوق كل ذي علم عليم. وانظر أخبار وفاة موسى عليه السلام في البداية والنهاية ١: ٣١٦ - ٣١٩.
موسى، فقال أبونا آدم عليهما السلام: يا موسى، سألت الله أن يبعثني لك! قال موسى: لولا أنت لم نكن هاهنا! قال له آدم: أليس قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلا أفلست تعلم أنه ما أصاب في الأرض من مصيبة ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن يبرأها؟ (١) قال موسى: بلى! فخصَمه آدم صلى الله عليهما. (٢)
١٥١١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول في قوله: "وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء"، قال: كتب له: لا تشرك بي شيئًا من أهل السماء ولا من أهل الأرض، فإن كل ذلك خلقي. لا تحلف باسمي كاذبًا، فإن من حلف باسمي كاذبًا فلا أزكِّيه، ووقِّر والديك.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقلنا لموسى إذ كتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء: خذ الألواح بقوة.
* * *
وأخرج الخبر عن "الألواح"، والمراد ما فيها.
* * *
(١) (١) هذا تضمين آية ((سورة الحديد)) : ٢٢.
(٢) (٢) الأثر: ١٥١١٠ - هذا خبر ضعيف الإسناد جداً، كما سلف في شرح إسناده رقم: ٣٠٥. واحتجاج آدم وموسى عليهما السلام، روى خبره البخاري ومسلم، وسائر كتب السنن، وانظر فصلا جيداً جمعه ابن كثير في البداية والنهاية ١: ٨١ - ٨٥. ويقال: ((خاصمه، فخصمه)) أي غلبه في الخصام. وهو الاحتجاج.
واختلف أهل التأويل في معنى "القوة"، في هذا الموضع.
فقال بعضهم: معناها بجدٍّ.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١١٢- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "فخدها بقوة"، قال: بجدّ.
١٠١١٣- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فخذها بقوّة"، قال: بجد واجتهاد.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك، فخذها بالطاعة لله.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: "فخذها بقوة"، قال: بالطاعة.
* * *
وقد بينا معنى ذلك بشواهده، واختلاف أهل التأويل فيه، في "سورة البقرة" عند قوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) [سورة البقرة: ٦٣] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (١)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى: "وأمر قومك"، بني إسرائيل = "يأخذوا بأحسنها"، يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فيها، كما:-
(١) (١) انظر ما سلف ٢: ١٦٠، ١٦١.
١٥١١٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها"، بأحسن ما يجدون فيها.
١٥١١٦- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها"، قال: أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه.
* * *
فإن قال قائل: وما معنى قوله: "وأمر قومك يأخذوا بأحسنها"، أكان من خصالهم ترك بعض ما فيها من الحسن؟.
قيل: لا ولكن كان فيها أمرٌ ونهيٌ، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله، ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به، أحسنُ من العمل بالمنهي عنه.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لموسى، إذ كتب في الألواح من كل شيء: خذها بجدّ في العمل بما فيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فيها، وانههم عن تضييعها وتضييع العمل بما فيها والشرك بي، فإن من أشرك بي منهم ومن غيرهم، فإني سأريه في الآخرة عند مصيره إليّ، "دارَ الفاسقين"، وهي نار الله التي أعدها لأعدائه. (١)
* * *
وإنما قال: "سأريكم دار الفاسقين"، كما يقول القائل لمن يخاطبه: "سأريك غدًا إلامَ يصير إليه حال من خالف أمري! "، على وجه التهدُّد والوعيد لمن عصاهُ وخالف أمره. (٢)
* * *
(١) (١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف. ص: ١١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) (٢) في المطبوعة ((على وجه التهديد)) وأثبت ما في المخطوطة، وهو محض الصواب.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "سأريكم دار الفاسقين"، قال: مصيرهم في الآخرة.
١٥١١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥١١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، في قوله: "سأريكم دار الفاسقين"، قال: جهنم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخلكم أرض الشام، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "سأريكم دار الفاسقين"، منازلهم.
١٥١٢١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "دار الفاسقين"، قال: منازلهم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر.
* ذكر من قال ذلك:
..................................................................................................

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، قيل : كانت الألواح من جوهر، وأن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله [ تعالى ](١) فيها :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣]
وقيل : الألواح أعطيها موسى قبل التوراة، فالله أعلم. وعلى كل تقدير كانت(٢) كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه، والله أعلم.
وقوله :﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي : بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال سفيان بن عيينة : حدثنا أبو سعد(٣) عن عكرمة، عن ابن عباس قال : أمر موسى - عليه السلام - أن يأخذ بأشد ما أمر قومه.
وقوله :﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي : سترون(٤) عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب ؟
قال ابن جرير : وإنما قال :﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه :" سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري "، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد، والحسن البصري.
وقيل : معناه ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي : من أهل الشام، وأعطيكم إياها. وقيل : منازل قوم فرعون، والأول أولى، والله أعلم ؛ لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، والله أعلم.
١ زيادة من ك، م، أ..
٢ في، م، ك، أ: "فكانت"..
٣ في أ: "أبو سعيد"..
٤ في أ: "أي: ستروا"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه العباد مَوْعِظَةً ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أي : بجد واجتهاد على إقامتها، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر اللّه - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ بعد ما أهلكهم اللّه، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون
سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ بعد ما أهلكهم اللّه، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٣ - ١٧١} ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إلى آخر قصته (١).
أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.
﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله.
(١) في ب: أورد الآيات كاملة.

فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.
فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
﴿وَنزعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فلهذا ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ماهر في سحره.
ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يريد أن يجليكم (١) عن أوطانكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس.
فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ؟
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألي وعدم -[٣٠٠]- المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
فـ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حية تسعى، فـ ﴿تَلْقَفُ﴾ جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: يكذبون به ويموهون.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾
أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.
(١) كذا في ب، وفي أ: يريد ليجليكم من.
فـ ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ متهددا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.
ثم موه على قومه وقال: ﴿إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.
وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.
ثم توعدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحل بكم من العقوبة.
﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
﴿ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا﴾ بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (١) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.
ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أفض ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (٢) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فـ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.
﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ -[٣٠١]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.
﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى مرجيا [لهم] (٣) الفرج والخلاص من شرهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد.
(١) زيادة من هامش ب، وهي في أ: آمنا بربنا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ويؤمن.
(٣) زيادة من هامش ب.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: الخصب وإدرار الرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا ﴿وَالْجَرَادَ﴾ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾.
وقال هنا: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[٣٠٢]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله ﴿مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ حين قال لهم موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
﴿فَأَتَوْا﴾ أي: مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.
فـ ﴿قَالُوا﴾ من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "
ولهذا قال لهم موسى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وآله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ﴾ النجاة من عذابهم ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.
ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.
ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهم الذين يعملون بالمعاصي.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت.
(٢) زيادة من هامش ب.

﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك -[٣٠٣]- وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، ﴿بِرِسَالاتِي﴾ التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
﴿وَبِكَلامِي﴾ إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على ما خصك وفضلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿مَوْعِظَةً﴾ ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
وأما غيرهم، فقال عنهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
﴿وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي﴾ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ "
ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
﴿وَلَمَّا﴾ رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الهم والندم على فعلهم، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ما صدر منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ أي: رماها من الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ولحيته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ لك بقولي: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فـ ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ -[٣٠٤]- و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: احتقروني حين قلت لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: فلا تظن بي تقصيرا ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ﴾ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فتعاملني معاملتهم.
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلها ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (١) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.
ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من شرك وكبائر، وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ﴿وَآمنُوا﴾ بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: مشتملة ومتضمنة ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] (٢) ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.
﴿و﴾ لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم ﴿اخْتَارَ مُوسَى﴾ منهم ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -[٣٠٥]- ذنوبهم.
(١) في النسختين: قتلى كثيرة.
(٢) زيادة من هامش ب.
وقال موسى في تمام دعائه ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ : وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ﴾ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه وبجلوه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا ﷺ قطعا.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ﴾ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الأَلْوَاحِ
أَلْوَاحِ التَّوْرَاةِ.

إعراب الآية ١٤٥ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

ووعدنا في سورة البقرة وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ حذفت الهاء لأنه عدد لمؤنث. فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً الفائدة في هذا وقد علم أنّ ثلاثين وعشرا أربعون، أنه قد كان يجوز أن تكون العشر غير ليال فلما قال: أربعين ليلة علم أنها ليال، وقيل: هو توكيد، وجواب ثالث هو أحسنها قد كان يجوز أن تكون العشر تتمة لثلاثين فأفاد قوله: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أنّ العشر سوى الثلاثين. وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي على البدل، ويجوز «هارون» على النداء، وهو من خلف يخلف أي كن خليفة لي. ويقال: خلف الله عليه بخير إذا مات له من لا يعتاض منه الوالدان، وأخلف الله عليه إذا مات له من يعتاض منه الوالدان، وأخلف الله عليه إذا مات له من يعتاض منه الأخوة ومن أشبهم. وَأَصْلِحْ ألف قطع وكذا أَرِنِي.
فأما أَنْظُرْ فهي ألف النفس فلذلك قطعت وجزم أنظر لأنه جواب. فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ شرط والجواب فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة ويدلّ على صحتها دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا [الفجر: ٢١] وأنّ الجبل مذكّر، وقرأ أهل الكوفة جعله دكّاء «١» وتقديره في العربية فجعله مثل أرض دكّاء والمذكّر أدك وجمع دكّاء دكّاوات ودكّ. وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً على الحال فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ ويجوز الإدغام. سُبْحانَكَ مصدر. تُبْتُ إِلَيْكَ يقال: تاب إذا رجع، والتوبة أن يندم على ما كان منه وينوي أن لا يعاود ويقلع في الحال عن الفعل، فهذه ثلاث شرائط في التوبة. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ابتداء وخبر، وقرأ نافع وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ «٢» بإثبات الألف في الإدراج والأولى حذفها في الإدراج، وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس لأن الألف إنما جيء بها لبيان الفتحة وأنت إذا أدرجت لم تثبت فلا معنى للألف.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٥]

قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ لا يقال: أوخذ وهو القياس كما يقال: أومر فلانا، لأنه سمع من العرب هكذا، وقيل: فيه علّة وهي أن الخاء من حروف الحلق وكذا الهمزة. فأما أومر فيقال، وعلى هذا قوله جلّ وعزّ: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها فإذا قلت: مر فلانا فهذا الأكثر ويجوز أومر.
(١) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٣٨٣.
(٢) انظر الإتحاف ١٣٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٤٥ من سورة الأعراف

٦ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١١ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- ﴿سأُريكم دارَ الفاسقين﴾، قال: دار الكفّار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق ثابت- في قوله: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾، قال: رُفِعت لموسى حتى نظر إليها١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٩٦٣ - تفسير)، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿سأُريكم دارَ الفاسقين﴾، قال: مصيرهم في الآخرة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٣، وأخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٤١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤
عن الحسن البصري -من طريق يونس- في قوله: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾، قال: جهنَّم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٤١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
قال عطية بن سعد العوفي: معناه: سأريكم دار فرعون وقومه، وهي مصر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٨٣، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٢.
٦
قال عطاء: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الفاسِقِينَ﴾، يعني: جهنَّم١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٢.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿دار الفاسقين﴾، قال: منازلهم في الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٣٦، وابن جرير ١٠‏/‏٤٤٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾، قال: مصر١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في معنى: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الفاسِقِينَ﴾ على أقوال: الأول: أنها جهنم. الثاني: أنها منازل مَن هلك مِن الجبابرة والعمالقة، يريهم إياها عند دخولهم الشام. الثالث: أنها دار فرعون وقومه، وهي مصر. ووجَّه ابنُ عطية (٤/٤٦) القول الأول بقوله: «والمراد الكفرة بموسى عامة». ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٤٢) مستندًا إلى السياق أنّها جهنم، وهو قول الحسن، ومجاهد، وقال مُعلِّلًا: «لأنّ الذي قبل قوله -جلَّ ثناؤه-: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الفاسِقِينَ﴾ أمرٌ من الله لموسى وقومِه بالعمل بما في التوراة، فأَوْلى الأمور بحكمة الله تعالى أن يختم ذلك بالوعيد على مَن ضيَّعه، وفرَّط في العمل به، وحاد عن سبيله، دون الخبر عما قد انقطع الخبر عنه، أو عمّا لم يَجْرِ له ذِكْرٌ». ووافقه ابنُ كثير (٦/٣٩٢). ونقل ابنُ عطية حكاية النقاش عن الكلبي أنّ «﴿دار الفاسقين﴾: دور ثمود، وعاد، والأمم الخالية». ثم وجَّهه بقوله: «أي: سَنَقُصُّها عليكم فترونها».
٩
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال قبل ذلك لبني إسرائيل: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الفاسِقِينَ﴾ سُنَّة أهل مصر، فزعم ابنُ عباس: أنّ الله حين أغرق فرعون وقومه أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم على الساحل، ففعل البحرُ ذلك، فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم سُنَّة الفاسقين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٣.
١٠
عن سفيان الثوري، في قوله: ﴿دار الفاسقين﴾، قال: هلاك الفاسقين١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص١١٤، وأخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦.
١١
قال محمد بن مسعر: سألتُ سفيان بن عيينة عن قوله: ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾. يقول: سأبين كيف ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦.

آثار متعلقة بالآية

١٠ أقوال
١
عن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: «كان فيما أعطى الله موسى في الألواح الأُوَل في أوَّل ما كتب عشرةُ أبواب: يا موسى، لا تُشرك بي شيئًا؛ فقد حقَّ القولُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وجوهَ المشركين النارُ. واشكرْ لي ولوالديك أقِكَ المَتالِفَ، وأَنسَأْ في عُمُرك، وأُحِييكَ حياةً طيبةً، وأقلبك إلى خيرٍ منها. ولا تقتل النفس التي حرَّمتُ إلا بالحقِّ؛ فتضيق عليك الأرضُ برحبها، والسماء بأقطارها، وتبوء بسخطي والنار. ولا تحلف باسمي كاذبًا ولا آثمًا؛ فإنِّي لا أُطَهِّر ولا أُزَكِّي مَن لَمْ يُنَزِّهْنِي ويُعَظِّم أسمائي. ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضلي، ولا تَنفُسْ١ عليهم نعمتي ورزقي؛ فإنّ الحاسدَ عدوُّ نعمتي، رادٌّ لقضائي، ساخِطٌ لِقِسْمَتِي التي أقْسِم بين عبادي، ومَن لم يكن كذلك فلست منه وليس مني. ولا تشهد بما لم يعِ سمعُك، ويحفظ عقلك، وتَعْقِد عليه قلبَك؛ فإنِّي واقِفٌ أهلَ الشهادات على شهادتهم يوم القيامة، ثم سائلهم عنها سؤالًا حثيثًا. ولا تَزْنِ. ولا تسرقْ. ولا تزنِ بحليلة جارك؛ فأحجب عنك وجهي. ولا تغلق عنك أبواب السماء. وأحببْ للناس ما تُحِبُّ لنفسك. ولا تَذْبَحَنَّ لغيري؛ فإنِّي لا أقبل من القربان إلا ما ذُكِر عليه اسمي وكان خالصًا لوجهي. وتَفَرَّغ لي يوم السبت، وفَرِّغ لي نفسَك وجميعَ أهل بيتك». فقال رسول ﷺ: «إنّ الله جعل السبت لموسى عيدًا، واختار لنا الجُمُعة فجعلها لنا عيدًا»٢
التخريج
  1. ١نَفِسْتُ عليه الشيء: إذا ضَنِنْتَ به ولم تُحِبَّ أن يصل إليه. لسان العرب (نفس).
  2. ٢أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣‏/‏٢٦٥-٢٦٦، وابن عساكر في تاريخه ٦١‏/‏١٢٨-١٢٩. قال أبو نعيم: «غريب من حديث أبي جعفر، وحديث ربيعة، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد من هذا الوجه».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: أنّ موسى لَمّا كَرَبَه الموتُ قال: هذا من أجل آدم، قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموتُ، فخطأُ آدمَ أنزلنا هنا. فقال الله لموسى: أبْعَثُ لك آدمَ فتُخاصِمَه؟ قال: نعم. فلمّا بعث اللهُ آدمَ سأله موسى، فقال: لولا أنت لم نكن ههنا. فقال له آدم: قد آتاك اللهُ من كل شيء موعظة وتفصيلًا، أفلست تعلم أنه ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها. قال موسى: بلى. فخَصَمَه آدمُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٨.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: كان اللهُ عز وجل كتب في الألواح ذِكْرَ محمد ﷺ وذِكْرَ أُمَّتِه، وما ذَخَرَ لهم مِن عنده، وما يَسَّر عليهم في دينهم، وما وسَّع عليهم فيما أحَلَّ لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٣.
٤
عن عبد الله بن عباس، قال: فيما ناجى موسى ربَّه فيما وهَب اللهُ لمحمدٍ وأُمَّتَه حيثُ قرأ التوراة، وأصاب فيها نعتَ النبيِّ وأمته، قال: يا ربِّ، مَن هذا النبيُّ الذي جعلته وأُمَّته أولًا وآخِرًا؟ قال: هذا محمدٌ النبيُّ الأُمِّيُّ العربيُّ الحرميُّ التِّهاميُّ، من ولد قاذَرَ بن إسماعيل، جعلته أولًا في المحشر، وجعلته آخِرًا ختمت به الرُّسل، يا موسى، ختمتُ بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسننه السُّنن، وبدينه الأديان. قال: يا ربِّ، إنّك اصطفيتني وكلَّمتني! قال: يا موسى، إنّك صَفِيٌّ، وهو حبيبي، أبعثه يوم القيامة على كَوْمٍ١، أجعل حوضَه أعرض الحياض، وأكثرهم وارِدًا، وأكثرهم تبعًا. قال: ربِّ، لقد كَرَّمتَه وشَرَّفتَه. قال: يا موسى، حُقَّ لي أن أُكَرِّمه وأُفَضِّله وأُفَضِّل أُمَّته؛ لأنهم يؤمنون بي، وبرسلي كلِّهم، وبكُتبي كلِّها، وبغَيبي كله، ما كان فيهم شاهدًا -يعني: النبيَّ ﷺ-، ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا ربِّ، هذا نعتُهم؟ قال: نعم. قال: يا ربِّ، وهبتَ لهم الجمعة أو لأُمَّتي؟ قال: بل لهم الجمعةُ دونَ أُمَّتك. قال: ربِّ، إنِّي نظرتُ في التوراة إلى نعتِ قومٍ غُرٍّ مُحَجَّلين، فمَن هم؟ أمِن بني إسرائيل هم أم من غيرهم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد، الغُرُّ المُحَجَّلون من آثار الوضوء. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يمرُّون على الصِّراط كالبرق والريح، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يُصَلُّون الصلوات الخمس، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراةِ قومًا يتَّزِرُون إلى أنصافهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ قومًا يُراعون الشمس، مناديهم في جوِّ السماءِ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة يذكرونك على كلِّ شَرَفٍ ووادٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة قومًا الحسنة منهم بعشرةٍ، والسيئة بواحدةٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم شاهرين سيوفهم، لا تُردُّ لهم حاجةٌ. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا إذا أرادوا أمرًا استخاروك ثم ركبوه، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يُشَفَّعُ مُحْسِنُهم في مُسيئِهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يحجُّون البيت الحرام لا يَنْأَوْنَ عنه أبدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمدَ، لا يقضُون منه وطرًا أبدًا. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ قُربانهم دماؤهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم يقاتلون في سبيلك صفوفًا زحوفًا، يُفْرَغ عليهم الصبرُ إفراغًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يُذْنِبُ أحدُهم الذَّنب فيتوضأُ فيُغْفَر له، ويصلِّي فتجعل الصلاة له نافلةً بلا ذنب، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يشهدون لِرُسُلك بما بلَّغوا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يجعلون الصدقة في بطونهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ الغنائمُ لهم حلالٌ، وهي مُحَرَّمةٌ على الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم جُعِلَت الأرضُ لهم طهورًا ومسجدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعتَ قوم الرجلُ منهم خيرٌ من ثلاثين ممَّن كان قبلهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد، يا موسى، الرجلُ من الأمم السالفةِ أعبَدُ من الرجل مِن أمة محمدٍ ﷺ بثلاثين ضعفًا، وهم خيرٌ بثلاثين ضعفًا؛ بإيمانه بالكتب كلِّها. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعت قوم يأوُون إلى ذِكْرِك، ويَتَحابُّون عليه، كما تأوي النُّسور إلى وكورها، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النَّمِرُ الحَرِبُ٢ لنفسه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتباشرُ بهم الملائكة، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تتباشرُ بهم الأشجار والجبال بمَمَرِّهم عليها؛ لتسبيحهم لك، وتقديسهم لك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهبت لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتُك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يُحاسَب حسابًا يسيرًا، وظالمهم يغفر له، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، فاجعلني منهم. قال: يا موسى، أنت منهم وهم منك؛ لأنّك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضَّلتك برسالاتي وبكلامي، فكن من الشاكرين. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفًا، يُهَوَّن عليهم الموقفُ، لا يُدْرِكُ فضلَهم أحدٌ من الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائمٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم أذِلَّة على المؤمنين أعِزَّة على الكافرين، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم صدِّيقُهم أفضلُ الصديقين، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لقد كرَّمته وفضَّلته. قال: يا موسى، هو كذلك نبيِّي وصفِيِّي وحبيبي، وأُمَّته خيرُ أمةٍ. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم محرَّمة على الأمم الجنة أن يدخلوها حتى يدخلها نبيُّهم وأمتُه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لبني إسرائيل ما بالهُم؟ قال: يا موسى، إنّ قومك من بني إسرائيل يبدِّلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وإن أمة محمدٍ لا يغيِّرون سنته، ولا يُبطِلون الكتاب الذي أنزَلتُ عليه إلى أن تقوم الساعة؛ فلذلك بلَّغتُهم سَنامَ كرامَتي، وفضَّلتهم على الأمم، وجعلت نبيَّهم أفضل الأنبياء؛ أولهم في الحشر، وأوَّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعًا، وأولهم مشفَّعًا. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماءَ، كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، يا موسى، أُعْطُوا العِلمَ الأولَ الآخر. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة قومًا توضع المائدة بين أيديهم، فما يرفعونها حتى يغفر لهم، فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمدَ. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ يَلْبِسُ أحدهم الثوب فما ينفُضُه حتى يغفر له، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة نعت قومٍ إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي -يا موسى- الذين أنتقم بهم مِن عَبَدَةِ النيران والأوثان٣
التخريج
  1. ١الكَوم: المواضع المشرفة المرتفعة، واحدها: كَومة. النهاية (كوم).
  2. ٢حَرِبَ: أي: غَضِبَ. النهاية (حرب).
  3. ٣عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: قال موسى: يا ربِّ، أجدُ في الألواح أمةً خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمَّتي. قال: تلك أمةُ أحمد. قال: ربِّ، أجد في الألواح أمةً إذا همَّ أحدُهم بالحسنة كتبت له حسنةً، وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمةُ أحمدَ. قال: ربِّ، أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإذا عملها كتبت سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ، أجد في الألواح أُمَّة أناجيلُهم في صدورهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ، أجد في الألواح أمةً هم المشفَّعون والمشفِّع لهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ، أجدُ في الألواح أمةً هم المستجيبون والمستجاب لهم يوم القيامة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ، أجد في الألواح أمةً يُنصَرون على من ناوأهم حتى يُقاتِلوا الأعورَ الدجالَ، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمدَ. قال: فانتبذ الألواح من يده، وقال: ربِّ، فاجعلني من أمة أحمد. فأنزل اللهُ: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبهِ يعدلونَ﴾. فرضي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٣٦-٢٣٧، وابن جرير ١٠‏/‏٤٥٢-٤٥٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٦
عن مُغيث الشاميِّ، قال: بلغني: أنّ الله تعالى لم يخلُقْ بيده إلا ثلاثة أشياءَ: الجنة غرسها بيده، وآدم خلقه بيده، والتوراة كتبها بيده١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن وردان أبي خالد، قال: خلق الله آدم بيده، وخلق جبريل بيده، وخلق القلم بيده، وخلق عرشه بيده، وكتب الكتاب الذي عنده بيده، لا يطَّلعُ عليه غيرُه، وكتب التوراةَ بيده١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن عبد الله بن عمر، قال: خلق اللهُ آدمَ بيده، وخلقَ جَنَّةَ عَدَن بيده، وكَتَب التوراة بيده، ثم قال لسائر الأشياء: كن. فكان١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الطبراني في السُّنَّة.
٩
عن حكيم بن جابر -من طريق إسماعيل بن أبي خالد- قال: أُخبِرتُ: أنّ الله -تبارك وتعالى- لم يَمَسَّ مِن خلقه بيده شيئًا إلا ثلاثة أشياء: غَرَس الجنَّة بيده، وجعل ترابها الوَرْسَ والزَّعفرانَ، وجبالها المسك، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٦٩، وهناد (٤٦). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٠
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: إنّ الله لم يَمَسَّ شيئًا إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

تفسير

٣٠ قولًا
١
عن سعيد بن جبير -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾، قال: ما أُمِروا به، ونُهوا عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٥.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾، قال: مِمّا أُمِروا به، ونُهُوا عنه١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٣، وأخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- في قوله: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾، قال: كتب له: اعبُدني، ولا تشرك بي شيئًا من أهل السماء ولا من أهل الأرض، فإنّ كلَّ ذلك خلقي، فإذا أشرك بي غضبتُ، وإذا غضبتُ لعنتُ، وإنّ لعنتي تُدْرِكُ الرابعَ من الولد، وإنِّي إذا أُطِعْتُ رَضِيتُ، وإذا رَضِيتُ باركتُ، والبركة مِنِّي تُدْرِك الأُمَّة بعد الأُمَّة، ولا تحلف باسمي كاذبًا، فإني لا أُزَكِّي مَن حلف باسمي كاذبًا، ووقِّرْ والديك، فإنّه مَن وقَّر والديه مددتُ له في عُمُره، ووهبت له ولدًا يَبَرُّه، ومَن عقَّ والديه قصَّرْتُ له في عُمُره، ووهبت له ولدًا يَعُقُّه، واحفظ السبتَ فإنّه آخرَ يومٍ فرغت فيه مِن خلقي، ولا تَزْنِ، ولا تسرقْ، ولا تُولِّ وجهك عن عدوِّي، ولا تزنِ بامرأة جارك الذي يَأْمَنُك، ولا تغلِبْ جارَك على ماله، ولا تَخلُفْه على امرأتِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٨-٤٣٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق سهل بن عثمان، عن رجل حدَّثه-: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾ أُمروا به، ونُهوا عنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء﴾ من الحلال، والحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٧-٤٣٨.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿مَوْعِظَةً﴾ من الجهل، ﴿وتَفْصِيلًا﴾ يعني: بيانًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأمر، والنهي، والحدِّ، وكتبه الله عز وجل بيده، فكتب فيها: إنِّي أنا الله الذي لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئًا، ولا تقتلوا النفس، ولا تزنوا، ولا تقطعوا السبيل، ولا تسبوا الوالِدَين، ووَعَظَهم في ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٢-٦٣. وقد أورد السيوطي ٦‏/‏٥٦٨– ٥٨٩ آثارًا كثيرة عن بعض ما كُتب في التوراة.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿فخذها بقوة﴾، قال: بِجَدٍّ وحَزْم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٨
عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾: بطاعة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٨٣، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨١.
٩
عن قتادة بن دعامة: ﴿فخذها بقوة﴾، قال: إنّ الله تعالى يُحِبُّ أن يُؤْخَذ أمرُه بِقُوَّة وجَدٍّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فخذها بقوة﴾، يعني: بِجِدٍّ واجتهاد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٥-١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فخذها بقوة﴾، قال: بطاعةٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٣٩-٤٤٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾، يعني: التوراة، بالجِدِّ والمواظبة عليه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٣.
١٣
عن سفيان الثوري -من طريق مهران- ﴿فخذها بقوة﴾، يقول: بعمل، وقوله تعالى: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ [مريم:١٢]، قال: بعمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٥-١٥٦٦.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾، قال: أُمِر موسى أن يأخذها بأشدَّ مِمّا أُمِر به قومُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٤٠.
١٥
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾، قال: بأحسنِ ما يجدون منها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٤٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٤٤-٤٥) في معنى: ﴿بِأَحْسَنِها﴾ احتمالين: الأول: «التفضيل». ووجَّهه بقوله: «كأنّه قال: إذا اعترض فيها مباحان فيأخذون الأحسن منهما؛ كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار». ثم علَّق عليه بقوله: «هذا على القول أنّ أفعل التفضيل لا يقال إلا لما لهما اشتراك في المفضَّل فيه، وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن: المأمور به بالإضافة للمنهي عنه؛ لأنه أحسن منه، وكذلك كالناسخ بالنسبة للمنسوخ ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبريُّ. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل أنّه تدخل فيه الفرائض، وهي لا تدخل في التأويل الأول، وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حُسْن من المأمور به والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس الأمارة». والثاني: «أن يريد بـ»أحْسَن«وصف الشريعة بجملتها». ووجَّهه بقوله: «فكأنّه قال: قد جعلنا لكم شريعة هي أحسن، كما تقول: الله أكبر. دون مقايسة، ثم قال: فمرهم يأخذوا بأحسنها الذي شرعناه لهم». ثم علَّق عليه بقوله: «وفي هذا التأويل اعتراضات».
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ يعني: بأحسن ما فيها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٣.
١٧
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ، قال: «الألواحُ التي أُنزِلت على موسى كانت من سِدْر الجنة، كان طولُ اللوح اثني عشر ذِراعًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٣ (٨٩٥٨)، من طريق سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه. في إسناده أبو علي مولى جعفر بن محمد، لم نجد له ترجمة.
١٨
عن علي بن أبي طالب -من طريق أبي عمارة- قال: كتب الله الألواحَ لموسى وهو يسمعُ صَرِيفَ الأقلام في الألواح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أُعْطِي موسى التوراة في سبعة ألواح من زَبَرْجَدٍ، فيها تبيانٌ لكُلِّ شيءٍ وموعظةٌ، فلمّا جاء بها فرأى بني إسرائيل عُكوفًا على عبادة العجل رمى بالتوراة من يده، فتَحَطَّمَتْ، فرفع الله منها ستة أسباع، وبقي سُبُعٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٢-١٥٦٣، ١٥٧٢.
٢٠
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع- قال: كانت ألواحُ موسى مِن بَرَدٍ١
التخريج
  1. ١أخرج ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر بن أبي المغيرة- قال: كانوا يقولون: كانت الألواح من ياقوتةٍ. وأنا أقول: إنما كانت من زُمُرُّدٍ، وكتابُها الذهب، كتبها الله بيده، فسمع أهل السموات صَرِيفَ القلم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٣، وابن جرير ١٠‏/‏٤٥٦ بنحوه ولفظه: كانت من ياقوتة، كتابة الذهب، كتبه الرحمن بيده، فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق خصيف- قال: كانت الألواح من زُمُرُّد أخضر، أمرَ الربُّ تعالى جبريلَ فجاء بها من عَدَن، فكتبها الرب بيده؛ بالقلم الذي كتب به الذِّكْر، واسْتَمَدَّ الربُّ من نهر النور، وكتب به الألواح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٣
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- قال: كُتِبَت التوراة بأقلام من ذهب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٦٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٤
عن الحسن البصري: كانت الألواح من خشب١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٨١.
٢٥
عن عطاء، قال: كتب الله التوراة لموسى بيده، وهو مُسْنِدٌ ظهره إلى الصخرة، يسمع صَريفَ القلم، في ألواح من زُمُرُّد، ليس بينه وبينه إلا الحجاب١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٦
قال وهب بن منبه: أمره الله تعالى بقطع الألواح من صخرة صَمّاء لَيَّنها اللهُ له، فقطعها بيده، ثم شقَّها بأصابعه، وسمع موسى صريرَ القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك أولَ يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرةً، على طول موسى عليه السلام١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٨٢، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨١.
٢٧
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: أُنزِلت التوراة وهي سبعون وِقْر بعير، يُقْرَأ منها الجزء في سنة، لم يقرأها إلا أربعةُ نفر: موسى بن عمران، وعيسى، وعُزَير، ويوشع بن نون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (٤/٥٢) قولَ الربيع قائلًا: «وهذا ضعيف مُفْرط».
٢٨
قال محمد بن السائب الكلبي: كانت الألواح من زَبَرْجَدَةٍ خضراء، وياقوتة حمراء، كتب الله فيها ثماني عشرة آية من بني إسرائيل، وهي عشر آيات في التوراة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٨٢، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨١.
٢٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ﴾ نَقْرًا كنقش الخاتم، وهي تسعة ألواح، ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾... ، والألواح من زُمُرُّدٍ، وياقوت١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٢.
٣٠
عن عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجّاج- قال: أُخبِرْتُ: أنّ الألواح من زَبَرْجَدٍ، ومن زُمُرُّدِ الجنة، أمر الربُّ تعالى جبريلَ فجاء بها من عَدَنٍ، وكتبها بيده بالقلم الذي كتب به الذِّكر، واستمد الربُّ من نهر النور، وكتب به الألواح١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٥٦ وفيه: أنّ الذي أخبره عبد الله بن عباس بلفظ: الألواح من زبرجد وزمرد، من الجنة"". وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢زاد ابنُ عطية (٤/٤٤) نقلًا في عدد الألواح وماهيتها، فقال: «وقيل: كانت الألواح اثنين... وقال الحسن: من خشب».

قراءات

قول واحد
١
عن عوف، عن قسامة بن زهير أنّه قرأ: (سَأُورِثُكُمْ)١
التخريج
  1. ١أخرجه الرافعي في تاريخ قزوين ١‏/‏١٨٣. وأورد عقبه: وهو حسن لقوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ [الأعراف:١٣٧]، ويقويه إثبات الواو في ﴿سأوريكم﴾، وكان الوجه على قراءة العامة أن نكتب ﴿سأريكم﴾ بغير واو، لكنهم كتبوا ﴿أولئك﴾ بالواو ولا واو في اللفظ. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن عباس. انظر: مختصر ابن خالويه ص٥١.
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٤٥ من سورة الأعراف

٥ وقفات في هذه الآية

  • من أعظم مقومات نفع العالم للناس وأثره في اﻷمة أن يكون قويا في الحق من غير عنف،ثابتا عليه من غير ضعف(فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها).

    — سعود الشريم

  • الجدية في العمل، والوصية بالأخذ بالأحسن وصية الله لأنبيائه عليهم السلام.. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا }

    — مجالس التدبر

  • { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} في قوله ( بقوة ) قال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من لم يصبر على ذُلِّ التعلم ساعة؛ بقي في ذُلِّ الجهل أبداً.

    — ابن كثير

  • قوله تعإلى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) ) ( آل عمران 3، 4 ) . ان التعبير ( نَزَّلَ) اختلف عن ( وَأَنْزَلَ) إذا اجتمعا ، فهما اذا اجتمع افترقا ، وإذا افترقا يمكن ان يجتمعا ، فالتنزيل يقتضى نزول المنزل مفرقا ومنجما على أزمنة متنوعة ، والإنزال يكون بإنزال المنزل كله جملة واحدة ، لا تفريق فيها ، ولا تنجيم . أما اذا لم يجتمعا فيكمن التعبير بالتنزيل ، ويراد به الانزال ، ويرد التعبير بالإنزال ، ويقصد به التنزيل ، وفى هاتين الآيتين اجتمعا ، فورد التعبير عن نزول القران الكريم على رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بالتنزيل فقال ( نَزَّلَ) وعن نزول الكتب السابقة بالإنزال ، فقال ( وَأَنْزَلَ) وتعليل ذلك – والله اعلم – ما قاله احمد ابن إبراهيم بن الزبير الغرناطي : " فقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) مشير الى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى ، وانه لم ينزل دفعه واحده ، أما لفظ ( أَنْزَلَ) فلا يعطى ذلك إعطاء ( نَزَّلَ) وان كان محتملا ، وكذا جرى في أحوال هذه الكتب ، فان التوراة إنما انما أوتيها موسى – صلى الله عليه وسلم – جملة واحده في وقت واحد ، وهو المراد بقوله تعالى ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) الأعراف ( 145) الآية ، أي المجموع ، وأما الكتاب العزيز فتنزل مقسطا من لدن ابتداء الوحي ... " انتهى كلام الغرناطي رحمه الله . وأقول : وما قوله ( وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) فليس ناقضا لهذه القاعدة ، اذ علل بعض العلماء التعبير عن ذلك بالإنزال بدل التنزيل بأن المقصود هنا إنزاله الى السماء الدنيا ، كما قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر ( 1) . وقيل : ان المراد بالفرقان في الآية نصر رسولنا صلى الله عليه وسلم على أعدائه . وأقول : ان هذا القول الأخير أرجح عندي ، اذ يؤيده قوله تعالى بعده (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) . ومما اجتمع فيه الفعلان ، وتفرق معناهما ، قوله تعالى في سورة ( محمد ) : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) محمد ( 20 ) قال ابن الزبير الغرناطي : " ووجه ذلك – والله اعلم – أن المؤمنين هم الذين يودون نزول السورة ، وطلبهم نزلها انما هو على ما اعتادوه جارياً في غيرها من التنجيم وتفصيل النزول ، فالملائم هنا عبارة عن التضعيف –أي : نُزّلَت – وقوله (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ) انما المراد تحصيلها بجملتها بعد كمالها ، وذلك مفهوم من سياق الكلام ، والملائم – لما تحصل ، وتم – عبارة الانزال من غير تضعيف ، فكل من الموضعين وارد على انسب نظم ، والعكس غير ملائم ، والله أعلم " . انتهى كلامه رحمه الله . واذا انفرد أحدهما بالذكر – أعنى : انزل ، ونزل – لم يكن ممنوعا أن يرد أحدهما بمعنى الآخر ، فقول الله تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) الفرقان ( 32 ) التنزيل فيه بمعنى الانزال ، لأنه قال : ( جُمْلَةً وَاحِدَةً) وجاء التعبير عن الانزال بالتنزيل في قوله تعالى ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) الأنعام ( 7 ) . فالمراد الانزال جملة واحدة لدلالة قوله ( فِي قِرْطَاسٍ) ومثلها ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) ال عمران (93) ومعلوم ان التوراة أنزلت مجتمعه . والله أعلم .

    — صالح العايد

  • قوله تعالى: (وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِين) " بأحسنها " أي التوراة. إن قلتَ: كيف قال " بأحسنها " مع أنهم مأمورون بجميع ما فيها؟ قلتُ: معنى " بأحسنها " بحسَنها وكلُّها حسن. . أو أُمروا فيها بالخير، ونُهوا عن الشرِّ، وفعلُ الخير أحسنُ من ترك الشرِّ، أو أن فيها حسناً وأحسن، كالقَوَد والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به والمباح، فأُمروا بما هو الأكثر ثواباً.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ١٤٥ من سورة الأعراف

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٤٥ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(145) And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."[404]
[404]- This is a severe warning from Allāh against rebellion.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال