اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ الآية. المفعول الثاني من مفعولي - الاتِّخاذِ - محذُوف، والتقديرُ، اتَّخذوا العجل إلهاً ومَعْبُوداً، يدلُّ على هذا المحذوف قوله تعالى :﴿فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى﴾ [طه: ٨٨] وللمفسرين ههنا طريقان : أحدهما : المراد بالذين اتَّخَذُوا العجل قوم موسى، وعلى هذا فيه سؤال هو أن أولئك القوم تَابَ اللَّهُ عليهم : بأن قتلوا أنفسهم في معرض التَّوْبَةِ على ذنبهم، وإذا تاب الله عليهم فكيف قيل في حقِّهم :﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ ؟ ويُجاب عنه بأن ذلك الغضب إنَّما حصل في الدُّنْيَا لا في الآخرة، وهو أنَّ اللَّهَ أمرهم بقتل أنفسهم والمُرَادُ بقوله :﴿وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ هو أنَّهُمْ قد ضَلُّوا فَذُلُّوا.
فإن قيل : السِّينُ في قوله سَيَنالُهُمْ للاستقبال، فكيف يحمل هذا على حكم الدُّنيا ؟
فالجواب : وأخبره في ذلك الوقت أن سَيَنالُهُمْ غضبٌ من ربهم وذلَّةٌ، فكان هذا الكلامُ سابقاً على وقوعهم في القَتْل وفي الذِّلة فَصَحَّ هذا التَّأويل.
الطريق الثاني : أنَّ المُرادَ بالذين اتَّخَذُوا العجلَ أبناؤهم الذين كانوا في زمن النَّبي ﷺ وعلى هذا فيه وجهان : أحدهما : أنَّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقبِ ؛ يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا، وإنَّمَا فعل ذلك أسلافهم كذلك ههنا.
قال عطيَّةً العوفيُّ : أراد بهم اليهود الذين كانوا في عصر النَّبي ﷺ، عَيَّرهُم بصنع آبائهم ونسبه إليهم، ثمَّ حكى عليهم بأنَّهُ :﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ في الآخرةِ :﴿وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أراد : ما أصَابَ بني قريظة والنَّير من القتل والجلاء.
وقال ابنُ عبَّاسٍ : هي الجزية.
الوجه الثاني : أن يكون التقديرُ :" إنَّ الذينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ " أي الذين باشرُوا ذلك سَيَنالُهُمْ أي : سينال أولادهم، ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
ثمَّ قال :﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين﴾ أي : ومثل ذلك النِّيل والغضب والذِّلّة " نَجْزِي المُفْترينَ " الكاذبين.
قال أبُو قلابة :" هو واللَّه جزاء كلِّ مفترٍ إلى يوم القيامة أن يذلَّه اللَّهُ ".
وقال سفيان بنُ عيينة :" هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة ".
وقال مالكُ بْنُ أنسٍ :" ما من مُبْتَدع إلاَّ ويجدُ فوق رأسه ذِلَّة ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى