فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب، والذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾. وقيل : هي إخراجهم من ديارهم. وقيل : هي الجزية، وفيه نظر لأنها لم تؤخذ منهم، وإنما أخذت من ذراريهم. والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا، لقوله :﴿فِي الحياة الدنيا﴾ وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهاً، لا لمن بعدهم من ذراريهم. ومجرّد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم، وبه يصيرون أذلاء. وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم، وبه يصبرون أذلاء. وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصحّ تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم يتعذر هنا ﴿وكذلك نَجْزِى المفترين﴾ أي : مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا. وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه، وأن فيه ذلة بأيّ نوع كان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أيوب، قال : تلا أبو قلابة هذه الآية ﴿إِنَّ الذين اتخذوا العجل﴾ إلى قوله :﴿وكذلك نَجْزِى المفترين﴾ قال : هو جزاء كل مفتر، يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : أعطي موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة. ولما جاء فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ مُّوسَى الغضب أَخَذَ الألواح وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ قال : فيما بقي منها. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال : كانت الألواح من زمرّد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل، وبقي الهدى والرحمة، وقرأ ﴿وكتبنا له في الألواح موعظة وتفصيلاً لكل شيء﴾ وقرأ ﴿ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة﴾ قال : ولم يذكر التفصيل هاهنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى