تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثه(١) وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم كما قال الإمام أحمد :
حدثنا إسماعيل، عن الجُرَيري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال : جلبت جَلُوبَةً إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فرغت من بيعتي(٢) قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ :" أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد(٣) في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟ " فقال برأسه هكذا، أي : لا. فقال ابنه، إي : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومَخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك(٤) رسول الله فقال :" أقيموا اليهودي عن أخيكم ". ثم ولى كفنه(٥) والصلاة عليه(٦)
هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح، عن أنس.
وقال الحاكم صاحب المستدرك : أخبرنا أبو محمد - عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي(٧) حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شُرَحْبِيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال : بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا : والله لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه(٨) وإلا لم نكلم
الرسول(٩) فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال : فأذن لنا فقال : تكلموا(١٠) فكلّمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثيابُ سوادٍ(١١) فقال له هشام : وما هذه التي عليك ؟ فقال : لبستها وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا : ومجلسك هذا، والله(١٢) لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم، إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا(١٣) ﷺ. قال : لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه، فمُلئ وجهه سوادًا فقال : قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا، حتى إذا كنا قريبًا من المدينة، قال لنا الذي معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال ؟ قلنا : والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك. فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة(١٤) فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فالله يعلم لقد تَنَفَّضَت الغرفة حتى صارت كأنها عِذْق تصَفّقه الرياح، فأرسل(١٥) إلينا : ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم. وأرسل إلينا : أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك، فقال : ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا : إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تُحيى بها لا تحل(١٦) لنا أن نحييك بها. قال : كيف تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : السلام عليك. قال : وكيف تحيون ملككم ؟ قلنا : بها. قال : وكيف يرد عليكم ؟ قلنا : بها. قال : فما أعظم كلامكم ؟ قلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم - لقد تَنَفَّضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال : فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم ؟ قلنا : لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال : لوددت أنكم كلما قلتم تَنَفَّضَ كل شيء عليكم. وإني خرجت(١٧) من نصف ملكي. قلنا : لم ؟ قال : لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا تكون من أمر النبوة، وأنها(١٨) تكون من حيل الناس. ثم سألنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال : كيف صلاتكم وصومكم ؟ فأخبرناه، فقال : قوموا فقمنا. فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كَثير، فأقمنا ثلاثًا.
فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه. ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَةِ العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين. عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا آدم، عليه السلام، وإذا هو أكثر الناس شعرًا.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا نوح، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(١٩) حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صَلْت الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إبراهيم، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر(٢٠) فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا - والله - رسول الله ﷺ فقال(٢١) أتعرفون هذا ؟ قلنا : نعم، محمد رسول الله ﷺ قال : وبكينا. قال : والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس، وقال : والله إنه لهو ؟ قلنا : نعم، إنه لهو، كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عَجَّلته لكم لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء(٢٢) وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، مقلَّص(٢٣) الشفة كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا موسى(٢٤) عليه السلام. وإلى جانبه صورة تشبهه، إلا أنه مُدْهَان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قبل، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا هارون بن عمران، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سَبْط رَبْعَة، كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا لوط، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال هذا إسحاق، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٥) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنه على شفته خال، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. [ قال ](٢٦) هذا يعقوب، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إسماعيل جد نبيكم، عليهما السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٧) حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها آدم، عليه السلام، كأن وجهه الشمس، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا يوسف، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر فاستخرج(٢٨) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمْش الساقين، أخفش العينين ضخم البطن، رَبْعة متقلد سيفا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا داود، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٩) حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسًا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا سليمان بن داود، عليه(٣٠) السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شابٌّ(٣١) شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا عيسى ابن مريم، عليه السلام.
قلنا : من أين لك هذه الصور ؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء، عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله. فقال : إن آدم، عليه السلام، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم، عليه السلام، عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال. ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدًا لأشركم ملكه، حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا، وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، فحدثناه بما أرانا، وبما قال لنا، وما أجازنا، قال : فبكى أبو بكر وقال : مسكين ! لو أراد الله به خيرًا لفعل. ثم قال : أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم.
هكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي، رحمه الله، في كتاب " دلائل النبوة "، عن الحاكم إجازة، فذكره(٣٢) وإسناده لا بأس به.
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى، حدثنا عثمان بن عُمَر، حدثنا فُلَيْح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال : لقيت عبد الله بن عمرو فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال : أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن :" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غُلفا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا " قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته، قال :" قلوبًا غُلوفيًا وآذانًا صموميًا وأعينًا عموميًا ".
وقد رواه البخاري في صحيحه، عن محمد بن سِنَان، عن فُلَيْح، عن هلال بن علي - فذكر بإسناده نحوه(٣٣) وزاد بعد قوله :" ليس بفظ ولا غليظ " :" ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ".
ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق " التوراة " على كتب أهل الكتاب. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس ورَّاق الحميدي(٣٤) حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم - من ولد جبير بن مطعم - قال : حدثتني أم عثمان بنت سعيد - وهي جدتي - عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم، قال : خرجت تاجرًا إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام، لقيني رجل من أهل الكتاب، فقال : هل عندكم رجل نبيًا ؟ قلت : نعم. قال : هل تعرف صورته إذا رأيتها ؟ قلت : نعم. فأدخلني بيتا فيه صور، ف
حدثنا إسماعيل، عن الجُرَيري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال : جلبت جَلُوبَةً إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فرغت من بيعتي(٢) قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ :" أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد(٣) في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟ " فقال برأسه هكذا، أي : لا. فقال ابنه، إي : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومَخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك(٤) رسول الله فقال :" أقيموا اليهودي عن أخيكم ". ثم ولى كفنه(٥) والصلاة عليه(٦)
هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح، عن أنس.
وقال الحاكم صاحب المستدرك : أخبرنا أبو محمد - عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي(٧) حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شُرَحْبِيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال : بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا : والله لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه(٨) وإلا لم نكلم
الرسول(٩) فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال : فأذن لنا فقال : تكلموا(١٠) فكلّمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثيابُ سوادٍ(١١) فقال له هشام : وما هذه التي عليك ؟ فقال : لبستها وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا : ومجلسك هذا، والله(١٢) لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم، إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا(١٣) ﷺ. قال : لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه، فمُلئ وجهه سوادًا فقال : قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا، حتى إذا كنا قريبًا من المدينة، قال لنا الذي معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال ؟ قلنا : والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك. فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة(١٤) فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فالله يعلم لقد تَنَفَّضَت الغرفة حتى صارت كأنها عِذْق تصَفّقه الرياح، فأرسل(١٥) إلينا : ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم. وأرسل إلينا : أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك، فقال : ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا : إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تُحيى بها لا تحل(١٦) لنا أن نحييك بها. قال : كيف تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : السلام عليك. قال : وكيف تحيون ملككم ؟ قلنا : بها. قال : وكيف يرد عليكم ؟ قلنا : بها. قال : فما أعظم كلامكم ؟ قلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم - لقد تَنَفَّضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال : فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم ؟ قلنا : لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال : لوددت أنكم كلما قلتم تَنَفَّضَ كل شيء عليكم. وإني خرجت(١٧) من نصف ملكي. قلنا : لم ؟ قال : لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا تكون من أمر النبوة، وأنها(١٨) تكون من حيل الناس. ثم سألنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال : كيف صلاتكم وصومكم ؟ فأخبرناه، فقال : قوموا فقمنا. فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كَثير، فأقمنا ثلاثًا.
فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه. ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَةِ العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين. عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا آدم، عليه السلام، وإذا هو أكثر الناس شعرًا.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا نوح، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(١٩) حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صَلْت الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إبراهيم، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر(٢٠) فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا - والله - رسول الله ﷺ فقال(٢١) أتعرفون هذا ؟ قلنا : نعم، محمد رسول الله ﷺ قال : وبكينا. قال : والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس، وقال : والله إنه لهو ؟ قلنا : نعم، إنه لهو، كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عَجَّلته لكم لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء(٢٢) وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، مقلَّص(٢٣) الشفة كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا موسى(٢٤) عليه السلام. وإلى جانبه صورة تشبهه، إلا أنه مُدْهَان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قبل، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا هارون بن عمران، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سَبْط رَبْعَة، كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا لوط، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال هذا إسحاق، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٥) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنه على شفته خال، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. [ قال ](٢٦) هذا يعقوب، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إسماعيل جد نبيكم، عليهما السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٧) حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها آدم، عليه السلام، كأن وجهه الشمس، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا يوسف، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر فاستخرج(٢٨) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمْش الساقين، أخفش العينين ضخم البطن، رَبْعة متقلد سيفا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا داود، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٩) حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسًا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا سليمان بن داود، عليه(٣٠) السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شابٌّ(٣١) شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا عيسى ابن مريم، عليه السلام.
قلنا : من أين لك هذه الصور ؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء، عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله. فقال : إن آدم، عليه السلام، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم، عليه السلام، عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال. ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدًا لأشركم ملكه، حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا، وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، فحدثناه بما أرانا، وبما قال لنا، وما أجازنا، قال : فبكى أبو بكر وقال : مسكين ! لو أراد الله به خيرًا لفعل. ثم قال : أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم.
هكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي، رحمه الله، في كتاب " دلائل النبوة "، عن الحاكم إجازة، فذكره(٣٢) وإسناده لا بأس به.
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى، حدثنا عثمان بن عُمَر، حدثنا فُلَيْح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال : لقيت عبد الله بن عمرو فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال : أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن :" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غُلفا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا " قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته، قال :" قلوبًا غُلوفيًا وآذانًا صموميًا وأعينًا عموميًا ".
وقد رواه البخاري في صحيحه، عن محمد بن سِنَان، عن فُلَيْح، عن هلال بن علي - فذكر بإسناده نحوه(٣٣) وزاد بعد قوله :" ليس بفظ ولا غليظ " :" ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ".
ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق " التوراة " على كتب أهل الكتاب. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس ورَّاق الحميدي(٣٤) حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم - من ولد جبير بن مطعم - قال : حدثتني أم عثمان بنت سعيد - وهي جدتي - عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم، قال : خرجت تاجرًا إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام، لقيني رجل من أهل الكتاب، فقال : هل عندكم رجل نبيًا ؟ قلت : نعم. قال : هل تعرف صورته إذا رأيتها ؟ قلت : نعم. فأدخلني بيتا فيه صور، ف
١ في ك، م، أ: "ببعثته"..
٢ في د: "بيعي"..
٣ في أ: "هل تجدني"..
٤ في ك: "وأشهد أنك"..
٥ في ك، م، أ: "ثم ولى كفنه وحنطه"..
٦ المسند (٥/٤١١)..
٧ في أ: "البكري"..
٨ في د: "تكلمنا"..
٩ في ك: "الرسل"..
١٠ في ك: "فتكلموا"..
١١ في أ: "سود"..
١٢ في د، ك، م: "فوالله"..
١٣ في أ: "نبينا محمد"..
١٤ في أ: "غرفة له"..
١٥ في د: "قال فأرسل"..
١٦ في د، م: "لا يحل"..
١٧ في د. "وأني قد خرجت"..
١٨ في ك، م: "أن".
.
١٩ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٠ في أ: "آخر فاستخرج منه حريرة سوداء"..
٢١ في د، م: "قال"..
٢٢ في أ: "جسماء"..
٢٣ في د: "مفلطس"..
٢٤ في م: "موسى بن عمران"..
٢٥ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٦ زيادة من أ..
٢٧ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٢٨ في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
.
٢٩ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٣٠ في أ: "عليهما"..
٣١ في د: "وإذا رجل شاب"..
٣٢ دلائل النبوة (١/٣٨٥)..
٣٣ تفسير الطبري (١٣/١٦٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥)..
٣٤ في هـ: "محمد بن إدرس بن الحميدي"، وفي بقية النسخ: "محمد بن إدريس بن وراق بن الحميدي" والمثبت من الجرح والتعديل ٢١٣/٢٠٤ مستفاد من هامش ط. الشعب..
٢ في د: "بيعي"..
٣ في أ: "هل تجدني"..
٤ في ك: "وأشهد أنك"..
٥ في ك، م، أ: "ثم ولى كفنه وحنطه"..
٦ المسند (٥/٤١١)..
٧ في أ: "البكري"..
٨ في د: "تكلمنا"..
٩ في ك: "الرسل"..
١٠ في ك: "فتكلموا"..
١١ في أ: "سود"..
١٢ في د، ك، م: "فوالله"..
١٣ في أ: "نبينا محمد"..
١٤ في أ: "غرفة له"..
١٥ في د: "قال فأرسل"..
١٦ في د، م: "لا يحل"..
١٧ في د. "وأني قد خرجت"..
١٨ في ك، م: "أن".
.
١٩ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٠ في أ: "آخر فاستخرج منه حريرة سوداء"..
٢١ في د، م: "قال"..
٢٢ في أ: "جسماء"..
٢٣ في د: "مفلطس"..
٢٤ في م: "موسى بن عمران"..
٢٥ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٦ زيادة من أ..
٢٧ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٢٨ في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
.
٢٩ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٣٠ في أ: "عليهما"..
٣١ في د: "وإذا رجل شاب"..
٣٢ دلائل النبوة (١/٣٨٥)..
٣٣ تفسير الطبري (١٣/١٦٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥)..
٣٤ في هـ: "محمد بن إدرس بن الحميدي"، وفي بقية النسخ: "محمد بن إدريس بن وراق بن الحميدي" والمثبت من الجرح والتعديل ٢١٣/٢٠٤ مستفاد من هامش ط. الشعب..