محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٧ من سورة الأعراف في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٧٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٧ من سورة الأعراف

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأمي الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. .
وهذا القول إبانة من الله جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبيه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفها جلّ ثناؤه بقوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ هم أمة محمد ﷺ، لأنه لا يعلم لله رسول وصف بهذه الصفة أعني الأميّ غير نبينا محمد ﷺ، وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ.
قال : ثنا زيد بن حُباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : أمة محمد ﷺ.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ، فقال موسى عليه السلام : ليتني خُلقت في أمة محمد
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : الذين يتبعون محمدا ﷺ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حَوْشَب، عن نَوْف الحميريّ، قال : لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله لموسى : أجعل لكم الأرض مسجدا وطَهُورا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرّ والعبد والصغير والكبير. فقال موسى لقومه : إن الله قد يجعل لكم الأرض طَهُورا ومسجدا. قالوا : لا نريد أن نصلي إلاّ في الكنائس. قال : ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا : لا نريد إلاّ أن تكون كما كانت في التابوت. قال : ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، ويقرأها الرجل منكم والمرأة والحرَ والعبد الصغير والكبير. قالوا : لا نريد أن نقرأها إلاّ نظرا. فقال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ. . . إلى قوله : أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البِكاليّ، قال : لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل كلمه الله، فقال : إني قد بسطت لهم الأرض طَهورا ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو قبر أو حمام، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرءون التوراة عن ظهر ألسنتهم. قال : فذكر ذلك موسى لبني إسرائيل، فقالوا : لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأ التوراة إلاّ نظرا، ولا نصلي إلاّ في الكنيسة فقال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ. . . حتى بلغ : أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. قال : فقال موسى عليه السلام : يا رب اجعلني نبيهم قال : نبيهم منهم. قال : ربّ اجعلني منهم قال : لن تدركهم. قال : يا ربّ أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يُهْدُونَ بالحَقّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. قال نوف البِكالي : فاحمدوا الله الذي حفظ غيبتكم، وأخذ لكم بسهمكم، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البِكالي بنحوه، إلاّ أنه قال : فإني أنزل عليكم التوراة تقرءونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبيانكم. قالوا : لا نصلي إلاّ في كنيسة، ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : هؤلاء أمة محمد ﷺ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : لما قيل : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ تمنتها اليهود والنصارى، فأنزل الله شرطا بَيّنا وثيقا، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ وهو نبيكم ﷺ كان أميّا لا يكتب.
وقد بيّنا معنى الأميّ فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله : الّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبا عنْدَهُمْ فِي التّوْرَاةِ والإنْجِيل فإن الهاء في قوله : يَجِدُونَهُ عائدة على الرسول، وهو محمد ﷺ. كالذي :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ هذا محمد ﷺ.
حدثني ابن المثنى، قال : حدثنا عثمان بن عمر، قال : حدثنا فليح عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار، قال : لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن : يا أيّهَا النّبيّ إنّا أرْسلناكَ شاهِدا ومبشّرا ونذِيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق، ولا يَجْزِي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا : لا إله إلاّ الله، فنفتح به قلوبا غُلْفا وآذانا صُمّا، وأعينا عُمْيا. قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفا، إلاّ أن كعبا قال بلغته : قلوبا غُلُوفِيَا. وآذانا صموميا، وأعينا عموميَا.
حدثني أبو كريب، قال : حدثنا موسى بن داود، قال : حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن عليّ، قال : ثني عطاء، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر نحوه. إلاّ أنه قال في كلام كعب : أعينا عُمُومَا، وآذانا صُمُومَا، وقلوبا غُلُوفَا.
قال : ثنا موسى، قال : حدثنا عبد العزيز بن سلمة، عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بنحوه، وليس فيه كلام كعب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله : الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ يقول : يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبا عندهم.

القول في تأويل قوله تعالى : يَأْمُرُهُمْ بالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلّ لَهُمُ الطّيِباتِ ويُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ.


يقول تعالى ذكره : يأمر هذا النبيّ الأميّ أتباعه بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروف الذي يأمرهم به، وينهاهم عن المنكر وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه.
وقوله : ويُحِلّ لَهُمُ الطّيّباتِ وذلك ما كانت الجاهلية تحرّمه من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. ويُحَرّمُ عَلَيهِمُ الخبَائِثَ وذلك لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : ويُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وهو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرّمات من المآكل التي حرّمها الله.
وأما قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : يعني بالإصر : العدة والميثاق الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : عهدهم.
قال : ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : عهدهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عليّ، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك، عن الحسن : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : العهود التي أعطوها من أنفسهم.
قال : ثنا ابن نمير، عن موسى بن قيس، عن مجاهد : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : عهدهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ يقول : يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم، يقول : يضع ذلك عنهم.
وقال بعضهم : عني بذلك أنه يضع عمن اتبع نبيّ الله ﷺ التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ فجاء محمد ﷺ بإقالة منه وتجاوز عنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : البول ونحوه مما غلظ على بني إسرائيل.
قال : ثنا الحِمّاني، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : شدّة العمل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد، قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ قال : من اتبع محمدا ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال : قال أبو هريرة لابن عباس : ما علينا في الدين من حرج أن نزني ونسرق ؟ قال : بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضع عنكم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : ، قال : قال أبو هريرة لابن عباس : ما علينا في الدين من حرج أن نزني ونسرق ؟ قال : بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضع عنكم.
١٥٢٤٢- حدثني يونس قال، أ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾


قال أبو جعفر: وهذا القول إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أنّ الذين وَعَد موسى نبيَّه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفَها جل ثناؤه بقوله: "ورحمتي وسعت كل شيء"، هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يعلم لله رسولٌ وُصف بهذه الصفة = أعني "الأمي" = غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢١٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "فسأكتبها للذين يتقون"، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
١٥٢١٥-.... قال، حدثنا زيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
١٥٢١٦- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد في قوله: "فسأكتبها للذين يتقون"، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال موسى عليه السلام: ليتني خلقت في أمّة محمدٍ!.
١٥٢١٧- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: "فسأكتبها للذين يتقون"، قال: الذين يتّبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم.
١٥٢١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن نوف الحميري قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه، قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا، وأجعل السكينة معكم
في بيوتكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظَهْر قلوبكم، (١) يقرؤها الرجل منكم والمرأةُ، والحرُّ والعبدُ، والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم الأرض طهورًا ومسجدًا. قالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس! قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلا أن تكون كما كانت، في التابوت! قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، (٢) ويقرأها الرجل منكم والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظرًا! فقال الله: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة" إلى قوله: "أولئك هم المفلحون". (٣)
١٥٢١٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البكالي قال: لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل، كلّمه الله فقال: إني قد بسطت لهم الأرض طهورًا ومساجدَ يصلُّون فيها حيث أدركتهم الصلاة، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمّام، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرأون التوراةَ عن ظهر ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبني إسرائيل، فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأ التوراة إلا نظرًا، ولا نصلي إلا في الكنيسة! فقال الله: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة"، حتى بلغ "أولئك هم المفلحون". قال: فقال موسى عليه السلام: يا ربّ، اجعلني نبيَّهم! قال: نبيُّهم منهم! قال: رب اجعلني منهم! قال: لن تدركهم! قال: يا ربّ، أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وِفَادَتنا لغيرنا! فأنزل الله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [سورة الأعراف: ١٥٩].
(١) (١) في المطبوعة: ((عن ظهور قلوبكم))، بجمع ((ظهور))، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
(٢) (٢) في المطبوعة: ((عن ظهور))، وتنظر التعليق السالف.
(٣) الأثر: ١٥٢١٨ "نوف الحميري" هو نوف البكالي المذكور في الأثريين التاليين: ٥١٥٢١٩، ١٥٢٢٠، وهو "نوف بن فضالة الحميري البكالي الشامي" مضى برقم: ٣٩٦٥، ٩٤٤٦، ٩٤٥٦.
= قال نوف البكالي: فاحمدوا الله الذي حَفظ غيبتكم، وأخذ لكم بسهمكم، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.
١٥٢٢٠- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البكالي بنحوه= إلا أنه قال: فإني أنزل عليكم التوراة تقرأونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤُكم وصبيانكم. قالوا: لا نُصلّي إلا في كنيسة، ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
١٥٢٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: "فسأكتبها للذين يتقون"، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (١)
١٥٢٢٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فسأكتبها للذين يتقون"، قال: هؤلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
١٥٢٢٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لما قيل: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون"، تمنّتها اليهود والنصارى، فأنزل الله شرطًا بيّنًا وثيقًا فقال: "الذين يتبعون الرَّسول النبيّ الأمي"، وهو نبيكم صلى الله عليه وسلم، كان أمِّيًّا لا يكتبُ. (٢)
* * *
وقد بينا معنى "الأمي" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (٣)
* * *
وأما قوله: "الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل"، فإن "الهاء"
(١) (١) الأثر: ١٥٢٢١ - ((إسحق بن إسماعيل)) هو ((حبويه))، ((أبو يزيد الرازي))، الذي مضى قريباً برقم: ١٥١٩٨، وصرح هنا أول مرة باسمه.
(٢) (٢) الأثر: ١٥٢٢٣ - انظر الأثر السالف رقم: ١٥٢٠٥
(٣) (٣) انظر تفسير ((الأمي)) فيما سلف ٢: ٢٥٧ - ٢٥٩ / ٣: ٤٤٢ / ٦: ٢٨١، ٢٨٢، ٥٢٢/ ثم انظر رقم: ٥٨٢٧، ١٧٧٤، ٦٧٧٥.
في قوله: "يجدونه"، عائدة على "الرسول"، وهو محمّد صلى الله عليه وسلم، كالذي: -
١٥٢٢٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ"، هذا محمّد صلى الله عليه وسلم.
١٥٢٢٥- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفة رسولِ الله ﷺ في التوراة. قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفتِه في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأمِّيين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكّل، (١) ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن نقبضه حتى نقيم به الملةَ العوجاء، بأن يقولوا: "لا إله إلا الله"، فنفتح به قلوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعينًا عُمْيًا= قال عطاء: ثم لقيتُ كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا، إلا أن كعبًا قال بلغته: قلوبًا غُلُوفيا، وآذانًا صمومِيَا، وأعينًا عُمْوميا. (٢)
١٥٢٢٦- حدثني أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي قال، حدثني عطاء قال: لقيت عبد الله
(١) (١) في المطبوعة: ((سميتك))، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) (٢) الأثر: ١٥٢٢٥ - ((عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدي))، ثقة، من شيوخ أحمد، روى له الجماعة، سلف برقم: ٥٤٥٨. و ((فليح))، هو ((فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزامي))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٠٩٠. و ((هلال بن على بن أسامة المدني))، وينسب إلى جده فيقال: ((هلال بن أسامة))، ثقة، مضى برقم: ١٤٩٥. وانظر الآثار التالية.
بن عمرو بن العاص، فذكر نحوه= إلا أنه قال في كلام كعب: أعينًا عمومَا، وآذانًا صموما، وقلوبًا غُلُوفَا.
١٥٢٢٧-... قال، حدثنا موسى قال، حدثنا عبد العزيز بن سلمة، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بنحوه= وليس فيه كلام كعب.
١٥٢٢٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال الله: "الذي يجدونه مكتوبًا عندهم"، يقول: يجدون نعتَه وأمرَه ونبوّته مكتوبًا عندهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يأمر هذا النبيُّ الأميُّ أتباعَه بالمعروف= وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك "المعروف" الذي يأمرهم به (١) = "وينهاهم عن المنكر" وهو الشرك بالله، والانتهاء عمّا نهاهم الله عنه. (٢) وقوله: "ويحل لهم الطيبات"، وذلك ما كانت الجاهلية تحرِّمه من البحائر والسَّوائب والوصائل والحوامي (٣) = "ويحرم عليهم الخَبَائث"، وذلك لحم الخنزير والرِّبا وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله، (٤) كما:-
(١) (١) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ٩: ٢٠١ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) (٢) انظر تفسير ((المنكر)) فيما سلف ١٠: ٤٩٦ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) (٣) انظر تفسير ((الطيبات)) فيما سلف ١١: ٩٦ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) (٤) انظر تفسير ((الخبائث)) فيما سلف ١١: ٩٦ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
١٥٢٢٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "ويحرم عليهم الخبائث"، وهو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرَّمات من المآكلِ التي حرمها الله.
* * *
وأما قوله: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم"، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: يعني بـ"الإصر"، العهدَ والميثاقَ الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "ويضع عنهم إصرهم"، قال: عهدهم.
١٥٢٣١-... قال حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: عهدهم.
١٥٢٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن علي قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
١٥٢٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك، عن الحسن: "ويضع عنهم إصرهم"، قال: العهود التي أعطوها من أنفسهم.
١٥٢٣٤-.... قال، حدثنا ابن نمير، عن موسى بن قيس، عن مجاهد: "ويضع عنهم إصرهم"، قال: عهدهم. (١)
١٥٢٣٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم"، يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقَهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل.
(١) (١) الأثر: ١٥٢٣٤ - ((موسى بن قيس الحضرمي))، مضى برقم: ٦٥١٣.
١٥٢٣٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم"، ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم. يقول: يضع ذلك عنهم.
* * *
وقال بعضهم: عني بذلك أنه يضع عمن اتّبع نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم، التشديدَ الذي كان على بني إسرائيل في دينهم.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٣٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم"، فجاء محمد ﷺ بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه.
١٥٢٣٨- حدثني المثني قال حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: "ويضع عنهم إصرهم"، قال: البولَ ونحوه، مما غُلِّظ على بني إسرائيل.
١٥٢٣٩-.... قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: شدّة العمل.
١٥٢٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" قال: من اتبع محمدًا ودينه من أهل الكتاب، وُضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم.
١٥٢٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا في الدين من حَرَج أن نزني ونسرق؟ قال: بلى! ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضِع عنكم.
١٥٢٤٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "ويضع عنهم إصرهم"، قال: إصرهم الذي جعله عليهم.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ "الإصر" هو العهد= وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (١) = وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهدَ الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل، من إقامة التوراة والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حُكْم القرآن.
* * *
وأما "الأغلال التي كانت عليهم"، فكان ابن زيد يقول بما: -
١٥٢٤٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه في قوله: "والأغلال التي كانت عليهم"، قال: "الأغلال"، وقرأ (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [سورة المائدة: ٦٤]. قال: تلك الأغلال. قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبيّ فيضع ذلك عنهم.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي، وأقرُّوا بنبوّته (٢) = "وعزَّروه"، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، (٣) كما: -
١٥٢٤٤- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
(١) (١) انظر تفسير ((الإصر)) فيما سلف ٦: ١٣٥ - ١٣٨، ٥٦٠.
(٢) (٢) انظر تفسير ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (أمن).
(٣) (٣) انظر تفسير ((التعزير)) فيما سلف ١٠: ١١٩ - ١٢١.
معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "وعزروه"، يقول: حموه وقَّروه.
١٥٢٤٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثني موسى بن قيس، عن مجاهد: "وعزروه ونصروه": "عزَّروه"، سدَّدوا أمره، وأعانوا رَسُوله= "ونَصَرُوه".
* * *
وقوله: "نصروه"، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم = "واتبعوا النور الذي أنزل معه"، يعني القرآن والإسلام (١) = "أولئك هم المفلحون"، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك. (٢)
١٥٢٤٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: فما نقموا= يعني اليهود= إلا أن حسدوا نبيَّ الله، فقال الله: "الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه"، فأما نصره وتعزيره فقد سبقتم به، ولكن خياركم من آمن بالله واتَّبع النور الذي أنزل معه.
* * *
يريد قتادة بقوله "فما نَقَموا إلا أن حسدوا نبي الله"، أن اليهودَ كان محمَّد ﷺ بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتبعوه، لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم، فحملهم الحسد على الكفر به، وترك قبول التخفيف، لغلبة خِذْلانِ الله عليهم.
* * *
(١) (١) انظر تفسير ((النور)) فيما سلف ١١: ٥٢٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) (٢) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف: ١٢: ٥٠٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء بشروا أممهم ببعثه(١) وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم كما قال الإمام أحمد :
حدثنا إسماعيل، عن الجُرَيري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال : جلبت جَلُوبَةً إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فرغت من بيعتي(٢) قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ :" أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد(٣) في كتابك هذا صفتي ومخرجي ؟ " فقال برأسه هكذا، أي : لا. فقال ابنه، إي : والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومَخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك(٤) رسول الله فقال :" أقيموا اليهودي عن أخيكم ". ثم ولى كفنه(٥) والصلاة عليه(٦)
هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح، عن أنس.
وقال الحاكم صاحب المستدرك : أخبرنا أبو محمد - عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي(٧) حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شُرَحْبِيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال : بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا : والله لا نكلم رسولا إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه(٨) وإلا لم نكلم
الرسول(٩) فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال : فأذن لنا فقال : تكلموا(١٠) فكلّمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثيابُ سوادٍ(١١) فقال له هشام : وما هذه التي عليك ؟ فقال : لبستها وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا : ومجلسك هذا، والله(١٢) لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم، إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا(١٣) ﷺ. قال : لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويقومون بالليل، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه، فمُلئ وجهه سوادًا فقال : قوموا. وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا، حتى إذا كنا قريبًا من المدينة، قال لنا الذي معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال ؟ قلنا : والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك. فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة(١٤) فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فالله يعلم لقد تَنَفَّضَت الغرفة حتى صارت كأنها عِذْق تصَفّقه الرياح، فأرسل(١٥) إلينا : ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم. وأرسل إلينا : أن ادخلوا فدخلنا عليه وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه فضحك، فقال : ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا : إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تُحيى بها لا تحل(١٦) لنا أن نحييك بها. قال : كيف تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : السلام عليك. قال : وكيف تحيون ملككم ؟ قلنا : بها. قال : وكيف يرد عليكم ؟ قلنا : بها. قال : فما أعظم كلامكم ؟ قلنا : لا إله إلا الله، والله أكبر فلما تكلمنا بها والله يعلم - لقد تَنَفَّضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال : فهذه الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم ؟ قلنا : لا ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك. قال : لوددت أنكم كلما قلتم تَنَفَّضَ كل شيء عليكم. وإني خرجت(١٧) من نصف ملكي. قلنا : لم ؟ قال : لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا تكون من أمر النبوة، وأنها(١٨) تكون من حيل الناس. ثم سألنا عما أراد فأخبرناه. ثم قال : كيف صلاتكم وصومكم ؟ فأخبرناه، فقال : قوموا فقمنا. فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كَثير، فأقمنا ثلاثًا.
فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه. ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَةِ العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين. عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله. قال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا آدم، عليه السلام، وإذا هو أكثر الناس شعرًا.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا نوح، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(١٩) حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صَلْت الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية كأنه يبتسم، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إبراهيم، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر(٢٠) فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا - والله - رسول الله ﷺ فقال(٢١) أتعرفون هذا ؟ قلنا : نعم، محمد رسول الله ﷺ قال : وبكينا. قال : والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس، وقال : والله إنه لهو ؟ قلنا : نعم، إنه لهو، كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عَجَّلته لكم لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء(٢٢) وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس متراكب الأسنان، مقلَّص(٢٣) الشفة كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا موسى(٢٤) عليه السلام. وإلى جانبه صورة تشبهه، إلا أنه مُدْهَان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قبل، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا هارون بن عمران، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سَبْط رَبْعَة، كأنه غضبان، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا لوط، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال هذا إسحاق، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٥) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنه على شفته خال، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. [ قال ](٢٦) هذا يعقوب، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا إسماعيل جد نبيكم، عليهما السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٧) حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها آدم، عليه السلام، كأن وجهه الشمس، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا يوسف، عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر فاستخرج(٢٨) حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمْش الساقين، أخفش العينين ضخم البطن، رَبْعة متقلد سيفا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا داود، عليه السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج(٢٩) حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسًا، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا سليمان بن داود، عليه(٣٠) السلام.
ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شابٌّ(٣١) شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا. قال : هذا عيسى ابن مريم، عليه السلام.
قلنا : من أين لك هذه الصور ؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء، عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله. فقال : إن آدم، عليه السلام، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم، عليه السلام، عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال. ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدًا لأشركم ملكه، حتى أموت. ثم أجازنا فأحسن جائزتنا، وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، فحدثناه بما أرانا، وبما قال لنا، وما أجازنا، قال : فبكى أبو بكر وقال : مسكين ! لو أراد الله به خيرًا لفعل. ثم قال : أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم.
هكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي، رحمه الله، في كتاب " دلائل النبوة "، عن الحاكم إجازة، فذكره(٣٢) وإسناده لا بأس به.
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى، حدثنا عثمان بن عُمَر، حدثنا فُلَيْح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال : لقيت عبد الله بن عمرو فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال : أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن :" يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ويفتح به قلوبا غُلفا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا " قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته، قال :" قلوبًا غُلوفيًا وآذانًا صموميًا وأعينًا عموميًا ".
وقد رواه البخاري في صحيحه، عن محمد بن سِنَان، عن فُلَيْح، عن هلال بن علي - فذكر بإسناده نحوه(٣٣) وزاد بعد قوله :" ليس بفظ ولا غليظ " :" ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ".
ويقع في كلام كثير من السلف إطلاق " التوراة " على كتب أهل الكتاب. وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن إدريس ورَّاق الحميدي(٣٤) حدثنا محمد بن عمر بن إبراهيم - من ولد جبير بن مطعم - قال : حدثتني أم عثمان بنت سعيد - وهي جدتي - عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم، قال : خرجت تاجرًا إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام، لقيني رجل من أهل الكتاب، فقال : هل عندكم رجل نبيًا ؟ قلت : نعم. قال : هل تعرف صورته إذا رأيتها ؟ قلت : نعم. فأدخلني بيتا فيه صور، ف
١ في ك، م، أ: "ببعثته"..
٢ في د: "بيعي"..
٣ في أ: "هل تجدني"..
٤ في ك: "وأشهد أنك"..
٥ في ك، م، أ: "ثم ولى كفنه وحنطه"..
٦ المسند (٥/٤١١)..
٧ في أ: "البكري"..
٨ في د: "تكلمنا"..
٩ في ك: "الرسل"..
١٠ في ك: "فتكلموا"..
١١ في أ: "سود"..
١٢ في د، ك، م: "فوالله"..
١٣ في أ: "نبينا محمد"..
١٤ في أ: "غرفة له"..
١٥ في د: "قال فأرسل"..
١٦ في د، م: "لا يحل"..
١٧ في د. "وأني قد خرجت"..
١٨ في ك، م: "أن".
.

١٩ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٠ في أ: "آخر فاستخرج منه حريرة سوداء"..
٢١ في د، م: "قال"..
٢٢ في أ: "جسماء"..
٢٣ في د: "مفلطس"..
٢٤ في م: "موسى بن عمران"..
٢٥ في د، ك، أ: "فاستخرج منه"..
٢٦ زيادة من أ..
٢٧ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٢٨ في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
.

٢٩ في ك، م، أ: "فاستخرج منه"..
٣٠ في أ: "عليهما"..
٣١ في د: "وإذا رجل شاب"..
٣٢ دلائل النبوة (١/٣٨٥)..
٣٣ تفسير الطبري (١٣/١٦٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥)..
٣٤ في هـ: "محمد بن إدرس بن الحميدي"، وفي بقية النسخ: "محمد بن إدريس بن وراق بن الحميدي" والمثبت من الجرح والتعديل ٢١٣/٢٠٤ مستفاد من هامش ط. الشعب..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَيْ: سَأَجْعَلُهَا لِلْمُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ، أَيْ: الشِّرْكَ وَالْعَظَائِمَ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قِيلَ: زَكَاةُ النُّفُوسِ. وَقِيلَ: [زَكَاةُ] (١) الْأَمْوَالِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً لَهُمَا؛ فَإِنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ وَهَذِهِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا أُمَمَهُمْ بِبَعْثِهِ (٢) وَأَمَرُوهُمْ بِمُتَابَعَتِهِ، وَلَمْ تَزَلْ صِفَاتُهُ مَوْجُودَةً فِي كُتُبِهِمْ يَعْرِفُهَا عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ أَبِي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، قَالَ: جَلَبْتُ جَلُوبَةً إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعَتِي (٣) قُلْتُ: لَأَلْقِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَلْأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، قَالَ: فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ، فَتَبِعْتُهُمْ فِي أَقْفَائِهِمْ حَتَّى أَتَوْا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَؤُهَا، يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَنِ ابْنٍ لَهُ فِي الْمَوْتِ كَأَحْسَنِ الْفِتْيَانِ وَأَجْمَلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، هَلْ تَجِدُ (٤) فِي كِتَابِكَ هَذَا صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ " فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، أَيْ: لَا. فَقَالَ ابْنُهُ، إِي: وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِنَّا لِنَجِدُ فِي كِتَابِنَا صِفَتَكَ ومَخرجك، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ (٥) رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: "أَقِيمُوا الْيَهُودِيَّ عَنْ أَخِيكُمْ". ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ (٦) وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ (٧)
هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَنَسٍ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ صَاحِبُ الْمُسْتَدْرَكِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ -عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ (٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُرَحْبِيل بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَرَجُلٌ آخَرُ إِلَى هِرَقْلَ صَاحِبِ الرُّومِ نَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْغُوطَةَ -يَعْنِي غُوطَةَ دِمَشْقَ -فَنَزَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسَّانِيِّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا بِرَسُولِهِ نُكَلِّمُهُ، فَقُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نُكَلِّمُ رَسُولًا إِنَّمَا بُعِثْنَا إِلَى الْمَلِكِ، فَإِنْ أَذِنَ لَنَا كَلَّمْنَاهُ (٩) وَإِلَّا لَمْ نكلم
(١) زيادة من أ.
(٢) في ك، م، أ: "ببعثته".
(٣) في د: "بيعي".
(٤) في أ: "هل تجدني".
(٥) في ك: "وأشهد أنك".
(٦) في ك، م، أ: "ثم ولى كفنه وحنطه".
(٧) المسند (٥/٤١١).
(٨) في أ: "البكري".
(٩) في د: "تكلمنا".
الرَّسُولَ (١) فَرَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَذِنَ لَنَا فَقَالَ: تَكَلَّمُوا (٢) فَكَلَّمَهُ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا عَلَيْهِ ثيابُ سوادٍ (٣) فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: وَمَا هَذِهِ الَّتِي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: لَبِسْتُهَا وَحَلَفْتُ أَلَّا أَنْزَعَهَا حَتَّى أُخْرِجَكُمْ مِنَ الشَّامِ. قُلْنَا: وَمَجْلِسَكَ هَذَا، وَاللَّهِ (٤) لَنَأْخُذَنَّهُ مِنْكَ، وَلَنَأْخُذَنَّ مُلْكَ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا (٥) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَصُومُونَ بِالنَّهَارِ، وَيَقُومُونَ بِاللَّيْلِ، فَكَيْفَ صَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فمُلئ وَجْهُهُ سَوَادًا فَقَالَ: قُومُوا. وَبَعَثَ مَعَنَا رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ، فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لَنَا الَّذِي مَعَنَا: إِنَّ دَوَابَّكُمْ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ مَدِينَةَ الْمَلَكِ، فَإِنْ شِئْتُمْ حَمَلْنَاكُمْ عَلَى بِرَاذِينَ وَبِغَالٍ؟ قُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نَدْخُلُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ ذَلِكَ. فَدَخَلْنَا عَلَى رَوَاحِلِنَا مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غُرْفَةٍ (٦) فَأَنَخْنَا فِي أَصْلِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَاللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدْ تَنَفَّضَت الْغُرْفَةُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا عِذْق تصَفّقه الرِّيَاحُ، فَأَرْسَلَ (٧) إِلَيْنَا: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا عَلَيْنَا بِدِينِكُمْ. وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا: أَنِ ادْخُلُوا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشٍ لَهُ، وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ مِنَ الرُّومُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي مَجْلِسِهِ أَحْمَرُ، وَمَا حَوْلَهُ حُمْرَةٌ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَضَحِكَ، فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيْكُمْ لَوْ حَيَّيْتُمُونِي بِتَحِيَّتِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ وَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ، كَثِيرُ الْكَلَامِ، فَقُلْنَا: إِنْ تَحِيَّتَنَا فِيمَا بَيْنَنَا لَا تَحِلُّ لَكَ، وَتَحِيَّتُكَ الَّتِي تُحيى بِهَا لَا تَحِلُّ (٨) لَنَا أَنْ نُحَيِّيَكَ بِهَا. قَالَ: كَيْفَ تَحِيَّتُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَكَيْفَ تُحَيُّونَ مَلِكَكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا. قَالَ: وَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا. قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ كَلَامِكُمْ؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَلَمَّا تَكَلَّمْنَا بِهَا وَاللَّهُ يَعْلَمُ -لَقَدْ تَنَفَّضت الْغُرْفَةُ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي قُلْتُمُوهَا حَيْثُ تَنَفَّضَتِ الْغُرْفَةُ، كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ تَنَفَّضَتْ عَلَيْكُمْ غُرَفُكُمْ؟ قُلْنَا: لَا مَا رَأَيْنَاهَا فَعَلَتْ هَذَا قَطُّ إِلَّا عِنْدَكَ. قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ كُلَّمَا قُلْتُمْ تَنَفَّضَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْكُمْ. وَإِنِّي خَرَجْتُ (٩) مِنْ نِصْفِ مُلْكِي. قُلْنَا: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَيْسَرُ لِشَأْنِهَا، وَأَجْدَرُ أَلَّا تَكُونَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّهَا (١٠) تَكُونُ مِنْ حِيَلِ النَّاسِ. ثُمَّ سَأَلَنَا عَمَّا أَرَادَ فَأَخْبَرْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ صَلَاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: قُومُوا فَقُمْنَا. فَأَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ حَسَنٍ وَنُزُلٍ كَثير، فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا.
فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا لَيْلًا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَاسْتَعَادَ قَوْلَنَا، فَأَعَدْنَاهُ. ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذْهَبَةٍ، فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ، فَفَتَحَ بَيْتًا وَقُفْلًا فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ. عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ، لَمْ أَرَ مِثْلَ طُولِ عُنُقِهِ، وَإِذَا لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ، وَإِذَا لَهُ ضَفِيرَتَانِ أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهِ. قَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، وَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا لَهُ شَعْرٌ كَشَعْرِ الْقِطَطِ، أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمُ الْهَامَةِ، حَسَنُ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هذا
(١) في ك: "الرسل".
(٢) في ك: "فتكلموا".
(٣) في أ: "سود".
(٤) في د، ك، م: "فوالله".
(٥) في أ: "نبينا محمد".
(٦) في أ: "غرفة له".
(٧) في د: "قال فأرسل".
(٨) في د، م: "لا يحل".
(٩) في د. "وأني قد خرجت".
(١٠) في ك، م: "أن".
نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ (١) حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ، حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ، صَلْت الْجَبِينِ، طَوِيلُ الْخَدِّ، أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ يَبْتَسِمُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ (٢) فَإِذَا فِيهِ صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا -وَاللَّهِ -رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (٣) أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَبَكَيْنَا. قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إِنَّهُ لَهُوَ، كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ، وَلَكِنِّي عَجَّلته لَكُمْ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ أَدْمَاءُ سَحْمَاءُ (٤) وَإِذَا رَجُلٌ جَعْدٌ قَطَطٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، حَدِيدُ النَّظَرِ، عَابِسٌ مُتَرَاكِبُ الْأَسْنَانِ، مقلَّص (٥) الشَّفَةِ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا مُوسَى (٦) عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِلَى جَانِبَهُ صُورَةٌ تُشْبِهُهُ، إِلَّا أَنَّهُ مُدْهَان الرَّأْسِ، عَرِيضُ الْجَبِينِ، فِي عَيْنَيْهِ قَبَلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلِ آدَمَ سَبْط رَبْعَة، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا لُوطٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ مُشْرَب حُمرة، أَقْنَى، خَفِيفُ الْعَارِضِينَ، حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ هَذَا إِسْحَاقُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ (٧) حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ تُشْبِهُ إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ عَلَى شَفَتِهِ خَالٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. [قَالَ] (٨) هَذَا يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ، حَسَنِ الْوَجْهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنِ الْقَامَةِ، يَعْلُو وَجْهَهُ نُورٌ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْخُشُوعُ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا إِسْمَاعِيلُ جَدُّ نَبِيِّكُمْ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ (٩) حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ كَأَنَّهَا آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَأَنَّ وَجْهَهَ الشَّمْسُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ (١٠) حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَحْمَرَ حَمْش السَّاقَيْنِ، أَخْفَشِ الْعَيْنَيْنِ ضَخْمِ الْبَطْنِ، رَبْعة مُتَقَلِّدٍ سَيْفًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هذا داود، عليه السلام.
(١) في د، ك، أ: "فاستخرج منه".
(٢) في أ: "آخر فاستخرج منه حريرة سوداء".
(٣) في د، م: "قال".
(٤) في أ: "جسماء".
(٥) في د: "مفلطس".
(٦) في م: "موسى بن عمران".
(٧) في د، ك، أ: "فاستخرج منه".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
(١٠) في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ (١) حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ ضَخْمِ الْأَلْيَتَيْنِ، طَوِيلِ الرِّجْلَيْنِ، رَاكِبٍ فَرَسًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَلَيْهِ (٢) السَّلَامُ.
ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا شابٌّ (٣) شَدِيدٌ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، كَثِيرُ الشِّعْرِ، حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ، حَسَنُ الْوَجْهِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قُلْنَا: مَنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الصُّوَرُ؟ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَى مَا صُوِّرَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لِأَنَّا رَأَيْنَا صُورَةَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ. فَقَالَ: إِنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ، فَكَانَ فِي خِزَانَةِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَدَفَعَهَا إِلَى دَانْيَالَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي طابت بالخروج من ملكي، وإني كُنْتُ عَبْدًا لِأَشَرِّكُمْ مِلْكَةً، حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ أَجَازَنَا فَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا، وَسَرَّحَنَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا أَرَانَا، وَبِمَا قَالَ لَنَا، وَمَا أَجَازَنَا، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: مِسْكِينٌ! لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ. ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ وَالْيَهُودُ يَجِدُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُمْ.
هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ"، عَنِ الْحَاكِمِ إِجَازَةً، فَذَكَرَهُ (٤) وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَر، حَدَّثَنَا فُلَيْح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ كَصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صخَّاب فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحَ بِهِ قُلُوبًا غُلفا، وَآذَانًا صُمًّا، وَأَعْيُنًا عُمْيًا" قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَمَا اخْتَلَفَ حَرْفًا، إِلَّا أَنَّ كَعْبًا قَالَ بِلُغَتِهِ، قَالَ: "قُلُوبًا غُلوفيًا وَآذَانًا صُمُومِيًا وَأَعْيُنًا عُمُومِيًا".
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان، عَنْ فُلَيْح، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ -فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ (٥) وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ": "وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ".
وَيَقَعُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ إِطْلَاقُ "التَّوْرَاةِ" عَلَى كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(١) في ك، م، أ: "فاستخرج منه".
(٢) في أ: "عليهما".
(٣) في د: "وإذا رجل شاب".
(٤) دلائل النبوة (١/٣٨٥).
(٥) تفسير الطبري (١٣/١٦٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ ورَّاق الْحُمَيْدِيِّ (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -مِنْ وَلَدِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سَعِيدٍ -وَهِيَ جَدَّتِي -عَنْ أَبِيهَا سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، قَالَ: خَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا كُنْتُ بِأَدْنَى الشَّامِ، لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ رَجُلٌ نَبِيًّا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْرِفُ صُورَتَهُ إِذَا رَأَيْتَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَنِي بَيْتًا فِيهِ صُوَرٌ، فَلَمْ أَرَ صُورَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَذَهَبَ بِنَا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَسَاعَةَ مَا دَخَلْتُ نَظَرْتُ إِلَى صُورَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا رَجُلٌ آخِذٌ بِعَقِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الْقَابِضُ عَلَى عَقِبِهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلَّا هَذَا النَّبِيَّ، فَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَهَذَا الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَإِذَا صِفَةُ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٢)
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ (٣) حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، عَنِ الْأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ إِلَى الْأَسْقُفِ، فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ تَجِدُنِي فِي الْكِتَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: أَجِدُكَ قَرْنا. قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ الدُّرَّةَ وَقَالَ (٤) قَرْنُ مَهْ؟ قَالَ: قَرْنُ حَدِيدٍ، أَمِيرٌ شَدِيدٌ. قَالَ: فَكَيْفَ تَجِدُ الَّذِي بَعْدِي؟ قَالَ: أَجِدُ خَلِيفَةً صَالِحًا، غَيْرَ أَنَّهُ يُؤْثِرُ قَرَابَتَهُ قَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُثْمَانَ، ثَلَاثًا. قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ الَّذِي بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَجِدُ صَدَأَ حَدِيدٍ. قَالَ: فَوَضَعَ عُمَرُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: يَا دَفْرَاهُ، يَا دَفْراه! قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ خَلِيفَةٌ صَالِحٌ، وَلَكِنَّهُ يُستخلف حِينَ يُستخلف وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ، وَالدَّمُ مُهْرَاقٌ (٥)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هَذِهِ صِفَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٦) فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَكَذَا كَانَ (٧) حَالُهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَلَا يَنْهَى إِلَّا عَنْ شَرٍّ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأرْعها سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ. وَمِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، مَا بَعَثَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] (٨) بِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْيِ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ سِوَاهُ، كَمَا أَرْسَلَ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ -هُوَ الْعَقَدِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو -حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -هُوَ ابْنُ بِلَالٍ -عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أبي حميد وأبي أسيد، رضي
(١) في هـ: "محمد بن إدرس بن الحميدي"، وفي بقية النسخ: "محمد بن إدريس بن وراق بن الحميدي" والمثبت من الجرح والتعدل ٢١٣/٢٠٤ مستفاد من هامش ط. الشعب.
(٢) المعجم الكبير (٢/١٢٥) ورواه أيضا في الأوسط برقم (٣٤٩٦) "مجمع البحرين" وقال: "لا يروى عن جبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن إدريس". قال الهيثمي في المجمع (٨/٢٣٣) :"فيه من لم أعرفهم".
(٣) في جميع النسخ: "عمر بن حفص أبو عمر الضرير"، والمثبت من سنن أبي داود.
(٤) في أ: "فقال".
(٥) سنن أبي داود برقم (٤٦٥٦)، "والدفر: النتن".
(٦) في م: "صلوات الله وسلامه عليه".
(٧) في ك، م، أ: "كانت".
(٨) زيادة من م.
اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تَعْرِفُهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَلِينُ لَهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ، وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ قَرِيبٌ، فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ. وَإِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَنْفُرُ مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ، وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ، فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ" (١)
هَذَا [حَدِيثٌ] (٢) جَيِّدُ الْإِسْنَادِ، لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ [السِّتَّةِ] (٣)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْدَى، وَالَّذِي هُوَ أَهْنَا، [وَالَّذِي هُوَ أَنْجَى] (٤) وَالَّذِي هو أتقى (٥) (٦)
ثم رواه عن يحيى عن بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْدَاهُ وَأَهْنَاهُ وَأَتْقَاهُ (٧)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أَيْ: يُحِلُّ لَهُمْ مَا كَانُوا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَحَائِرِ، وَالسَّوَائِبِ، وَالْوَصَائِلِ، وَالِحَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا كَانُوا ضَيَّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالرِّبَا، وَمَا كَانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْمَآكِلِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى، فَهُوَ طَيِّبٌ نَافِعٌ فِي الْبَدَنِ وَالدِّينِ، وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ، فَهُوَ خَبِيثٌ ضَارٌّ فِي الْبَدَنِ وَالدِّينِ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ يَرَى التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لَهُ.
وَكَذَا احْتَجَّ بِهَا مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي حِلِّ الْمَآكِلِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَى تَحْلِيلِهَا وَلَا تَحْرِيمِهَا، إِلَى مَا اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ فِي حَالِ رَفَاهِيَتِهَا، وَكَذَا فِي جَانِبِ التَّحْرِيمِ إِلَى مَا اسْتَخْبَثَتْهُ. وَفِيهِ (٨) كَلَامٌ طَوِيلٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: إِنَّهُ جَاءَ بِالتَّيْسِيرِ وَالسَّمَاحَةِ، كَمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ". وَقَالَ لِأَمِيرَيْهِ مُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، لَمَّا (٩) بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ: "بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا". وَقَالَ صَاحِبُهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ: إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وشهدت تيسيره.
(١) المسند من حديث أبي أسيد (٣/٤٩٧) ومن حديث أبي حميد (٥/٤٢٥).
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "أبقى".
(٦) المسند (١/١٢٢).
(٧) المسند (١/١٣٠).
(٨) في م: "وفي ذلك".
(٩) في أ: "حين".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ﷺ.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها اللّه لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو : كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك باللّه، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي : ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي : عظموه وبجلوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٣ - ١٧١} ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إلى آخر قصته (١).
أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.
﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله.
(١) في ب: أورد الآيات كاملة.

فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.
فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
﴿وَنزعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فلهذا ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ماهر في سحره.
ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يريد أن يجليكم (١) عن أوطانكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس.
فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ؟
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألي وعدم -[٣٠٠]- المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
فـ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حية تسعى، فـ ﴿تَلْقَفُ﴾ جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: يكذبون به ويموهون.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾
أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.
(١) كذا في ب، وفي أ: يريد ليجليكم من.
فـ ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ متهددا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.
ثم موه على قومه وقال: ﴿إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.
وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.
ثم توعدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحل بكم من العقوبة.
﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
﴿ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا﴾ بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (١) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.
ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أفض ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (٢) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فـ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.
﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ -[٣٠١]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.
﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى مرجيا [لهم] (٣) الفرج والخلاص من شرهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد.
(١) زيادة من هامش ب، وهي في أ: آمنا بربنا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ويؤمن.
(٣) زيادة من هامش ب.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: الخصب وإدرار الرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا ﴿وَالْجَرَادَ﴾ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾.
وقال هنا: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[٣٠٢]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله ﴿مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ حين قال لهم موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
﴿فَأَتَوْا﴾ أي: مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.
فـ ﴿قَالُوا﴾ من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "
ولهذا قال لهم موسى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وآله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ﴾ النجاة من عذابهم ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.
ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.
ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهم الذين يعملون بالمعاصي.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت.
(٢) زيادة من هامش ب.

﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك -[٣٠٣]- وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، ﴿بِرِسَالاتِي﴾ التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
﴿وَبِكَلامِي﴾ إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على ما خصك وفضلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿مَوْعِظَةً﴾ ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
وأما غيرهم، فقال عنهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
﴿وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي﴾ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ "
ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
﴿وَلَمَّا﴾ رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الهم والندم على فعلهم، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ما صدر منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ أي: رماها من الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ولحيته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ لك بقولي: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فـ ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ -[٣٠٤]- و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: احتقروني حين قلت لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: فلا تظن بي تقصيرا ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ﴾ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فتعاملني معاملتهم.
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلها ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (١) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.
ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من شرك وكبائر، وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ﴿وَآمنُوا﴾ بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: مشتملة ومتضمنة ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] (٢) ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.
﴿و﴾ لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم ﴿اخْتَارَ مُوسَى﴾ منهم ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -[٣٠٥]- ذنوبهم.
(١) في النسختين: قتلى كثيرة.
(٢) زيادة من هامش ب.
وقال موسى في تمام دعائه ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ : وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ﴾ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه وبجلوه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا ﷺ قطعا.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ﴾ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الأُمِّيَّ
الَّذِي لَا يَقْرَأَ، وَلَا يَكْتُبُ.
إِصْرَهُمْ
مَا كُلِّفُوهُ مِنَ الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ.
وَعَزَّرُوهُ
وَقَّرُوهُ، وَعَظَّمُوهُ.

إعراب الآية ١٥٧ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي ما هذا إلا اختبارك وتعبّدك بما يشتدّ. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أي تضلّ بها الذين تشاء، والذين تشاء هم الذين لا يصبرون عند البلاء ولا يرضون وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من صبر ورضي. أَنْتَ وَلِيُّنا ابتداء وخبر وكذا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٦]

وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
وقرأ أبو وجزة السعدي «١» إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٢» يقال: هاد يهود، هذا المعروف، إذا تاب ويقال: ثوب مهوّد أي مرقّق مليّن. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي الذين أشاء أي المستحقّين له. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كلّ شيء من الخلق حتّى إنّ البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٧]

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خفض على البدل من «الذين» الأول وإن شئت كان نعتا وكذا الَّذِي يَجِدُونَهُ «والذين هم» عطف، وقرأ أبو جعفر وأيّوب وابن عامر والضحّاك وضع عنهم آصارهم وهو جمع إصر، وأصله في اللغة الثقل وهو ما تعبّدوا به مما يثقل، وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول، وقيل: هو ما كان يؤخذ عليهم من العهود إنّهم كانوا يطيعون الله جلّ وعزّ ويؤمنون بأنبيائه صلوات الله عليهم ويوالون أهل الطاعة ويعادون أهل المعصية قربوا أو بعدوا. قال الأخفش: وقرأ الجحدري وعيسى وَعَزَّرُوهُ «٣» بالتخفيف، وكذا وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة: ١٢] قال أبو إسحاق: يقال: عزره يعزره ويعزره.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٩]

وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
يكون لمن آمن منهم، ويكون لقوم قد هلكوا أو لمن لحق عيسى صلّى الله عليه وسلّم فآمن به،
(١) أبو وجزة السعدي: يزيد بن عبيد المدني، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وكان شاعرا مجيدا (ت ١٣٠ هـ). ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٢.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٦، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٠، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.
(٣) وهذه قراءة قتادة وسليمان التيمي أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٠٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥٧ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

إِصْرَهُمْ

(ءَاصَارَهُمْ) بهمزة مفتوحة وبعدها ألف وبفتح الصاد وبعدها ألف وبإسكان الميم

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر

(إِصْرَهُمْ) بهمزة مكسورة بعدها صاد ساكنة وبإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(إِصْرَهُمُ) بهمزة مكسورة بعدها صاد ساكنة وبصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

التَّوْرَاةِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

بالتقليل

قالون عن نافع ورش عن نافع خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

بالفتح

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

النَّبِىَّ

(النَّبِىِّ) بياء مشددة مكسورة بعد الباء دون همز أو مد

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(النَّبِىءِ) بياء ساكنة بعد الباء تمد 3 حركات وبعدها همزة مكسورة

قالون عن نافع

(النَّبِىءِ) بياء ساكنة بعد الباء تمد 6 حركات وبعدها همزة مكسورة

ورش عن نافع

عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ

(عَلَيْهُمُ) بضم الهاء والميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عَلَيهِمِ) بكسر الهاء والميم

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ

(عَلَيهُمْ) بضم الهاء وإسكان الميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء وإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

وَيَضَعُ عَنْهُمْ

إدغام العين في العين إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار العين الأولى مرفوعة

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

يَأْمُرُهُم

(يَأْمُرْهُمْ) بتحقيق الهمزة الساكنة وإسكان الراء والميم أو اختلاس ضمة الراء

الدوري عن أبي عمرو

(يَأْمُرُهُمْ) بتحقيق الهمزة الساكنة وضم الراء وإسكان الميم

قالون عن نافع هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(يَأْمُرُهُمُ) بتحقيق الهمزة الساكنة وضم الراء وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير

(يَامُرُهُمْ) إبدال الهمزة وضم الراء وإسكان الميم

ورش عن نافع

(يَامُرُهُمُ) إبدال الهمزة وضم الراء وصلة الميم

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(يَامُرْهُمْ) بإبدال الهمزة وإسكان الراء والميم

السوسي عن أبي عمرو
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٧ من سورة الأعراف

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٦ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: فما نقموا -يعني: اليهود- إلّا أن حسدوا نبيَّ الله، فقال اللهُ: ﴿الذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾. في قوله: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾، يقول: نصَروه. قال: فأمّا نصرُه وتعزيرُه قد سُبِقْتم به، ولكن خيرُكم مَن آمَنَ واتَّبَعَ النورَ الذي أُنزِل معه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (١٠/٤٩٨) قول قتادة، فقال: «يريد قتادة بقوله: فما نقموا إلا أن حسدوا نبيَّ الله. أنّ اليهود كان مجيءُ محمدٍ بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتبعوه؛ لأنّه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم، فحملهم الحسد على الكفر به، وتَرْكِ قَبول التخفيف؛ لغلبة خذلان الله عليهم».
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق رجل- في قوله: ﴿وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾، قال: بالسيف١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٠/٤٩٧) في معنى: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ سوى قول ابن عباس، ومجاهد.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ يعني: صَدَّقوا النبيَّ ﷺ، ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يعني: أعانوه على أمره، ﴿ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ﴾ يعني: القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، فمَن فعل هذا فـ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾. فقال موسى عند ذلك: اللَّهُمَّ، اجعلني مِن أُمَّة محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٧.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾، يعني: عظَّموه، ووَقَّروه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٧ بنحوه، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق موسى بن قيس- ﴿وعَزَّرُوهُ﴾، قال: شدَّدوا أمره، وأعانوا رسوله، ونصَروه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أبي بشير- في قوله: ﴿وعزروه﴾، قال: يُقاتِلون معه بالسيف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٥.

آثار متعلقة بالآية

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أجدُ في الكُتُب: أنّ هذه الأُمَّةَ تُحِبُّ ذِكْرَ الله، كما تُحِبُّ الحمامةُ وكْرَها، ولَهُمْ أسْرَعُ إلى ذكر الله مِن الإبل إلى وِرْدِها يومَ ظِمْئِها١
التخريج
  1. ١علَّقه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏١٥٤.
٢
عن خُبَيبِ بن سليمان بن سَمُرَةَ، عن أبيه، عن جدِّه: أنّ النبيَّ ﷺ أتاه رجلٌ من الأعراب يسْتَفْتِيه عن الرجل؛ ما الذي يحِلُّ له والذي يحرُمُ عليه في ماله، ونُسُكه، وماشيته، وعِتْرِه١، وفَرَعِه٢ مِن نتاج إبله وغنمه؟ فقال له رسول الله ﷺ: «أُحِلُّ لك الطيبات، وأُحَرِّمُ عليك الخبائثَ، إلّا أن تفتقرَ إلى طعامٍ فتأكُلَ منه حتى تستغنيَ عنه». قال: ما فقري الذي آكُلُ ذلك إذا بلَغتُه؟ أم ما غِناي الذي يُغنيني عنه؟ قال: «إذا كنتَ ترجو نتاجًا فتبلَّغْ إليه بلحوم ماشيتِك إلى نتاجِك، أو كنتَ ترجو عَشاءً تُصيبُه مُدْرِكًا فتبلَّغْ إليه بلحومِ ماشيتِك، وإذا كنتَ ترجو فائدةً تنالُها فتبلَّغْها بلحومِ ماشيتِك، وإذا كنتَ لا ترجو من ذلك شيئًا فأَطْعِمْ أهلك ما بدا لك حتى تستغنيَ عنه». قال الأعرابيُّ: وما غنائي الذي أدعُه إذا وجَدتُه؟ قال: «إذا رَوَيْتَ أهْلَكَ غَبُوقًا من اللبنِ فاجتنِبْ ما حُرِّم عليك مِن الطعام، وأمّا مالُك فإنّه مَيْسورٌ كلُّه، ليس منه حرامٌ، غيرَ أن نتاجك مِن إبلِك فَرَعًا، وفي نتاجِك من غنمِك فَرَعًا، تغذوه ماشيتُك حتى تستغنيَ، ثم إن شئتَ فأطعِمْه أهلَك، وإن شئتَ تصدَّقْ بلحمِه». وأمَره أن يَعْتِرَ من الغنمِ في كلِّ مائةٍ عشرًا٣
التخريج
  1. ١والعتيرة أنه كان الرجل من العرب ينذر النذر يقول: إذا كان كذا وكذا، أو بلغ شاؤه كذا، فعليه أن يذبح من كل عشرة منها في رجب كذا، وكانوا يسمونها العتائر. وقَدْ عَتَرَ يَعْتِرُ عَتْرًا، إذا ذبح العتيرة. وهكذا كان في صدر الإسلام وأوله، ثم نسخ. النهاية (عَتِرَ).
  2. ٢الفَرَعَةُ والفَرَعُ: أول ما تلده الناقة، كانوا يذبحونه لآلهتهم، فنُهي المسلمون عنه. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا تمت إبله مائة قدم بَكْرًا فنحره لصنمه وهو الفَرَع، وقد كان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام، ثم نُسخ. النهاية (فَرَعَ).
  3. ٣أخرجه الطبراني في الكبير ٧‏/‏٢٥٢ (٧٠٢٨)، ٧‏/‏٢٥٧ (٧٠٤٦)، والبزار ١٠‏/‏٤٥٥ (٤٦٢٥) مختصرًا. قال الهيثمي في المجمع ٤‏/‏٢٨ (٦٠٠٤): «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن». وقال في ٤‏/‏١٦٣-١٦٤ (٦٨٢٣): «رواه الطبراني في الكبير، والبزار، باختصار كثير، وفي إسناد الطبراني مساتير، وإسناد البزار ضعيف».
٣
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «صِفتي: أحمدُ المتوكِّلُ، مولدُه بمكَّةَ، ومهاجَرُه بطَيبةَ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، يجزِي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يُكافِئُ بالسيئة، أُمَّتُه الحمّادونَ، يأتزِرونَ على أنصافِهم، ويُوَضِّئون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصُفُّون للصلاة كما يَصُفُّون للقتال، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إلَيَّ دماؤهم، رهبانٌ بالليل ليوثٌ بالنَّهار»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير١٠‏/‏٨٩ (١٠٠٤٦). قال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٧١ (١٤٠١٨): «رواه الطبراني، وفيه مَن لم أعرفهم». وقال المناوي في فيض القدير ٤‏/‏١٩٥ (٤٩٩٩): «رمز المصنف -السيوطي- لِحُسنه». وقال في التيسير ٢‏/‏٩٠: «وفيه مَن لا يعرف، فقول المؤلف: حسن. غير حسن». وقال الألباني في الضعيفة ٨‏/‏٢٤٤ (٣٧٧٠): «ضعيف».
٤
عن كعب الأحبار، قال: إنّ أبي كان مِن أعلمِ الناسِ بما أنزَلَ اللهُ على موسى، وكان لم يدَّخِرْ عنِّي شيئًا مِمّا كان يعلمُ، فلمّا حضَره الموتُ دعاني، فقال لي: يا بُنيَّ، إنّك قد علمتَ أنِّي لم أدَّخِرْ عنك شيئًا مِمّا كنتُ أعلمُهُ، إلا أنِّي قد حبَستُ عنك ورقتين، فيهما نبيٌّ يُبْعَثُ قد أظلَّ زمانُه، فكرِهتُ أن أُخبِرَ بذلك، فلا آمنُ عليك أن يخرُجَ بعضُ هؤلاء الكذّابين فتطيعَه، وقد جعلتُها في هذه الكَوَّةِ١ التي تَرى، وطيَّنتُ عليها، فلا تعرِضَنَّ لهما، ولا تنظُرَنَّ فيهما حينَك هذا، فإنّ الله إن يُرِدْ بكَ خيرًا ويخرُجْ ذلك النَّبِيُّ تتَّبعْهُ. ثمَّ إنّه ماتَ، فدفَنّاه، فلم يكن شيءٌ أحبَّ إليَّ مِن أن أنظُرَ في الورقتين؛ ففتَحْتُ الكَوَّةَ، ثم استخْرَجتُ الورقتين، فإذا فيهما: محمدٌ رسول الله، خاتمُ النبيِّين، لا نبيَّ بعدَه، مولدُه بمكَّةَ، ومهاجَرُه بطَيبةَ، لا فظّ، ولا غليظ، ولا سخّابٌ في الأسواقِ، ويَجزي بالسيئةِ الحسنةَ، ويعفو ويصفحُ، أُمَّتُه الحمّادون الذين يحمَدون الله على كلِّ حالٍ، تُذلَّلُ ألسنتُهم بالتكبير، ويُنصَرُ نبيُّهم على كلِّ مَن ناوأهُ، يغسِلونَ فروجَهم، ويأتزرون على أوساطِهم، أناجيلُهم في صدورِهم، وتراحُمُهم بينَهم تراحُمُ بني الدمِ، وهم أوَّلُ مَن يدخل الجنَّةَ يوم القِيامةِ مِن الأمم. فمكثتُ ما شاء الله، ثمَّ بَلَغني: أنّ النَّبِيَّ ﷺ قد خرج بمكَّة، فأخَّرتُ حتى أستثْبِتَ. ثم بلَغني: أنّه تُوُفِّي، وأنّ خليفتَه قد قام مقامَه، وجاءتنا جنوده، فقلتُ: لا أدخُلُ في هذا الدينِ حتى أنظُرَ سيرتَهم وأعمالَهم، فلم أزلْ أُدافِعُ ذلك وأؤخِّرُه لأستثْبِتَ، حتى قدِمَتْ علينا عمّالُ عمر بن الخطّاب، فلمّا رأيتُ وفاءَهم بالعهد، وما صَنَعَ الله لهم على الأعداءِ؛ علمتُ أنّهم هم الذين كنتُ أنتظِرُ، فواللهِ، إنِّي لَذاتَ ليلةٍ فوقَ سطحِي فإذا رجلٌ من المسلمين يتلو قول الله: ﴿يأيُّها الذين أُوتُوا الكتاب آمنوا بما نزَّلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الآية [النساء:٤٧]. فلمّا سمعتُ هذه الآية خَشِيتُ ألّا أُصبِحَ حتى يُحوَّلَ وجهي في قفاي، فما كان شيءٌ أحبَّ إلَيَّ من الصباحِ، فغدوتُ على المسلمين٢
التخريج
  1. ١الكَوَّةُ: الخَرْق في الحائط، والثَّقْب في البيت. لسان العرب (كوي).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى أبي نعيم.
٥
عن وهبِ بن منبَّهٍ -من طريق إدريس بن سنان- قال: أوحى الله تعالى إلى أشْعِياءَ: إنِّي باعثٌ نبيًّا أُمِّيًّا، أفتحُ به آذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا، وأعينًا عُميًا، مولدُه بمكة، ومُهاجَرُه بطَيْبةَ، وملكُه بالشامِ، عبديَ المتوكِّلُ، المصطَفى، المرفوعُ، الحبيبُ، المُتَحبِّبُ، المختار، لا يَجزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يعفُو ويصفحُ ويغفرُ، رحيمًا بالمؤمنين، يبكِي للبهيمةِ المُثْقَلَةِ، ويبكي لليتيم في حِجْر الأرملة، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا مُتَزَيِّنٍ بالفُحْشِ، ولا قوّالٍ لِلْخَنا، لو يَمُرُّ إلى جَنبِ السِّراج لم يُطْفِئْه مِن سكينتِه، ولو يمشي على القَصَبِ الرَّعراعِ -يعني: اليابسَ- لم يُسمَعْ من تحتِ قدميه، أبعَثُه مُبَشِّرًا ونذيرًا، أُسَدِّدُه لِكُلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلُقٍ كريمٍ، أجعلُ السكينةَ لِباسَه، والبِرَّ شِعارَه، والتقوى ضميرَه، والحِكْمةَ معقولَه، والصدقَ والوفاءَ طبيعتَه، والعفوَ والمغفرةَ والمعروفَ خُلُقَه، والعدلَ سيرتَه، والحقَّ شريعتَه، والهُدى إمامَه، والإسلام مِلَّتَه، وأحمد اسمه، أهدِي به من بعد الضلالةِ، وأُعَلِّمُ به بعد الجهالة، وأرفَعُ به بعدَ الخَمالَةِ١، وأُسَمِّي به بعد النَّكَرَةِ، وأُكَثِّرُ به بعد القِلَّةِ، وأُغنِي به بعد العَيْلَةِ، وأَجمَعُ به بعد الفُرقَةِ، وأؤلِّفُ به بين قلوبٍ وأهواءٍ مُتَشَتِّتةٍ وأُمَمٍ مختلفةٍ، وأجعَلُ أُمَّتَه خير أُمَّةٍ أخرِجَتْ للناسِ؛ أمرًا بالمعروفِ، ونهيًا عن المنكرِ، وتوحيدًا لي، وإيمانًا بي، وإخلاصًا لي، وتصديقًا لما جاءت به رسلي، وهم رُعاُة الشمسِ، طوبى لتلك القلوبِ والوجوهِ والأرواحِ التي أخلَصَتْ لي، ألهمتُهم التسبيحَ، والتكبيرَ، والتحميدَ، والتوحيدَ؛ في مساجدِهم، ومجالسِهم، ومضاجِعِهم، ومُنقَلَبِهم، ومثواهم، ويَصُفُّون في مساجدِهم كما تَصُفُّ الملائكةُ حولَ عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقِمُ بهم مِن أعدائي عَبَدَة الأوثانِ، يُصَلُّون لي قيامًا وقعودًا ورُكَّعًا وسُجودًا، ويخرُجون من ديارِهم وأموالِهم ابتغاءَ مرضاتي أُلُوفًا، ويُقاتِلون في سبيلي صُفوفًا وزُحُوفًا، أختِمُ بكتابِهم الكتبَ، وبشريعتِهم الشرائعَ، وبديِنهم الأديانَ، فمَن أدرَكَهم فلم يؤمِن بكتابِهم ويَدخُلْ في دينِهم وشريعتِهم فليس مِنِّي، وهو مِنِّي بريءٌ، وأجعلُهم أفضلَ الأُمَم، وأجعلُهم أُمَّةً وسطًا شهداء على الناس، إذا غضِبُوا هلَّلوني، وإذا قُبِضوا كبَّروني، وإذا تنازَعوا سبَّحوني، يُطَهِّرُون الوجوه والأطراف، ويَشُدُّون الثيابَ إلى الأنصاف، ويُهَلِّلون على التِّلال والأشْراف، قُربانُهم دماؤُهم، وأناجيلُهم صدورُهم، رهبانٌ بالليل لُيوثٌ بالنهار، ينادى مناديِهم في جوٍّ السماء، لهم دويٌّ كدويِّ النحل، طوبى لمن كان معهم وعلى ديِنهم ومناهجِهم وشريعتِهم، ذلك فضلي أوتِيه مَن أشاُء، وأنا ذو الفضلِ العظيمِ٢
التخريج
  1. ١الخامِل: الخفيُّ الساقط. لسان العرب (خمل).
  2. ٢أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٣٣). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٦
عن وهب بن منبِّهٍ -من طريق إدريس بن سنان- قال: إنّ الله أوحى في الزَّبورِ: يا داود، إنّه سيأتي مِن بعدك نبيٌّ اسمُه: أحمدُ، ومحمدٌ، صادِقًا نبيًّا، لا أغضَبُ عليه أبدًا، ولا يَعصِيني أبدًا، وقد غفرتُ له أن يعصيَني ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، وأمَّتُه مرحومةٌ، أعْطَيتُهم من النوافلِ مثل ما أعطَيتُ الأنبياءَ، وافترَضْتُ عليهم الفرائض التي افترَضْتُ على الأنبياء والرسل؛ حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أنِّي افترَضتُ عليهم أن يَتَطَهَّروا لي لكُلِّ صلاةٍ كما افترَضْتُ على الأنبياء قبلهم، وأمَرتُهم بالغُسلِ من الجنابةِ كما أمَرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالحجِّ كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمَرْتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرُّسُلَ قبلهم. يا داود، إنِّي فضَّلتُ محمدًا وأمَّتَه على الأُمَم كلِّها، أعطَيتُهم سِتَّ خِصالٍ لم أُعطِها غيرَهم من الأُمَم: لا أؤاخِذُهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنبٍ ركِبوه على غيرِ عمدٍ إذا استغفَروني منه غفَرْتُه، وما قدَّموا لآخِرَتِهم من شيءٍ طيبةً به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافًا مضاعفةً، ولهم عندي أضعافٌ مُضاعَفةٌ وأفضلُ من ذلك، وأعطَيتُهم على المصائب في البلايا -إذا صبَروا وقالوا: إنّا لله وإنا إليه راجعون- الصلاةَ والرحمةَ والهدى إلى جناتِ النعيمِ، فإن دَعَوْني استجَبْتُ لهم؛ فإمّا أن يَرَوه عاجلًا، وإمّا أن أصرِفَ عنهم سُوءًا، وإمّا أن أدَّخِرَه لهم في الآخرةِ. يا داودُ، مَن لقِيَني من أُمَّةِ محمدٍ يشهدُ: أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريكَ لي صادقًا بها؛ فهو معي في جنَّتي وكرامتي، ومَن لَقِيَني وقد كذَّب مُحَمَّدًا وكذَّب بما جاء به واستهزَأ بكتابي؛ صبَبْتُ عليه في قبرِه العذاب صبًّا، وضرَبَتِ الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه عند منشَرِه من قبره، ثم أُدخِلُه في الدَّرْك الأسفل من النار١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ١‏/‏٣٨٠-٣٨١.
٧
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكْتُبُ ولا نحسُبُ، وإنّ الشهرَ كذا وكذا». وضرَب بيده سِتَّ مرات، وقبَض واحدةً١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٢٧-٢٨ (١٩١٣)، ومسلم ٢‏/‏٧٦١ (١٠٨٠). وأورده الثعلبي ٢‏/‏٦٣. جميعهم دون قوله: وضرَب بيده سِتَّ مرات، وقبَض واحدةً.
٨
عن مجالدٍ، قال: حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: ما مات النَّبِيُّ - ﷺ - حتى قَرَأ وكتب، فذكرت هذا الحديثَ للشعبيِّ، فقال: صدَق؛ سمِعتُ أصحابَنا يقولون ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ٧/ ٤٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. قال البيهقي: «حديث منقطع، وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين».

تفسير

٥٥ قولًا
١
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿ويضعُ عنهُم إصْرَهُم﴾، قال: التشديدَ في العبادة، كان أحدُهم يُذْنِبُ الذنبَ فيُكْتَبُ على باب دارِه: إنّ توبتَك أن تخرُجَ أنت وأهلُكَ ومالُك إلى العدوِّ، فلا ترجِعَ حتى يأتيَ الموتُ على آخرِكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- قال: شِدَّة العمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، قال: مَنِ اتَّبع محمدًا ودينَه مِن أهل الكتاب وضَعَ عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٥-٤٩٦.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق موسى بن قيس- ﴿ويَضَعُ عنهُم إصْرَهُم﴾، قال: عهدَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٥
عن عكرمة مولى ابن عباس، نحوه١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبِر- قال: عهدهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩١.
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق جابر- ﴿والأغلال﴾، قال: التَّوكيد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٤.
٨
عن الحسن البصري -من طريق مبارك- ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾، قال: العهود التي أعْطَوْها مِن أنفسهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٤.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ويَضَعُ عنهُم إصرَهُم والأَغْلالَ التي كانت عليهِم﴾، قال: تشديدٌ شُدِّد على القوم، فجاء محمدٌ ﷺ بالتَّجاوُزِ عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ويضعُ عَنْهُم إصرَهُم والأَغْلالَ التي كانت عليهم﴾، يقول: يضعُ عنهم عهودَهم ومواثيقَهم التي أُخِذت عليهم في التوراةِ والإنجيلِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ويضعُ عنهُم إصرَهُم والأَغْلالَ التي كانت عَلَيْهِم﴾، قال: التثقيلَ الذي كان في دينِهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والبيهقي في سننه.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَضَعُ﴾ محمدٌ ﷺ ﴿عَنْهُمْ إصْرَهُمْ﴾ يعني: مِمّا عَهِد اللهُ إليهم؛ مِن تحريم اللحوم، والشحوم، ولحمِ كُلِّ ذي ظُفُرٍ، ﴿و﴾يضع محمد ﷺ ﴿الأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ واجبةً مِن التغليظ والتشديد، الذي منه أن يُقْتَل قاتِلُ العَمَدِ البَتَّةَ، ولا يُعفى عنه، ولا يُؤْخَذ منه الدية، ويُقْتَل قاتل الخطأ إلا أن يشاء ولِيُّ المقتول فيعفو عنه، ونحوه، ولو صَدَّقوا النبيَّ ﷺ لَوَضَع ذلك كُلَّه عنهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٧.
١٣
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾، قال: ﴿إصرهم﴾: الدِّينَ الذي جعله عليهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٤ من طريق أصبغ بن الفرج.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ﴾ على أقوال: الأول: أنّه العهد الذي أُخِذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. الثاني: أنه التشديد الذي كان عليهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٩٦) مستندًا إلى أقوال أهل التأويل أنّ الإصر: هو العهد، وجمع بين القولين في معنى الآية، فقال: «معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأمِّيُّ العهد الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة؛ كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضة، فنسخها حكم القرآن». ولم يذكر مستندًا. ووافقه ابنُ عطية (٤/٦٤)، فقال: «وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين».
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- يقول في قول الله: ﴿والأغلال التي كانت عليهم﴾، قال: الأغلال التي جعلها عليهم. وقرأ: ﴿غلت أيديهم﴾ [المائدة:٦٤]. قال: تلك الأغلال. قال: دعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبي ﷺ، فيَضَع ذلك عنهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٤-١٥٨٥.
١٥
عن ابن شَوْذَبٍ -من طريق ضَمْرَة- في قوله: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ قال: إصرهم: الآثام، ﴿والأَغْلالَ التي كانت عليهِم﴾ قال: الشدائدَ التي كانت عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٤.
١٦
قال عطاء: يأمرهم بالمعروف: بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان، وقَطْع الأرحام١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٩٣، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٩.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ يعني: بالإيمان، ﴿ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يعني: الشرك١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٦٣) أنّ قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد ابتداءَ وصف الله -تبارك تعالى- النبي ﷺ. الثاني: أن يجعله متعلقًا بـ﴿يَجِدُونَهُ﴾ في موضع الحال على تجوز، أي: يجدونه في التوراة آمرًا بشرط وجوده. ثم علَّق بقوله: «فالمعنى الأول لا يقتضي أنهم علموا مِن التوراة أنّه يأمرهم وينهاهم ويُحِلُّ ويُحَرِّم، والمعنى الثاني يقتضي ذلك، فالمعنى الثاني على هذا ذمٌّ لهم، ونحا إلى هذا أبو إسحاق الزجّاج». ثم بيّن أنّ أبا علي الفارسي قال بأن ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ تفسير لما كتب مِن ذكره، كما أن قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران:٥٩] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالًا مِن الضمير في ﴿يَجِدُونَهُ﴾؛ لأنّ الضمير للذكر والاسم، والذكر والاسم لا يأمران، ثم قال: «وما قدمته من التجوز وشرط الوجود يقرب ما منع منه أبو علي، وانظر».
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ويُحَرِمُ عَلَيهِمُ الخَبائِثَ﴾، قال: كلحمِ الخِنزيرِ، والرِّبا، وما كانوا يستحِلُّون مِن المحرَّمات مِن المآكلِ التي حرَّمها الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٣-٤٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في سُنَنه.
١٩
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قوله: ﴿الطيبات﴾، يعني: الذبائح الحلال طَيِّبة لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٢٠
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿الطيبات﴾، فالطيبات ما أحل الله لهم من كل شيء أن يصيبوه، فهو حلال من الرزق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣.
٢١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ يعني: ما حَرَّم اللهُ من اللحوم، والشحوم، ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ﴾ محمدٌ ﷺ ﴿الخَبائِثَ﴾ يعني: الميتة، والدم، ولحم الخنزير١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٧.
٢٢
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ويُحِلُّ لهم الطَّيِباتِ﴾، قال: الحلال١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، والبيهقيِّ في سننه.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿ويضعُ عنهم إصرهُم والأَغْلالَ التي كانت عليهم﴾، قال: هو ما كان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرَّم عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٣-٤٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في سننه.
٢٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿ويضعُ عنهُم إصْرَهُم﴾، قال: عهدَهم ومواثيقَهم في تحريمِ ما أحلَّ اللهُ لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٣-٤٩٤ بنحوه، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٥
قال عبد الله بن عباس، ومجاهد بن جبر، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، وإسماعيل السدي: يعني: العهد الثقيل، كان أخَذَ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣/ ٢٨٩.
٢٦
عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة لعبد الله بن عباس: ما علينا في الدين مِن حرجٍ أن نزني ونسرق؟ قال: بلى، ولكنَّ الإصْرَ الذي كان على بني إسرائيل وُضِع عنكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٦.
٢٧
عن أبي إدريس [الخولاني] -من طريق أبي قلابة- ﴿والأَغْلالَ التي كانت عليهم﴾، قال: هي ما تركوا من كتاب الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٤.
٢٨
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم- في قوله: ﴿ويضعُ عَنْهُم إصْرَهُم﴾، قال: ما غُلِّظ على بني إسرائيلَ مِن قَرْضِ البولِ مِن جلودِهم إذا أصابَهم، ونحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٩
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم- ﴿ويَضَعُ عنهُم إصرَهُم﴾، قال: ما غلَّظوا على أنفسِهم مِن قَطْعِ أثَرِ البَوْلِ، وتَتَبُّعِ العُروقِ في اللحمِ، وشِبْهِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩٥ بنحوه، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٣. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣٠
عن عبد الله بن عباس، قال: قدِم الجارودُ بنُ عبد الله على النَّبِيِّ ﷺ، فأسلم، وقال: والَّذي بعَثك بالحقِّ، لقد وجَدتُ وصفَك في الإنجيلِ، ولقد بشَّر بك ابنُ البَتُولِ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى البيهقي.
٣١
عن عائشة -من طريق العَيْزارِ بن حُرَيْثٍ- قالت: إنّ النبيَّ ﷺ مكتوبٌ في الإنجيل: لا فَظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سَخّاٌب في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسيئةِ مثلَها، ولكن يعفُو ويَصْفَحُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٣، والحاكم ٢‏/‏٦١٤، والبيهقي في الدلائل ١‏/‏٣٧٧-٣٧٨. وعزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.
٣٢
عن عطاءِ بن يسار، قال: لَقِيتُ عبدَ الله بن عمرو بن العاصي، قلتُ: أخبِرْني عن صفةِ رسول الله - ﷺ -. قال: أجَلْ، واللهِ، إنّه لَمَوْصوفٌ في التوراةِ ببعض صفتِه في القرآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، إنّا أرسلناك شاهِدًا، ومُبشِّرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُك: المُتَوَكِّل، ليس بفَظِّ، ولا غليظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسواق، ولا يَجْزِي بالسيئة السيئةَ، ولكن يَعْفو ويصفحُ، ولن يَقْبِضَه اللهُ حتى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتحَ به أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، قال عطاء: ثم لقيت كعبًا، فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا، إلا أن كعبا قال بِلُغَتِه: قلوبًا غلوفيا، وآذانًا صموميا، وأعينًا عموميا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٢١٢٥، ٤٨٣٨)، وابن سعد ١/ ٣٦٢، وابن جرير ١٠/ ٤٩١ - ٤٩٢، والبيهقي في الدلائل ١/ ٣٧٣ - ٣٧٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (١٠/ ٤٩٢)، على قول كعب، فقال: «وهذه لغة حِمْيَريَّة». وعلَّق ابنُ عطية (٤/ ٦٣) بقوله: «وأظُنُّ هذا وهْمًا وعُجمةً».
٣٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: بعَثَتْ قريشٌ النضرَ بن الحارث، وعُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ، وغيرَهما إلى يهود يثربَ، وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمد. فقَدِموا المدينةَ، فقالوا: أتَيْناكم لأمرٍ حدَث فينا؛ مِنّا غلامٌ يتيمٌ يقولُ قولًا عظيمًا؛ يزعُمُ أنّه رسول الرحمنِ! قالوا: صِفُوا لنا نعتَه. فوصَفوا لهم، قالوا: فمَن تَبِعَه منكم؟ قالوا: سَفِلَتُنا. فضَحِك حَبْرٌ منهم، وقال: هذا النَّبِيُّ الذي نجدُ نعتَه، ونجدُ قومَه أشدَّ الناسِ له عداوةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏١٦٥.
٣٤
عن كعب الأحبار -من طريق ذكوان- قال: في السَّطر الأوَّلِ: محمدٌ رسول الله، عبدِي المختارُ، لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخّابٌ في الأسواقِ، ولا يَجزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يَعْفو ويغفِرُ، مولدُه بمكَّةَ، وهجرتُه بطَيبة، وملكُه بالشّام. وفي السَّطرِ الثاني: محمدٌ رسول الله، أُمَّتُه الحمّادون، يحمَدُون الله في السرّاءِ والضرّاءِ، يحمدُون الله في كلِّ منزلةٍ، ويُكَبِّرونَه على كلِّ شَرف، رُعاةُ الشَّمس، يُصَلُّون الصلاةَ إذا جاء وقتُها ولو كانوا على رأسِ كُناسةٍ، ويأتزرُونَ على أوساطِهم، ويُوَضِّئونَ أطرافَهم، وأصواتُهم بالليلِ في جوِّ السماءِ كأصواتِ النحلِ١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارمي ١‏/‏٥-٦.
٣٥
عن أبي فروةَ، عن ابن عباس، أنّه سألَ كعب الأحبار: كيف تجدُ نَعْتَ رسول الله ﷺ في التوراة؟ فقال كعبٌ: نجِدُه: محمد بن عبد الله، يُولَدُ بمكَّةَ، ويُهاجِرُ إلى طابةَ، ويكون ملكُه بالشامِ، وليس بفحّاشٍ، ولا سخّابٍ في الأسواقِ، ولا يكافئُ بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يعفُو ويغفرُ، أُمَّتُه الحمّادون، يحمَدونَ الله في كلِّ سرّاء، ويكبِّرونَ الله على كلِّ نجْدٍ، ويُوَضِّئونَ أطرافَهم، ويَأْتَزِرُون في أوساطِهم، يَصفُّون في صلاتهم كما يَصفُّون في قتالهم، دويُّهم في مساجدهم كدويِّ النحل، يُسمَعُ منادِيهم في جوِّ السماءِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٠، والدارمي ١‏/‏٦، وابن عساكر ١‏/‏١٨٥-١٨٦.
٣٦
عن أمِّ الدرداء، قالت: قلتُ لكعبٍ: كيف تجدُون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: نَجِدُه موصوفًا فيها: محمدٌ رسول الله، اسمُه: المُتَوَكِّلُ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا سخّابٍ في الأسواقِ، وأُعطيَ المفاتيحَ ليُبصِّرَ اللهُ به أعينًا عُورًا، ويُسمِعُ به آذانًا صُمًّا، ويُقيمَ به ألسنةً مُعْوَجَّةً، حتى يُشْهَدَ: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. يُعِينُ المظلومَ، ويمنعُه من أن يُستضعَفَ١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ١‏/‏٣٧٦-٣٧٧. وعزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.
٣٧
عن ثعلبة بن مالك، عن عمر بن الخطاب: أنّه سأل أبا مالك عن صفة النبي ﷺ في التوراة -وكان من علماء اليهود-، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يُغَيَّر ولم يُبَدَّل: أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ومن آخر الأنبياء، وهو النبيُّ العربيُّ الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأْتَزِر على وسطه، ويغسل أطرافه، في عينيه حُمْرَة، وبين كتفيه خاتم النبوة مِثْلُ زِرِّ الحَجَلَة١، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشَّملة، ويجري بالبغلة، ويركب الحمار، ويمشي في الأسواق، مَعَه حربٌ وقتلٌ وسَبْيٌ، سيفه على عاتقه، لا يُبالي مَن لَقِيَ مِن الناس، معه صلاةٌ لو كانت في قوم نوح ما أُهلِكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أُهلِكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أُهلِكوا بالصيحة. مولده بمكة، ومنشأه بها، وبدء نبوته بها، ودار هجرته يثرب بين حَرَّةٍ٢ ونَخْلٍ وسَبَخَة٣، وهو أُمِّيٌّ لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كُلِّ شِدَّة ورخاء، سلطانه الشام، صاحبه من الملائكة جبرئيل، يلقى من قومه أذًى شديدًا، ويجبهونه جبهًا شديدًا، ثم يُدال على قومه، يحصرهم حصر الجَرِين٤، يكون له وقَعات في يثرب، منها له، ومنها عليه، ثم يكون له العاقبة بَعْدُ، ومعه أقوامٌ هُمْ إلى الموت أسرعُ من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلُهم، قُربانُهم دِماؤُهم، ليوث النهار ورهبان بالليل، يُرْعَبُ منه عدوُّه بمسيرة شهر، يُباشِر القتال بنفسه حتى يُجرَح ويُكلَم، لا شُرْطَةَ معه، ولا حرس يحرُسه٥
التخريج
  1. ١الحَجَلَةُ –بالتحريك-: بيت كالقُبَّة يُستر بالثياب وتكون له أزرار كبار، وتجمع على حِجال. النهاية (حجل).
  2. ٢الحَرَّة: هي الأرض ذات الحجارة السُّود. النهاية (حرر).
  3. ٣السَّبَخةُ: الأرض المالحة. لسان العرب (سبخ).
  4. ٤الجَرِينُ: هو موضع تجفيف التَّمْرِ. النهاية (جرن).
  5. ٥أخرجه الثعلبي ٤‏/‏٢٩٣.
٣٨
عن كثير بن مُرَّةَ -من طريق خالد بن معدان- قال: إنّ الله يقولُ: لقد جاءكم رسولٌ ليس بوَهِنٍ ولا كَسِلٍ، يَفتَحُ أعينًا كانت عُمْيًا، ويُسمِعُ آذانًا صُمًّا، ويختِنُ قلوبًا كانت غُلْفًا، ويُقيمُ سُنَّةً كانت عوجاءَ، حتى يُقال: لا إله إلا الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٢.
٣٩
عن وهب بن منبه -من طريق إدريس بن سنان- قال: كان في بني إسرائيلَ رجلٌ عصى الله تعالى مائتي سنةٍ، ثم مات، فأخَذوه، فألقَوْه على مَزْبَلَةٍ، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أن اخرُجْ فصَلِّ عليه. قال: يا ربِّ، بنو إسرائيل شهِدوا أنّه عصاك مائتي سنةٍ! فأوحى اللهُ إليه: هكذا كان، إلا أنّه كان كُلَّما نَشَر التوراةَ ونظَر إلى اسمِ محمدٍ ﷺ قبَّلَه، ووضَعَه على عينيه، وصلّى عليه، فشكَرتُ له ذلك، وغفَرت ذنوبَه، وزوَّجتُه سبعين حَوْراء١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٤٢.
٤٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾، قال: يَجدون نَعْتَه، وأمْرَه، ونُبُوَّتَه مكتوبًا عندَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٢-٣٦٣، وابن جرير ١٠‏/‏٤٩٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٢. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: بَلَغَنا: أنّ نَعْتَ رسول الله ﷺ في بعض الكتب: محمدٌ رسول الله، ليس بفَظٍّ، ولا غليظٍ، ولا صخوبٍ في الأسواق، ولا يَجزِي بالسيئة مثلَها، ولكن يَعْفُو ويصفَح، أُمَّتُه الحَمّادون على كلِّ حال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٢.
٤٢
عن سهلٍ مولى خيثمةَ -من طريق موسى بن يعقوب الزَّمْعِيِّ– قال: قرَأتُ في الإنجيلِ نعتَ محمد ﷺ: أنّه لا قصيرٌ ولا طويلٌ، أبيضُ، ذو ضِفْرَين، بين كَتِفَيه خاتَمٌ، يُكْثِرُ الاحْتِباءَ، ولا يَقبل الصدقة، ويركبُ الحمار والبعير، ويَحْتَلِبُ الشاةَ، ويلبَسُ قميصًا مرقوعًا، ومَن فعل ذلك فقد برِئ مِن الكِبْرَ، وهو يفعلُ ذلك، وهو مِن ذُرِّيَّةِ إسماعيلَ، اسمُه: أحمد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٣، وابن عساكر ٣‏/‏٣٨٩-٣٩٠.
٤٣
عن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع- قال: كُلُّ آيةٍ ذكرها الله في القرآن، فذكر الأمر بالمعروف؛ فالأمرُ بالمعروف أنّهم دَعَوْا إلى الله وحدَه وعبادته لا شريك له، وكلُّ آية ذكرها الله في القرآن، فذكر النهيَ عن المنكر؛ [فالنهي] عن عبادة الأوثان والشيطان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٧٢٧، ٥‏/‏١٥٨٢.
٤٤
عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ يومًا كالمُوَدِّعِ، فقال: «أنا محمدٌ النَّبيُّ الأُمِّيُّ، أنا محمدٌ النَّبيُّ الأُمِّيُّ، أنا محمدٌ النَّبيُّ الأُمِّيُّ، ولا نبيَّ بعدي، أُوتيتُ فواتِحَ الكَلِم، وخواتِمَه، وجوامعَه، وعَلِمْتُ خَزَنَةَ النار، وحملةَ العرش؛ فاسْمَعوا وأطِيعوا ما دُمْتُ فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم كتابَ الله؛ أحِلُّوا حلالَه، وحَرِّموا حرامه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١١‏/‏١٧٩-١٨٠ (٦٦٠٦، ٦٦٠٧)، ١١‏/‏٥٦٣-٥٦٤ (٦٩٨١). قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٦٩: «وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف». وقال الألباني في الإرواء ٨‏/‏١٢٨: «وهذا سند ضعيف مِن أجل ابن لهيعة».
٤٥
قال عبد الله بن عباس: هو نبيُّكم، كان أُمِّيًّا لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب١٢
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢على هذا القول فالنبيُّ منسوبٌ لعدمه الكتابة والحساب إلى الأُمِّ، وهو ما علَّق عليه ابنُ عطية (٤/٦٠) بقوله: «أي: هو على حالِ الصُّدُور عن الأُمِّ في عدم الكتابة». ثم نقل قولين آخرين: الأول: أنه نُسب إلى أُمِّ القرى وهي مكة. وعلَّق عليه بقوله: «واللفظة على هذا مختصة بالنبي ﷺ، وغيرُ مُضَمَّنة معنى عدم الكتابة». الثاني: أنه منسوب إلى الأُمَّة. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا أيضًا مُضَمَّنٌ عدمَ الكتابة؛ لأنّ الأُمَّة بجملتها غير كاتبة، حتى تحدث فيها الكتابة كسائر الصنائع».
٤٦
عن إبراهيم النخعيِّ، في قوله: ﴿النبيَّ الأميَّ﴾، قال: كان لا يقرأُ، ولا يكتُبُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. وفي المطبوع من ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٢، ٩‏/‏٣٠٧١ من طريق منصور: يقرأ ولا يكتب.
٤٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: قوله: ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾، فتمنتها اليهودُ والنصارى؛ فأنزل الله عز وجل شرطًا وثيقًا بيِّنًا، فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ قال: هو نبيُّكم ﷺ، كان أُمِّيٍّا لا يكتُبُ١. (٦‏/‏٦١٠)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨١ مختصرًا. وكذلك عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٤٨
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾: هذا محمد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩١.
٤٩
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ نَعَتَهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ على دينه، يعني: محمدًا ﷺ، يعني بالأمي: الذي لا يقرأ الكتب، ولا يَخُطُّها بيمينه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٧.
٥٠
عن رجلٍ مِن الأعراب، قال: جَلَبْتُ جَلُوبةً١ إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ، فلما فَرَغْتُ مِن بَيْعَتي قلتُ: لأَلْقَيَنَّ هذا الرجلَ، ولأَسمعَنَّ منه. فتَلَقّاني بين أبي بكر وعمر يَمْشُون، فتَبِعْتُهم حتى أتَوا على رجل من اليهود ناشِرًا التوراةَ يَقْرَؤها، يُعَزِّي بها نفسَه عن ابنٍ له في الموت، كأحسن الفِتْيانِ وأجْمَلِه، فقال رسول الله ﷺ: «أنشُدُك بالذي أنزَل التوراةَ، هل تَجِدُ في كتابِك ذا صِفَتي ومَخْرَجي؟». فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنُه: إي، والذي أنزَل التوراة، إنّا لَنجِدُ في كتابِنا صِفَتَك ومخرجَك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. فقال: «أقِيموا اليهوديَّ عن أخِيكم». ثُمَّ ولِي كَفَنَه، والصلاةَ عليه٢
التخريج
  1. ١الجَلُوبَة -بالفتح-: ما يُجْلَبُ للبيع من كل شيء. لسان العرب (جلب).
  2. ٢أخرجه أحمد ٣٨‏/‏٤٧٦-٤٧٧ (٢٣٤٩٢). قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٨٣: «هذا حديث جيِّد قوِيٌّ، له شاهد في الصحيح عن أنس». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٣٤ (١٣٨٩١): «رواه أحمد، وأبو صخر لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ١‏/‏٧٥ (٢٠): «هذا إسناد رجاله ثقات». وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة ٢‏/‏٤٨٣-٤٨٤ (١٣١٤) عن أبي صخر العقيلي: «أبو صخر العقيلي قال: حدثني رجل من الاعراب بحديث قصة إسلام ولد اليهودي، وعنه الجريري، قلت: اسمه عبد الله بن قدامة، وهو مختلف في صحبته، وجزم البخاري ومسلم وابن حبان وغيرهم أنّ له صحبة، واختلف على الجريري في إسناده، فقال ابن علية عنه هكذا عند أحمد...». ثم ذكر اضطرابًا في المتن. وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏٧٩٩ (٣٢٦٩): «وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير أبي صخر العقيلي».
٥١
عن عبد الله بن سَلام، قال: صفةُ رسول الله ﷺ في التوراة: يا أيُّها النَّبيُّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتُك: المتوكِّلَ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا سخّابٍ في الأسواقِ، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضَه الله حتى يقيمَ به الملَّةَ العوجاء، حتى يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتحَ أعيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد ١‏/‏٣٦٠-٣٦١، والدارمي في مسنده ١‏/‏٥، والبيهقي في الدلائل ١‏/‏٣٧٦، وابن عساكر ٣‏/‏٣٨٧-٣٨٨.
٥٢
عن عليِّ بن أبي طالب: أنّ يهوديًّا كان له على رسول الله ﷺ دنانيرُ، فتقاضى النَّبِيَّ ﷺ، فقال له: «ما عندي ما أُعطيك». قال: فإنِّي لا أُفارقُك -يا محمد- حتى تُعطيَني. قال: «إذن أجلِسَ معك». فجلَس معَه، فصلّى النَّبِيُّ ﷺ الظهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والغداةَ، وكان أصحابُ النبيِّ ﷺ يَتَهَدَّدون اليهوديَّ ويتوعَّدونه، فقالوا: يا رسول الله، يهوديٌّ يَحْبِسُك! قال: «منَعني ربِّي أن أظلِمَ مُعاهِدًا ولا غيرَه». فلما تَرَجَّلَ١ النهارُ أسلَم اليهوديُّ، وقال: شَطْرُ مالي في سبيلِ اللهِ، أما -واللهِ- ما فعَلتُ الذي فعَلتُ بك إلّا لأنظُرَ إلى نعتِك في التوراةِ: محمد بن عبد الله، مولدُه بمكةَ، ومُهاجَرُه بطَيبةَ، ومُلْكُه بالشامِ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، ولا صخّابٍ في الأسواقِ، ولا متزيِّنٍ بالفحشاءِ، ولا قوّالٍ للخَنا٢
التخريج
  1. ١ترجل النهار: ارتفع. النهاية (رجل).
  2. ٢أخرجه الحاكم ٢‏/‏٦٧٨ (٤٢٤٢). قال ابن حجر في الإصابة ٢‏/‏١٤٨: «من طريق أبي علي بن الأشعث، أحد الضعفاء». وقال الذهبي في التلخيص: «الحديث منكر بمرة». وقال الألباني في الضعيفة ٤‏/‏٢٧٨ (١٧٩٥): «موضوع».
٥٣
عن الزهريِّ: أنّ يهوديًّا قال: ما كان بَقِيَ شيءٌ مِن نعتِ رسول الله ﷺ في التوراةِ إلا رأَيتُه، إلا الحِلْمُ، وإنِّي أسْلَفْتُه ثلاثين دينارًا في تمرٍ إلى أجل معلوم، فتركتُه حتى إذا بَقِيَ من الأجلِ يومٌ أتَيْتُه، فقلتُ: يا محمدُ، اقضِني حقِّي، فإنّكم -معاشرَ بني عبد المطلب- مُطُلٌ. فقال عمرُ: يا يهوديُّ الخبيثُ، أما -واللهِ- لولا مكانُه لضَرَبْتُ الذي فيه عيناك. فقال رسول الله ﷺ: «غفَر الله لك، يا أبا حفصٍ، نُحْنُ كنّا إلى غيرِ هذا منك أحوجَ؛ إلى أن تكونَ أمَرْتَني بقضاءِ ما عَلَيَّ، وهو إلى أن تكون أعَنتَه في قضاءِ حقِّه أحوجُ». فلم يزِدْه جهلي عليه إلا حِلْمًا، قال: «يا يهوديُّ، إنّما يَحِلُّ حقُّك غدًا». ثم قال: «يا أبا حفصٍ، اذهَبْ به إلى الحائطِ الذي كان سأل أوَّلَ يومٍ، فإن رَضِيَه فأعطِه كذا وكذا صاعًا، وزِدْه لما قلتَ له كذا وكذا صاعًا، فإن لم يرضَ فأَعْطِه ذلك من حائطِ كذا وكذا». فأتى به الحائطَ، فرَضِيَ تمرَه، فأعطاه ما قال رسولُ الله ﷺ، وما أمَره من الزيادة، فلمّا قبَض اليهوديُّ تمرَه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّه رسول الله، وإنّه -واللهِ- ما حَمَلَني على ما رأَيتَني صَنَعتُ -يا عمرُ- إلا أنِّي قد كنتُ رأيتُ في رسول الله صفَتَه في التوراةِ كلَّها إلا الحِلْمَ، فاختبَرْتُ حِلمَه اليومَ، فوجدتُه على ما وُصِف في التوراةِ، وإنِّي أُشهِدُك أن هذا التمرَ وشَطْرَ مالي في فقراءِ المسلمين. فقال عمرُ: فقلتُ: أو بعضِهم؟ فقال: أو بعضِهم. قال: وأسلَم أهلُ بيت اليهوديِّ كلُّهم، إلا شيخًا كان ابن مائةِ سنةٍ، فَعَسا١ على الكفر٢
التخريج
  1. ١عَسا: كَبِرَ وأَسَنَّ. النهاية (عَسا).
  2. ٢أخرجه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏٣٦١، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٢‏/‏٢٥٥-٢٥٦.
٥٤
عن أبي هريرة، قال: أتى رسولُ الله ﷺ بيتَ الِمدْراسِ١، فقال: «أخْرِجُوا إلَيَّ أعلَمَكم». فقالوا: عبد الله بن صُورِيا. فخلا به رسولُ الله ﷺ، فناشَده بديِنه، وبما أنعَمَ الله به عليهم وأطعَمهم مِن المَنِّ والسلوى، وظلَّلهم به من الغَمامِ: «أتعلَمُ أنِّي رسولُ الله؟». قال: اللَّهُمَّ، نعم، وإنّ القومَ لَيَعرِفون ما أعرِفُ، وإنّ صِفَتَك ونعتَك لَمُبيَّنٌ في التوراة، ولكنهم حسَدوك. قال: «فما يمنعُك أنت؟!». قال: أكرهُ خلافَ قومي، وعسى أن يتَّبِعوك ويُسلِموا فأُسلِمَ٢
التخريج
  1. ١المدراس: البيت الذي يدرس فيه اليهود. النهاية (درس).
  2. ٢أخرجه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏١٦٤، ومن طريقه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٦٦، من طريق علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه علي بن مجاهد، قال عنه ابن حجر في التقريب (٤٧٩٠): «متروك». وأخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٥٦٤-٥٦٥-، والبيهقي في الكبرى ٨‏/‏٤٣٠-٤٣١ (١٧١١٩)، وابن جرير ٨‏/‏٤١٤-٤١٥، من طريق الزهري، عن رجل من مزينة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به. إسناده ضعيف؛ فيه رجلٌ مبهم، وهو الرجل المزني.
٥٥
عن الفَلَتانِ بن عاصم، قال: كُنّا مع النبيِّ ﷺ، فجاء رجلٌ، فقال له النَّبِيُّ ﷺ: «أتقرأُ التوراة؟». قال: نعم. قال: «والإنجيل؟». قال: نعم. فناشَده: «هل تجدُني في التوراةِ والإنجيلِ؟». قال: نجدُ نعتًا مثلَ نعتِك، ومثلَ هيئتِك ومخرجِك، وكُنّا نرجو أن تكونَ منا، فلمّا خرَجتَ تخوَّفْنا أن تكونَ أنت هو، فنظَرْنا فإذا ليس أنت هو. قال: «ولِمَ ذاك؟». قال: إنّ معه مِن أُمَّتِه سبعينَ ألفًا ليس عليهم حسابٌ ولا عذابٌ، وإنّما معك نفرٌ يسيرٌ. قال: «والذي نفسي بيدِه، لأنا هو، إنّهم لَأُمَّتي، وإنّهم لَأكثرُ من سبعينَ ألفًا وسبعين ألفًا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني ١٨‏/‏٣٣٢، ٣٣٤ (٨٥٤، ٨٥٥) بلفظ مقارب، وابن حبان ١٤‏/‏٥٤١-٥٤٢ (٦٥٨٠). قال ابن كثير في البداية ٣‏/‏٥٤١: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٤٢ (١٣٩٠٤): «رواه الطبراني، ورجاله ثقات من أحد الطريقين». وقال أيضًا في ١٠‏/‏٤٠٧-٤٠٨ (١٨٦٩٩): «رواه البزار، ورجاله ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ١‏/‏١٣٤(١٢٢): «قال أبو بكر بن أبي شيبة...» -وذكر الحديث- ثم قال: «ورجاله ثقات». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١٥٧٢ بعد ذكره لكلام الهيثمي في الموضعين: «فالإسناد حسن».

قراءات

قول واحد
١
عن عاصم أنّه قرأ: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ مُثَقَّلة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة العشرة.
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٧ من سورة الأعراف

١٢ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي..... يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ أبرز صفة لنبينا ولأمته من بعده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    — نايف الفيصل

  • ‏﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ ما نُصر الرسول بأعظم مِن اتباع سنته والتخلق بأخلاقه .

    — إبراهيم العقيل

  • ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ أعظم احتفاء واحتفال بالنبي ﷺ هو اتباعك لسنته والتخلق بأخلاقه

    — إبراهيم العقيل

  • (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) رأيت أحد المدخنين عندما أراد الدخول للمسجد وضع علبة الدخان داخل حذائه، فماذا يعني هذا؟ الخبيث ترفضه الفطر السليمة.

    — متدبر

  • (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) تقول عائشة: كان الحبشة يلعبون بحراب لهم، فكنت أنظر من بين أذني رسول الله وعاتقه، وقال يومئذ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني أرسلت بحنيفيَّة سمحة»(أحمد ح (٢٤٨٥٥)، ومسند الحميدي (١٢٣/١) ).

    — اللجنة العلمية بمركز تدبر

  • تدبر القرآن واتباعه هما فرق ما بين أوَّل الأمة وآخرها وإنه لفرق هائل؛ فعدم التدبر أفقدنا العلم، وعدم الاتباع أفقدنا العمل، وإننا لا ننتعش من هذه الكبوة إلا بالرجوع إلى فهم القرآن واتباعه، ولا نفلح حتى نؤمن ونعمل الصالحات (فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).

    — البشير الإبراهيمي

  • سورة الأعراف (157) ورحمتي وسعت كل شيء

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • في وصف أعمالﷺ {الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} أول صفة {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} هذه الشعيرة=شرف

    — مجالس التدبر

  • (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) * (الأُمِّيَّ) أراد الله إتمام الإعجاز العلمي والعقلي الذي أيّد به نبيه فجعل الأمية وصفاً ذاتياً له لتكون بذلك آية على أن ما حصل له إنما هو من فيوضات إلهية. وبذلك كانت الأمية وصف كمال وزيادة تشريف لشخص نبيّه الكريم عليه الصلاة والسلام مع أنها في غيره وصف نقصان.

    — مختصر لمسات بيانية

  • قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ۱۵۷]. كيف عرف المعروف والمنكر ب (أل)؟ فهل كل معروف وكل منكر معروفان لدى المتلقين حتى يعرفا بأداة التعريف؟ أم أن المعروف يكو معروفة حين يأمر به الشارع، والمنكر يكون منكرا حين ينهى عنه ؟ الجواب عن ذلك : أن المعروف والمنكر واضحان لكل ذي عقل سليم من المؤمنين والكافرين، فالمعروف هو ما تقبله العقول الراجحة والنفوس السليمة إذا عرض عليها، والمنكر ما ترفضه، وتأباه، وتنفر منه حين يعرض عليها، وكل ما أمر به رسول الله لا تقبله الفطرة النقية، وترضاه، وكل ما نهى عنه - عليه الصلاة والسلام - تنفر منه ، وتأباه . سئل أعرابي : بم عرفت أن محمدا رسول ؟ فقال : (ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به). وقال المقوقس ملك مصر: (إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر مزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه)). ومثل هذا يقال في تعريف الطيبات والخبائث ، فالطيب كان طيبا قبل أن يحكم بحله ، والخبيث كان خبيثا قبل أن يحرم، وكما ذكر الأعرابي كان تحليل الطيبات وتحريم الخبائث من دلائل نبوته ، ولو لم يكن طيب الطيبات و خبث الخبائث معروفين لدى المخاطبين قبل لما كان ذلك علم من أعلام النبوة التي يحتج بها على أهل الكتاب . وحين نتأمل كتاب الله تعالى نجد أن الطيبات لم ترد فيه إلا معرفة ، إما ب(أل) أو بالإضافة ؛ لكونها معروفة قبل الحكم عليها، ويستثنى من ذلك الحكم آية واحدة ، هي قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } [النساء: ۱6۰] فتنكريها . والله أعلم كان بسبب قلتها، وهي المذكور في قوله تعالى : }وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } [الأنعام: 146]

    — صالح العايد

  • قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النَّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) أي اتبعوا القرآن الذي أُنزل معه - أي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قلت: القرآنُ لم ينزل مع النبي، بل عليه، وإنما نزل مع جبريل؟! قلتُ: " معه " بمعنى مقارناً لزمنه، أو بمعنى عليه، أو هو متعلقٌ باتَّبعوا أي اتبعوا القرآن كما اتَّبعه هو، مصاحبينَ له في اتباعه.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • سورة الأعراف آية 157

    — خالد المصلح

فتاوى متعلقة بالآية ١٥٧ من سورة الأعراف

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥٧ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(157) Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden[410] and the shackles which were upon them.[411] So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.
[410]- Difficulties in religious practice.
[411]- i.e., extreme measures previously required for repentance, and retribution without recourse to compensation.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال