جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأمي الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. .
وهذا القول إبانة من الله جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبيه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفها جلّ ثناؤه بقوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ هم أمة محمد ﷺ، لأنه لا يعلم لله رسول وصف بهذه الصفة أعني الأميّ غير نبينا محمد ﷺ، وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ.
قال : ثنا زيد بن حُباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : أمة محمد ﷺ.
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا : حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ، فقال موسى عليه السلام : ليتني خُلقت في أمة محمد
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : الذين يتبعون محمدا ﷺ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن شهر بن حَوْشَب، عن نَوْف الحميريّ، قال : لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله لموسى : أجعل لكم الأرض مسجدا وطَهُورا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرّ والعبد والصغير والكبير. فقال موسى لقومه : إن الله قد يجعل لكم الأرض طَهُورا ومسجدا. قالوا : لا نريد أن نصلي إلاّ في الكنائس. قال : ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا : لا نريد إلاّ أن تكون كما كانت في التابوت. قال : ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، ويقرأها الرجل منكم والمرأة والحرَ والعبد الصغير والكبير. قالوا : لا نريد أن نقرأها إلاّ نظرا. فقال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ. . . إلى قوله : أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البِكاليّ، قال : لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل كلمه الله، فقال : إني قد بسطت لهم الأرض طَهورا ومساجد يصلون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو قبر أو حمام، وجعلت السكينة في قلوبهم، وجعلتهم يقرءون التوراة عن ظهر ألسنتهم. قال : فذكر ذلك موسى لبني إسرائيل، فقالوا : لا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، فاجعلها لنا في تابوت، ولا نقرأ التوراة إلاّ نظرا، ولا نصلي إلاّ في الكنيسة فقال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ. . . حتى بلغ : أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. قال : فقال موسى عليه السلام : يا رب اجعلني نبيهم قال : نبيهم منهم. قال : ربّ اجعلني منهم قال : لن تدركهم. قال : يا ربّ أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمّةٌ يُهْدُونَ بالحَقّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. قال نوف البِكالي : فاحمدوا الله الذي حفظ غيبتكم، وأخذ لكم بسهمكم، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن نوف البِكالي بنحوه، إلاّ أنه قال : فإني أنزل عليكم التوراة تقرءونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبيانكم. قالوا : لا نصلي إلاّ في كنيسة، ثم ذكر سائر الحديث نحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : أمة محمد ﷺ.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : هؤلاء أمة محمد ﷺ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : لما قيل : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ تمنتها اليهود والنصارى، فأنزل الله شرطا بَيّنا وثيقا، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ وهو نبيكم ﷺ كان أميّا لا يكتب.
وقد بيّنا معنى الأميّ فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وأما قوله : الّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبا عنْدَهُمْ فِي التّوْرَاةِ والإنْجِيل فإن الهاء في قوله : يَجِدُونَهُ عائدة على الرسول، وهو محمد ﷺ. كالذي :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ هذا محمد ﷺ.
حدثني ابن المثنى، قال : حدثنا عثمان بن عمر، قال : حدثنا فليح عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار، قال : لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن : يا أيّهَا النّبيّ إنّا أرْسلناكَ شاهِدا ومبشّرا ونذِيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق، ولا يَجْزِي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا : لا إله إلاّ الله، فنفتح به قلوبا غُلْفا وآذانا صُمّا، وأعينا عُمْيا. قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفا، إلاّ أن كعبا قال بلغته : قلوبا غُلُوفِيَا. وآذانا صموميا، وأعينا عموميَا.
حدثني أبو كريب، قال : حدثنا موسى بن داود، قال : حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن عليّ، قال : ثني عطاء، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر نحوه. إلاّ أنه قال في كلام كعب : أعينا عُمُومَا، وآذانا صُمُومَا، وقلوبا غُلُوفَا.
قال : ثنا موسى، قال : حدثنا عبد العزيز بن سلمة، عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بنحوه، وليس فيه كلام كعب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله : الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ يقول : يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبا عندهم.

القول في تأويل قوله تعالى : يَأْمُرُهُمْ بالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلّ لَهُمُ الطّيِباتِ ويُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ.


يقول تعالى ذكره : يأمر هذا النبيّ الأميّ أتباعه بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروف الذي يأمرهم به، وينهاهم عن المنكر وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه.
وقوله : ويُحِلّ لَهُمُ الطّيّباتِ وذلك ما كانت الجاهلية تحرّمه من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. ويُحَرّمُ عَلَيهِمُ الخبَائِثَ وذلك لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : ويُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وهو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرّمات من المآكل التي حرّمها الله.
وأما قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : يعني بالإصر : العدة والميثاق الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : عهدهم.
قال : ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : عهدهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عليّ، قال : أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك، عن الحسن : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : العهود التي أعطوها من أنفسهم.
قال : ثنا ابن نمير، عن موسى بن قيس، عن مجاهد : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : عهدهم.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ يقول : يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم، يقول : يضع ذلك عنهم.
وقال بعضهم : عني بذلك أنه يضع عمن اتبع نبيّ الله ﷺ التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ فجاء محمد ﷺ بإقالة منه وتجاوز عنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : البول ونحوه مما غلظ على بني إسرائيل.
قال : ثنا الحِمّاني، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : شدّة العمل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد، قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ قال : من اتبع محمدا ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال : قال أبو هريرة لابن عباس : ما علينا في الدين من حرج أن نزني ونسرق ؟ قال : بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضع عنكم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ قال : ، قال : قال أبو هريرة لابن عباس : ما علينا في الدين من حرج أن نزني ونسرق ؟ قال : بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وُضع عنكم.
١٥٢٤٢- حدثني يونس قال، أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى