جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هََذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره مخبرا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه : وَاكْتُبْ لَنا : أي اجعلنا ممن كتبت له فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وهي الصالحات من الأعمال، وَفي الاَخِرَةِ ممن كتبت له المغفرة لذنوبه. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً قال : مغفرة.
وقوله : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : إنا تبنا إليك.
وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير وابن فضيل وعمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير وقال عمران، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : إنا تبنا إليك.
قال : حدثنا زيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي رَوْق عن الضحاك، عن ابن عباس قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي مغيرة، عن سِماك : أن ابن عباس قال في هذه الآية : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : أحسبه عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
حدثنا محمد بن بشار، قال : ثني يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ عن سعيد بن جبير، في قوله : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا عبد الرحمن ووكيع بن الجراح، قالا : حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، عن سعيد بن جبير بمثله.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير، مثله.
قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا محمد بن زيد، عن العوام، عن إبراهيم التيميّ، قال : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن إبراهيم التيمي مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّا هُدْنا إلَيْكَ أي إنا تبنا إليك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
قال : حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال : هُدْنَا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
قال : ثنا أبي، عن أبي جحير، عن الضحاك، قال : تبنا إليك.
قال : ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : تبنا إليك.
وحُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول، فذكر مثله.
قال : ثنا أبي وعبيد الله، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد، قال : تبنا إليك.
قال : ثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، مثله.
قال : ثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن عليّ عليه السلام، قال : إنما سميت اليهود لأنهم قالوا هُدْنا إلَيْكَ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يعني : تبنا إليك.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا عمرو، قال : سمعت رجلاً يسأل سعيدا : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : إنا تبنا إليك.
وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

القول في تأويل قوله تعالى : قالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ والّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ.


يقول تعالى ذكره : قالَ الله لموسى : هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ من خلقي، كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ يقول : ورحمتي عمت خلقي كلهم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم مخرجه عامّ ومعناه خاصّ، والمراد به : ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد ﷺ. واستشهد بالذي بعده من الكلام، وهو قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ. . . الاَية. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو سلمة المنقري، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : جعلها الله لهذه الأمة.
حدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : قال سفيان، قال أبو بكر الهذليّ : فلما نزلت : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبليس : أنا من الشيء. فنزعها الله من إبليس، قال : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقال اليهود : نحن نتقي ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا. فنزعها الله من اليهود، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ. . . الآيات كلها. قال : فنزعها الله من إبليس ومن اليهود وجعلها لهذه الأمة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : لما نزلت : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبليس : أنا من كلّ شيء، قال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ. . . الاَية. فقالت اليهود : ونحن نتقي ونؤتي الزكاة. فأنزل الله : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ قال : نزعها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد، سأكتبها للذين يتقون من قومك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : عَذَابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فقال إبليس : أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله، والّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ. فتمنتها اليهود والنصارى. فأنزل الله شرطا وثيقا بينا، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ فهو نبيكم كان أميا لا يكتب، ﷺ.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا خالد الحذّاء، عن أنيس بن أبي العريان، عن ابن عباس، في قوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : فلم يعطها، فقال : عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ إلى قوله : الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا ابن علية وعبد الأعلى، عن خالد، عن أنيس بن أبي العربان قال عبد الأعلى : عن أنيس أبي العريان وقال : قال ابن عباس : وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : فلم يعطها موسى. قالَ عَذَابِي أُصيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها. . . إلى آخر الاَية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : كان الله كتب في الألواح ذكر محمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسّر عليهم في دينهم وما وسّع عليهم فيما أحلّ لهم، فقال : عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعني الشرك، الاَية.
وقال آخرون : بل ذلك على العموم في الدنيا وعلى الخصوص في الاَخرة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قالا : وسعت في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.
وقال آخرون : هي على العموم، وهي التوبة. ذكر من قال ذلك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أنْتَ وَلِيّنا فاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ فقال : سأل موسى هذا، فقال الله : عَذَابي أُصِيبُ به مَنْ أَشَاءُ العذاب الذي ذكر ورَحْمتي التوبةُ وَسِعَتْ كُلّ شَيءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ. قال : فرحمته : التوبة التي سأل موسى عليه السلام كتبها الله لنا.
وأما قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ فإنه يقول : فسأكتب رحمتي التي وسعت كلّ شيء. ومعنى «أكتب » في هذا الموضع : أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة للّذين يَتّقُونَ يقول : للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدون فرائضه، ويجتنبون معاصيه.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقونه، فقال بعضهم : هو الشرك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعني الشرك.
وقال آخرون : بل هو المعاصي كلها. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله.
وأما الزكاة وإيتاؤها، فقد بيّنا صفتها فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وقد ذُكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ قال : يطيعون الله ورسوله.
فكأن ابن عباس تأوّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهّرها من صالحات الأعمال.
وأما قوله : وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فإنه يقول : وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدّقون ويقرّون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى