محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٦ من سورة الأعراف في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٦٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هََذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيَ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره مخبرا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه : وَاكْتُبْ لَنا : أي اجعلنا ممن كتبت له فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وهي الصالحات من الأعمال، وَفي الاَخِرَةِ ممن كتبت له المغفرة لذنوبه. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً قال : مغفرة.
وقوله : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : إنا تبنا إليك.
وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير وابن فضيل وعمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير وقال عمران، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : إنا تبنا إليك.
قال : حدثنا زيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي رَوْق عن الضحاك، عن ابن عباس قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي مغيرة، عن سِماك : أن ابن عباس قال في هذه الآية : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : أحسبه عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
حدثنا محمد بن بشار، قال : ثني يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهانيّ عن سعيد بن جبير، في قوله : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا عبد الرحمن ووكيع بن الجراح، قالا : حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الأصبهانيّ، عن سعيد بن جبير بمثله.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير، مثله.
قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : تبنا إليك.
قال : حدثنا محمد بن زيد، عن العوام، عن إبراهيم التيميّ، قال : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن إبراهيم التيمي مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّا هُدْنا إلَيْكَ أي إنا تبنا إليك.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : هُدْنا إلَيْكَ قال : تبنا.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
قال : حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يقول : تبنا إليك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال : هُدْنَا إلَيْكَ قال : تبنا إليك.
قال : ثنا أبي، عن أبي جحير، عن الضحاك، قال : تبنا إليك.
قال : ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال : تبنا إليك.
وحُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول، فذكر مثله.
قال : ثنا أبي وعبيد الله، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد، قال : تبنا إليك.
قال : ثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، مثله.
قال : ثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن عليّ عليه السلام، قال : إنما سميت اليهود لأنهم قالوا هُدْنا إلَيْكَ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : إنّا هُدْنا إلَيْكَ يعني : تبنا إليك.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا عمرو، قال : سمعت رجلاً يسأل سعيدا : إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : إنا تبنا إليك.
وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

القول في تأويل قوله تعالى : قالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ والّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ.


يقول تعالى ذكره : قالَ الله لموسى : هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ من خلقي، كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ يقول : ورحمتي عمت خلقي كلهم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم مخرجه عامّ ومعناه خاصّ، والمراد به : ورحمتي وسعت المؤمنين بي من أمة محمد ﷺ. واستشهد بالذي بعده من الكلام، وهو قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ. . . الاَية. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو سلمة المنقري، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ قال : جعلها الله لهذه الأمة.
حدثني عبد الكريم، قال : حدثنا إبراهيم بن بشار، قال : قال سفيان، قال أبو بكر الهذليّ : فلما نزلت : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبليس : أنا من الشيء. فنزعها الله من إبليس، قال : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقال اليهود : نحن نتقي ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا. فنزعها الله من اليهود، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ. . . الآيات كلها. قال : فنزعها الله من إبليس ومن اليهود وجعلها لهذه الأمة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : لما نزلت : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قال إبليس : أنا من كلّ شيء، قال الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزّكاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ. . . الاَية. فقالت اليهود : ونحن نتقي ونؤتي الزكاة. فأنزل الله : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ قال : نزعها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد، سأكتبها للذين يتقون من قومك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : عَذَابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فقال إبليس : أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله، والّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ. فتمنتها اليهود والنصارى. فأنزل الله شرطا وثيقا بينا، فقال : الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ فهو نبيكم كان أميا لا يكتب، ﷺ.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا خالد الحذّاء، عن أنيس بن أبي العريان، عن ابن عباس، في قوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : فلم يعطها، فقال : عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ إلى قوله : الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا ابن علية وعبد الأعلى، عن خالد، عن أنيس بن أبي العربان قال عبد الأعلى : عن أنيس أبي العريان وقال : قال ابن عباس : وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قال : فلم يعطها موسى. قالَ عَذَابِي أُصيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها. . . إلى آخر الاَية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : كان الله كتب في الألواح ذكر محمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسّر عليهم في دينهم وما وسّع عليهم فيما أحلّ لهم، فقال : عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعني الشرك، الاَية.
وقال آخرون : بل ذلك على العموم في الدنيا وعلى الخصوص في الاَخرة. ذكر من قال ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ قالا : وسعت في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة.
وقال آخرون : هي على العموم، وهي التوبة. ذكر من قال ذلك.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أنْتَ وَلِيّنا فاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ فقال : سأل موسى هذا، فقال الله : عَذَابي أُصِيبُ به مَنْ أَشَاءُ العذاب الذي ذكر ورَحْمتي التوبةُ وَسِعَتْ كُلّ شَيءٍ فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ. قال : فرحمته : التوبة التي سأل موسى عليه السلام كتبها الله لنا.
وأما قوله : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ فإنه يقول : فسأكتب رحمتي التي وسعت كلّ شيء. ومعنى «أكتب » في هذا الموضع : أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة للّذين يَتّقُونَ يقول : للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدون فرائضه، ويجتنبون معاصيه.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقونه، فقال بعضهم : هو الشرك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ يعني الشرك.
وقال آخرون : بل هو المعاصي كلها. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فَسأَكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ معاصي الله.
وأما الزكاة وإيتاؤها، فقد بيّنا صفتها فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وقد ذُكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ قال : يطيعون الله ورسوله.
فكأن ابن عباس تأوّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكي النفس ويطهّرها من صالحات الأعمال.
وأما قوله : وَالّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ فإنه يقول : وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدّقون ويقرّون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: مخبرًا عن دعاء نبيه موسى عليه السلام أنه قال فيه: "واكتب لنا"، أي: اجعلنا ممن كتَبت له= "في هذه الدنيا حسنَةً"، وهي الصالحات من الأعمال (١) = "وفي الآخرة"، ممن كتبتَ له المغفرة لذنوبه، كما: -
١٥١٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة"، قال: مغفرة.
* * *
وقوله: "إنا هُدنا إليك"، يقول: إنا تبنا إليك. (٢)
* * *
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
(١) (٣) انظر تفسير ((الحسنة)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن).
(٢) (٤) انظر تفسير ((هاد)) فيما سلف ١٢: ١٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٧٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، وابن فضيل، وعمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير= وقال عمران: عن ابن عباس = "إنا هدنا إليك" قال: تبنا إليك.
١٥١٧٨- قال حدثنا زيد بن حباب، عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال: تبنا إليك.
١٥١٧٩-.... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: تبنا إليك.
١٥١٨٠-.... قال، حدثنا عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك: أن ابن عباس قال في هذه الآية: "إنا هدنا إليك"، قال: تبنا إليك. (١)
١٥١٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير= قال: أحسبه عن ابن عباس: "إنا هدنا إليك"، قال: تبنا إليك.
١٥١٨٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "إنا هدنا إليك"، يقول تبنا إليك.
١٥١٨٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني يحيى بن سعيد قال، حدثنا
(١) (١) الأثر: ١٥١٨٠ - ((عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي))، ثقة، من شيوخ أحمد، مضى برقم: ٨٢٨٤، ١٠٨٨٥، ١١٢٣٢. و ((حاتم بن أبي صغيرة))، هو ((حاتم بن مسلم)) ((أبو يونس)) القشيري، وقيل: الباهلي، و ((أبو صغيرة))، هو أبو أمه، ثقة. روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ٧١، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٥٧. وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((حاتم بن أبي مغيرة))، بالميم في أوله، وهو خطأ محض.
سفيان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير في قوله: "إنا هدنا إليك"، قال: تبنا إليك.
١٥١٨٤-.... قال، حدثنا عبد الرحمن، ووكيع بن الجراح قالا حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير، بمثله.
١٥١٨٥- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن الأصبهاني، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٥١٨٦-.... قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: تبنا إليك.
١٥١٨٧-.... قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام عن إبراهيم التيمي قال: تبنا إليك.
١٥١٨٧م- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوام، عن إبراهيم التيمي، مثله.
١٥١٨٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "إنا هدنا إليك"، أي: إنا تبنا إليك.
١٥١٨٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: "هدنا إليك"، قال: تبنا.
١٥١٩٠- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "إنا هدنا إليك"، يقول: تبنا إليك.
١٥١٩١- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "إنا هدنا إليك"، يقول: تبنا إليك.
١٥١٩٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥١٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن
الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: "هدنا إليك"، قال: تبنا إليك.
١٥١٩٤-... قال، حدثنا أبي، عن أبي حجير، عن الضحاك، قال: تبنا إليك. (١)
١٥١٩٥-.... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: تبنا إليك.
١٥١٩٦- وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر مثله.
١٥١٩٧-... قال، حدثنا أبي، وعبيد الله، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد قال: تبنا إليك.
١٥١٩٨-... قال، حدثنا حبويه أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، مثله. (٢)
١٥١٩٩-... قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علي عليه السلام قال: إنما سميت "اليهود"، لأنهم قالوا: "هدنا إليك". (٣)
١٥٢٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "إنا هدنا إليك"، يعني: تبنا إليك.
١٥٢٠١- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو قال، سمعت رجلا يسأل سعيدًا: "إنا هدنا إليك"، قال: إنا هدنا إليك.
* * *
وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (٤)
* * *
(١) (١) الأثر: ١٥١٩٤ - ((أبو حجير)) الذي يروى عن الضحاك، ويروى عنه وكيع، قال أحمد ابن حنبل: ((ما حدثني عنه إلا وكيع))، مترجم في لسان الميزان ٦: ٣٦٣. ولم أجد له ترجمة في غيره من كتب الرجال.
(٢) (٢) الأثر: ١٥١٩٨ - ((حبويه))، ((أبو يزيد))، مضى قريباً برقم ١٥١٧٢.
(٣) (٣) الأثر: ١٥١٩٩- ((جابر بن عبد الله بن يحيى))، هكذا هو في المخطوطة، وفي المطبوعة ((جابر، عن عبد الله بن يحيى))، ولم أجد لشيء من ذلك ذكراً في الكتب. وهو محرف بلا شك عن شيء آخر. وانظر ما سلف رقم ١٠٩٤، عن ابن جريج. بمعنى هذا الخبر.
(٤) (٤) انظر تفسير ((هاد)) فيما سلف ص: ١٥٢، تعليق. ٤، والمراجع هناك.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: هذا الذي أصبتُ به قومك من الرجفة، عذابي أصيب به من أشاء من خلقي، كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك (١) = "ورحمتي وسعت كل شيء"، يقول: ورحمتي عمَّت خلقي كلهم. (٢)
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: مخرجه عامٌّ، ومعناه خاص، والمراد به: ورحمتي وَسِعت المؤمنين بي من أمة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. واستشهد بالذي بعده من الكلام، وهو قوله: "فسأكتبها للذين يتقون"، الآية.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٠٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو سلمة المنقري قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه قرأ: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون". قال: جعلها الله لهذه الأمة. (٣)
(١) (١) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف من فهارس اللغة (صوب).
(٢) (٢) انظر تفسير ((وسع)) فيما سلف ١٢: ٥٦٢، تعليق ٢، والمراجع هناك.
(٣) (٣) الأثر: ١٥٢٠٢ - ((أبو سلمة المنقري))، هو ((أبو سلمة التب وذكي)) :((موسى بن إسماعيل المنقري))، مولاهم، روى عنه البخاري، وأبو داود، وروى له الباقون من أصحاب الكتب الستة بالواسطة. ثقة إمام. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٢٨٠، وابن أبي حاتم ٤/١/١٣٦.
١٥٢٠٣- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، قال سفيان قال، أبو بكر الهذلي: فلما نزلت: "ورحمتي وسعت كل شيء"، قال إبليس: أنا من "الشيء"! فنزعها الله من إبليس، قال: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون"، فقال اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا! فنزعها الله من اليهود فقال: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي"، قال: نزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لهذه الأمة. (١)
١٥٢٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: لما نزلت: "ورحمتي وسعت كل شيء"، قال إبليس: أنا من "كل شيء! ". قال الله: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون"، الآية. فقالت اليهود: ونحن نتقي ونؤتي الزكاة! فأنزل الله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي"، قال: نزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لأمة محمدٍ: سأكتبها للذين يتّقون من قومك.
١٥٢٠٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"، فقال إبليس: أنا من ذلك "الشيء"! فأنزل الله: "فسأكتبها للذين يتقون" معاصي الله= "والذين هم بآياتنا يؤمنون"، فتمنتها اليهود والنصارى، فأنزل الله شرطًا وَثيقًا بَيِّنًا، فقال: "الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمي"، فهو نبيّكم، كان أميًّا لا يكتُب صلى الله عليه وسلم.
١٥٢٠٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا خالد الحذاء،
(١) (١) الأثر: ١٥٢٠٣ - لا ((عبد الكريم))، هو ((عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان))، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ٨٩٢. و ((إبراهيم بن بشار الرمادي))، ثقة. مضى برقم ٨٩٢، ٦٣٢١. و ((سفيان)) هو: ابن عيينة. و ((أبو بكر الهذلي)) ضعيف مضى مرارًا، آخرها رقم ١٤٦٩٠.
عن أنيس بن أبي العريان، عن ابن عباس في قوله: "واكتب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك"، قال: فلم يعطها، فقال: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" إلى قوله: "الرسول النبي الأمي". (١)
١٥٢٠٧- حدثني ابن وكيعٍ قال، حدثنا ابن علية، وعبد الأعلى، عن خالد، عن أنيس أبي العُريان= قال عبد الأعلى، عن أنيس أبي العُرْيان= وقال: قال ابن عباس: "واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنَّا هدنا إليك"، قال: فلم يعطها موسى، قال: "عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها"، إلى آخر الآية.
١٥٢٠٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: كان الله كتب في الألواح ذكر محمد وذكرَ أمته، وما ذَخَر لهم عنده، وما يسَّر عليهم في دينهم، وما وَسَّع عليهم فيما أحلّ لهم، فقال:
(١) (١) الأثران ١٥٢٠٦، ١٥٢٠٧ - ((أنيس أبو العريان المجاشعي))، بغير (ابن) بينهما، مترجم في الكبير ١ / ٢ / ٤٤، وابن أبي حاتم ١/١/٣٣٣، ولم يشر واحد منها إلى انه: ((أنيس ابن أبي العريان)). وفي المخطوطة في الخبر الأول: ((أنيس بن أبي العريان)) بإثبات (ابن)، وفي الخبر الثاني في الموضعين كليهما ((أنيس بن العريان)) بغير (ابن) كما أثبتها، وأما في المطبوعة، فإنه جعله في المواضع كلها ((أنيس ابن أبي العريان))، وهو تصرف معيب لا شك في ذلك. والظاهر أنه اختلف على ابن علية رواية اسمه، رواه مرة ((أنيس بن أبي العريان))، ثم رواه أخرى ((أنيس أبي العريان))، كما في الأثر الثاني منهما، وذكر الطبري قول عبد الأعلى، ليؤيد به هذه الرواية عن ابن علية. فإن صح هذا الاختلاف على ابن عيينة، وإلا فإنه ينبغي أن يكون أحد أمرين:
إما أن يكون صواب الخبر الأول: ((أنيس أبي العريان)).
والثاني ((أنيس أبي العريان)) في الأولى، وعن عبد الأعلى ((أنيس ابن أبي العريان)). أو: أن يكون الأول عن ابن عيينة: ((أنيس بن أبي العريان))، والثاني أيضاً: ((أنيس ابن أبي العريان))، وعن عبد الأعلى: ((أنيس بن أبي العريان)). والله أعلم بالصواب في كل ذلك، ولا مرجح عندي..
"عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" = يعني: الشركَ= الآية.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك على العموم في الدنيا، وعلى الخصوص في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٠٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: "ورحمتي وسعت كل شيء"، قالا وسعت في الدنيا البَرَّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتَّقوا خاصَّةً.
* * *
وقال آخرون: هي على العموم، وهي التوبة.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢١٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين* واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك"، فقال: سأل موسى هذا، فقال الله: "عذابي أصيب به من أشاء"= العذاب الذي ذَكر= "ورحمتي"، التوبةُ = (وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)، قال: فرحمته التوبةُ التي سأل موسى عليه السلام، كتبها الله لنا.
* * *
وأما قوله: "فسأكتبها للذين يتقون"، فإنه يقول: فسأكتب رحمتي التي وسعت كل شيء= ومعنى "أكتب" في هذا الموضع: أكتب في اللوح الذي كُتِب فيه التوراة "للذين يتقون"، (١) يقول: للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه على الكفر به والمعصية له في أمره ونهيه، فيؤدُّون فرائضه، ويجتنبون معاصيه. (٢)
(١) (١) في المطبوعة والمخطوطة: ((الذين يتقون)) بغير لام، والصواب ما أثبت.
(٢) (٢) انظر تفسير ((التقوى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنّهم يتقونه. فقال بعضهم: هو الشرك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢١١- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "فسأكتبها للذين يتقون"، يعني الشرك.
* * *
وقال آخرون: بل هو المعاصي كلها.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة "فسأكتبها للذين يتقون"، معاصي الله.
* * *
وأما "الزكاة وإيتاؤها"، فقد بيَّنا صفتها فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
وقد ذكر عن ابن عباس في هذا الموضع أنه قال في ذلك ما: -
١٥٢١٣- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "ويؤتون الزكاة"، قال: يطيعون الله ورسولَه.
* * *
فكأنّ ابن عباس تأوَّل ذلك بمعنى أنه العمل بما يزكِّي النفسَ ويطهِّرها من صالحات الأعمال.
* * *
وأما قوله: "والذين هم بآياتنا يؤمنون"، فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدِّقون ويقرُّون. (٢)
* * *
(١) (١) انظر تفسير ((إيتاء الزكاة)) فيما سلف ١: ٥٧٣، ٥٧٤، وما بعده في فهارس اللغة (زكا) و (أتى).
(٢) (٢) انظر تفسير ((الآيات)) و ((والإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) و (أمن).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ هناك الفصل الأول من الدعاء دفع المحذور، وهذا لتحصيل المقصود ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي : أوجب لنا وأثبت لنا فيهما حسنة، وقد تقدم [ تفسير ](١) ذلك في سورة البقرة. [ الآية : ٢٠١ ]
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي : تبنا ورجعنا وأنبنا إليك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم التيمي، والسُّدِّي، وقتادة، وغير واحد. وهو كذلك لُغَة.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن نُجيَّ(٢) عن علي [ رضي الله عنه ](٣) قال : إنما سميت اليهود لأنهم قالوا :﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
جابر - هو ابن يزيد الجُعْفي - ضعيف.
قال تعالى مجيبا لموسى في قوله :﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ [ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ]﴾(٤) الآية :﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ]﴾(٥) أي : أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك، سبحانه لا إله إلا هو.
وقوله تعالى :﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله إخبارًا عن حَمَلة العرش ومن حوله أنهم يقولون :﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيري، عن أبي عبد الله الجُشَمي، حدثنا جُنْدُب - هو ابن عبد الله البَجَلي، رضي الله عنه - قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عَقَلها ثم صلى خلف رسول الله ﷺ. فلما صلى رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها، ثم ركبها، ثم نادى : اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا تشرك في رحمتنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ :" أتقولون هذا أضل أم بعيره ؟ ألم تسمعوا ما قال ؟ " قالوا : بلى. قال :" لقد حَظَرْت(٦) رحمةً واسعة ؛ إن الله، عز وجل، خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة واحدة يتعاطف بها الخلق ؛ جنّها وإنسها وبهائمها، وأخَّرَ عنده تسعًا وتسعين(٧) رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره ؟ ".
رواه أبو داود عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، به(٨)
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا يحيى بن سعيد عن سليمان، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ قال :" إن لله عز وجل، مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحمُ بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة ".
تفرد(٩) بإخراجه مسلم، فرواه من حديث سُلَيمان - هو ابن طِرْخان - وداود بن أبي هند كلاهما، عن أبي عثمان - واسمه عبد الرحمن بن مل(١٠) - عن سلمان، هو الفارسي، عن النبي ﷺ، به(١١)
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ؛ أن النبي(١٢) ﷺ قال :" لله مائة رحمة، عنده تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين(١٣) الجن والإنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه ". تفرد به أحمد من هذا الوجه(١٤)
وقال أحمد : حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال : قال : رسول الله ﷺ :" لله مائة رحمة، فقسم منها جزءًا واحدًا بين الخلق، فيه يتراحم الناس والوحش والطير ".
ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، به(١٥)
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا سعد أبو غَيْلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صلة بن زُفَر، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" والذي نفسي بيده، ليدخلن الجنة الفاجرُ في دينه، الأحمق في معيشته. والذي نفسي بيده، ليدخلن الجنة الذي قد مَحَشته النار بذنبه. والذي نفسي بيده، ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه ".
هذا حديث غريب(١٦) جدا، " وسعد " هذا لا أعرفه(١٧)
وقوله :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، يعني : فسأوجب حُصُول رحمتي مِنَّةً مني وإحسانا إليهم، كما قال تعالى :﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]
وقوله :﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي : سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد ﷺ الذين يتقون، أي : الشرك والعظائم من الذنوب.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل : زكاة النفوس. وقيل :[ زكاة ](١٨) الأموال. ويحتمل أن تكون عامة لهما ؛ فإن الآية مكية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي : يصدقون.
١ زيادة من ك، م، أ..
٢ في أ: "يحيى"..
٣ زيادة من أ..
٤ زيادة من ك، م، أ..
٥ زيادة من م..
٦ في د: "حجرت".
.

٧ في ك، م: "تسعا وتسعون"، وفي أ: "تسع وتسعون"..
٨ المسند (٤/٣١٢) وسنن أبي داود برقم (٤٨٨٥)..
٩ في ك، م، أ: "انفرد"..
١٠ في أ: "بن مثل"..
١١ المسند (٥/٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥٣)..
١٢ في ك، أ: "عن النبي"، وفي م: "عن رسول الله"..
١٣ في أ: "من"..
١٤ المسند (٣/٥٥)..
١٥ المسند (٣/٥٥)، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٤)..
١٦ في أ: "هذا الأثر"..
١٧ المعجم الكبير (٣/١٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢١٦): "سعيد بن طالب أبو غيلان وثقه أبو زرعة وابن حبان، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات".
.

١٨ زيادة من أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ اللَّهُ أمرَه أَنْ يَخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا فَاخْتَارَ سَبْعِينَ رَجُلًا فَبَرَزَ بِهِمْ لِيَدْعُوا رَبَّهُمْ، فَكَانَ فِيمَا دَعَوُا اللَّهَ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَنَا وَلَا تُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَنَا فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ دعائهم، فأخذتهم الرجفة، قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ السُّدِّي: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَوَعْدَهُمْ مَوْعِدًا، فَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا. فَلَمَّا أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ يَا مُوسَى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَإِنَّكَ قَدْ كَلَّمْتَهُ، فأرناه. فأخذتهم
الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَقُولُ: رَبِّ، مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا لَقِيتُهُمْ (١) وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ؟ ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا الخيّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ، وسَلُوه التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا وتطهَّروا، وطهِّروا ثِيَابَكُمْ. فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُور سَيْناء، لِمِيقَاتٍ وقَّته لَهُ رَبُّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ -فَقَالَ لَهُ السَّبْعُونَ -فِيمَا ذُكِرَ لِي -حِينَ صَنَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، [فَقَالُوا] (٢) لِمُوسَى: اطْلُبْ لَنَا نَسْمَعْ كَلَامَ رَبِّنَا. فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ، وَقَعَ عَلَيْهِ عمودُ الْغَمَامُ، حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ. وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا. وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ (٣) اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَةِ مُوسَى نُورٌ سَاطِعٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ. وَدَنَا الْقَوْمُ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا وَقَعُوا سُجُودا (٤) فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى، يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ: افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ. فَلَمَّا فَرَغَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ، انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ -وَهِيَ الصَّاعِقَةُ -فافتُلتَت (٥) أَرْوَاحُهُمْ، فَمَاتُوا جَمِيعًا. فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قَدْ سَفِهُوا، أَفَنُهْلِكُ مَنْ وَرَائِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: انْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ وَشَبَّرُ وَشَبِيرُ، فَانْطَلَقُوا إِلَى سَفْحِ جَبَل، فَنَامَ (٦) هَارُونُ عَلَى سَرِيرٍ، فَتَوَفَّاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لَهُ: أَيْنَ هَارُونُ؟ قَالَ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالُوا [لَهُ] (٧) أَنْتَ قَتَلْتَهُ، حَسَدتنا عَلَى خُلقه وَلِينِهِ -أَوْ كَلِمَةٍ نَحْوَهَا -قَالَ: فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ. قَالَ: فَاخْتَارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا﴾ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالُوا: يَا هَارُونُ، مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: مَا قَتَلَنِي أَحَدٌ، وَلَكِنْ تَوَفَّانِي اللَّهُ. قَالُوا: يَا مُوسَى، لَنْ تُعْصَى بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ. قَالَ: فَجَعَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُرْجِعُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَقَالَ: يَا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ قَالَ: فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ.
هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَعِمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ (٨) هَذَا لَا أَعْرِفُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَهُ (٩)
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْج: إِنَّمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَايِلُوا قَوْمَهُمْ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَلَا نَهْوَهُمْ، وَيَتَوَجَّهُ هَذَا الْقَوْلُ بِقَوْلِ موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾
(١) في أ: "أتيتهم".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في ك: "كلم".
(٤) في أ: "سجدا".
(٥) في أ: "فالتقت".
(٦) في أ: "فقام".
(٧) زيادة من ك.
(٨) في ك: "عبيد".
(٩) تفسير الطبري (١٣/١٤٢) وفي إسناده عمارة بن عبد السلولي. قال الذهبي في ميزان الاعتدال: "عمارة بن عبد، عن علي، مجهول لا يحتج به. قاله أبو حاتم. وقال أحمد: مستقيم الحديث لا يروى عنه غير أبي إسحاق".
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ﴾ أَيِ: ابْتِلَاؤُكَ وَاخْتِبَارُكَ وَامْتِحَانُكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَرَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ يَقُولُ: إِنِ الأمرُ إِلَّا أمرُك، وَإِنِ الحكمُ إِلَّا لَكَ، فَمَا شِئْتَ كَانَ، تَضِلُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِل لِمَنْ هَدَيت، وَلَا مُعطِي لِمَا مَنَعت، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، فَالْمُلْكُ كُلُّهُ لَكَ، وَالْحُكْمُ كُلُّهُ لَكَ، لَكَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الغَفْر هُوَ: السَّتْرُ، وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ، وَالرَّحْمَةُ إِذَا قُرِنَتْ مَعَ الْغَفْرِ، يُرَادُ بِهَا أَلَّا يُوقِعَهُ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ هُنَاكَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الدُّعَاءِ دَفْعُ الْمَحْذُورِ، وَهَذَا لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ﴾ أَيْ: أَوْجِبْ لَنَا وَأَثْبِتْ لَنَا فِيهِمَا حَسَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ [تَفْسِيرُ] (١) ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. [الْآيَةَ: ٢٠١]
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أَيْ: تُبْنَا وَرَجَعْنَا وَأَنَبْنَا إِلَيْكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، والسُّدِّي، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ كَذَلِكَ لُغَة.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجيَّ (٢) عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (٣) قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
جَابِرٌ -هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الجُعْفي -ضَعِيفٌ.
قَالَ تَعَالَى مُجِيبًا لِمُوسَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ [تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ]﴾ (٤) الْآيَةَ: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ]﴾ (٥) أَيْ: أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، وَأَحْكُمُ مَا أُرِيدُ، وَلِيَ الْحِكْمَةُ وَالْعَدْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، سُبْحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ آيَةٌ عَظِيمَةُ الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنْ حَمَلة الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غَافِرٍ: ٧]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الجُرَيري، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الجُشَمي، حَدَّثَنَا جُنْدُب -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلها ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهَا، ثُمَّ رَكِبَهَا، ثُمَّ نَادَى: اللَّهُمَّ، ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَقُولُونَ هَذَا أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "لَقَدْ حَظَرْت (٦) رَحْمَةً وَاسِعَةً؛ إن الله، عز
(١) زيادة من ك، م، أ.
(٢) في أ: "يحيى".
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من ك، م، أ.
(٥) زيادة من م.
(٦) في د: "حجرت".
وَجَلَّ، خَلَقْ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَنْزَلَ رَحْمَةً وَاحِدَةً يَتَعَاطَفُ بِهَا الْخَلْقُ؛ جِنُّهَا وَإِنْسُهَا وَبَهَائِمُهَا، وأخَّرَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ (١) رَحْمَةً، أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، بِهِ (٢)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ يتراحمُ بِهَا الْخَلْقُ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
تَفَرَّدَ (٣) بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيمان -هُوَ ابْنُ طِرْخان -وَدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ (٤) -عَنْ سَلْمَانَ، هُوَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِهِ (٥)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَة، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ (٦) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لِلَّهِ مِائَةُ رَحْمَةٍ، عِنْدَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَجَعْلِ عِنْدَكُمْ وَاحِدَةً تَتَرَاحَمُونَ بِهَا بَيْنَ (٧) الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ضَمَّهَا إِلَيْهِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٨)
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِلَّهِ مِائَةُ رَحْمَةٍ، فَقَسَّمَ مِنْهَا جُزْءًا وَاحِدًا بَيْنَ الْخَلْقِ، فِيهِ يَتَرَاحَمُ النَّاسُ وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ (٩)
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ أَبُو غَيْلان الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَر، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ الفاجرُ فِي دِينِهِ، الْأَحْمَقُ فِي مَعِيشَتِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ الَّذِي قَدْ مَحَشته النَّارُ بِذَنْبِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً يَتَطَاوَلُ لَهَا إِبْلِيسُ رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١٠) جِدًّا، "وَسَعْدٌ" هَذَا لَا أَعْرِفُهُ (١١)
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الْآيَةَ، يَعْنِي: فَسَأُوجِبُ حُصُول رَحْمَتِي مِنَّةً مِنِّي وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤]
(١) في ك، م: "تسعا وتسعون"، وفي أ: "تسع وتسعون".
(٢) المسند (٤/٣١٢) وسنن أبي داود برقم (٤٨٨٥).
(٣) في ك، م، أ: "انفرد".
(٤) في أ: "بن مثل".
(٥) المسند (٥/٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥٣).
(٦) في ك، أ: "عن النبي"، وفي م: "عن رسول الله".
(٧) في أ: "من".
(٨) المسند (٣/٥٥).
(٩) المسند (٣/٥٥)، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٩٤).
(١٠) في أ: "هذا الأثر".
(١١) المعجم الكبير (٣/١٦٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢١٦) :"سعيد بن طالب أبو غيلان وثقه أبو زرعة وابن حبان، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وقال موسى في تمام دعائه وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً : وهي ما أعد اللّه لأوليائه الصالحين من الثواب.
إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أي : رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
قَالَ اللّه تعالى عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة اللّه، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها : فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ المعاصي، صغارها وكبارها.
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ الواجبة مستحقيها وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ومن تمام الإيمان بآيات اللّه معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٣ - ١٧١} ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
إلى آخر قصته (١).
أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله:
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان.
﴿يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله.
(١) في ب: أورد الآيات كاملة.

فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق. فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر.
فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم.
فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
﴿وَنزعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فلهذا ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: ماهر في سحره.
ثم خوفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول، بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي: يريد أن يجليكم (١) عن أوطانكم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس.
فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا فـ ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ؟
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.
فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألي وعدم -[٣٠٠]- المبالاة بما جاء به موسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
فـ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حية تسعى، فـ ﴿تَلْقَفُ﴾ جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: يكذبون به ويموهون.
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المقام ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.
وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته، ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها.
﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾
أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.
(١) كذا في ب، وفي أ: يريد ليجليكم من.
فـ ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ ﴿فِرْعَوْنَ﴾ متهددا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ عَليَّ.
ثم موه على قومه وقال: ﴿إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم فتخرجوا منها أهلها.
وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبين لهم الحق، فاتبعوه.
ثم توعدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحل بكم من العقوبة.
﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
﴿ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب.
فقال السحرة، الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاض.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك لنا؟ فليس لنا ذنب ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا﴾ بـ[آيَاتِ] ربنا [لما جاءتنا] (١) فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا.
ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أفض ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.
فـ ﴿قَالَ﴾ فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن (٢) فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فـ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيا لهم في هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله، أنه سيتم أمركم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج.
﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ -[٣٠١]- أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة، فإن النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج.
﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى مرجيا [لهم] (٣) الفرج والخلاص من شرهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون. الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم والفساد.
(١) زيادة من هامش ب، وهي في أ: آمنا بربنا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ويؤمن.
(٣) زيادة من هامش ب.
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: الخصب وإدرار الرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا ﴿وَالْجَرَادَ﴾ فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: إنه الدباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي: أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى، حق وصدق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب، يحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، وأنهم كلما أصابهم واحد منها ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهم في ذلك كذبة، لا قصد لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾.
وقال هنا: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ في الأرض، أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل -[٣٠٢]- فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم الله ﴿مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والمراد بالأرض هاهنا، أرض مصر، التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم فيها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ حين قال لهم موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ بعد ما أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ينظرون.
﴿فَأَتَوْا﴾ أي: مروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها.
فـ ﴿قَالُوا﴾ من جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي: اشرع لنا أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟ "
ولهذا قال لهم موسى ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة.
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أي: أأطلب لكم إلها غير الله المألوه، الكامل في ذاته، وصفاته وأفعاله. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيقتضي أن تقابلوا فضله، وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه.
ثم ذكرهم بما امتن الله به عليهم فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: من فرعون وآله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يوجهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ﴾ النجاة من عذابهم ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ووعظهم انتهوا عن ذلك.
ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها.
ولما ذهب موسى إلى ميقات ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ أي: اتبع طريق الصلاح ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهم الذين يعملون بالمعاصي.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الذي وقتناه له لإنزال الكتاب ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، حبا لربه ومودة لرؤيته.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ﴾ اللَّهِ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك وتعالى ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها (١) ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ حين رأى ما رأى ﴿صَعِقًا﴾ فتبين له حينئذ أنه إذا لم يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و [لذلك] (٢) ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من جميع الذنوب، وسوء الأدب معك ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه خيرا كثيرا فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وعدم ثبوت.
(٢) زيادة من هامش ب.

﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك -[٣٠٣]- وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، ﴿بِرِسَالاتِي﴾ التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق.
﴿وَبِكَلامِي﴾ إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ من النعم، وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله على ما خصك وفضلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿مَوْعِظَةً﴾ ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجد واجتهاد على إقامتها، ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة حسنة.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون.
وأما غيرهم، فقال عنهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ولم يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن القبيح.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لإعراضهم واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ العظيمة الدالة على صحة ما أرسلنا به رسلنا.
﴿وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنها على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم ﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾ صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي﴾ موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟ "
ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
﴿وَلَمَّا﴾ رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الهم والندم على فعلهم، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح الأعمال، ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ ما صدر منا من عبادة العجل ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الذين خسروا الدنيا والآخرة.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ حيث وعدكم بإنزال الكتاب. فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة ﴿وَأَلْقَى الألْوَاحَ﴾ أي: رماها من الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ هارون ولحيته ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ لك بقولي: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فـ ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ -[٣٠٤]- و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أي: احتقروني حين قلت لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ أي: فلا تظن بي تقصيرا ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ﴾ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فتعاملني معاملتهم.
فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ظنه فيه من التقصير.
و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي﴾ هارون ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب، فإنها حصن حصين، من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من آبائنا، وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا.
قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلها ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى (١) ثم تاب الله عليهم بعد ذلك.
ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من شرك وكبائر، وصغائر ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ بأن ندموا على ما مضى، وأقلعوا عنها، وعزموا على أن لا يعودوا ﴿وَآمنُوا﴾ بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات، ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قراب الأرض ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: سكن غضبه، وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، فـ ﴿أَخَذَ الألْوَاحَ﴾ التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: مشتملة ومتضمنة ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فيها الهدى من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] (٢) ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا وتقوم عليه حجة الله فيها.
﴿و﴾ لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم ﴿اخْتَارَ مُوسَى﴾ منهم ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فتجرأوا على الله جراءة كبيرة، وأساءوا الأدب معه، فـ ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فصعقوا وهلكوا.
فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم، فصاروا هم الظالمين ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، فكأن موسى عليه الصلاة والسلام، قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا.
فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم -[٣٠٥]- ذنوبهم.
(١) في النسختين: قتلى كثيرة.
(٢) زيادة من هامش ب.
وقال موسى في تمام دعائه ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح.
﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ : وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين في جميع أمورنا.
﴿قَالَ﴾ الله تعالى ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي ﷺ ظاهرا وباطنا، في أصول الدين وفروعه.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ﴾ احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد ﷺ شرط في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه، وينهى عنه. وأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو: كل ما عرف قبحه في العقول والفطر.
فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك.
فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ من المطاعم والمشارب، والمناكح.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه، ولا أغلال، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه وبجلوه ﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح.
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.
ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ يتصرف فيهما بأحكامه الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق، إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق رسله، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا ﷺ قطعا.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ﴾ إيمانا في القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح. ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في مصالحكم الدينية والدنيوية، فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
هُدْنَا
رَجَعْنَا تَائِبِينَ إِلَيْكَ.

إعراب الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي ما هذا إلا اختبارك وتعبّدك بما يشتدّ. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أي تضلّ بها الذين تشاء، والذين تشاء هم الذين لا يصبرون عند البلاء ولا يرضون وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من صبر ورضي. أَنْتَ وَلِيُّنا ابتداء وخبر وكذا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٦]

وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
وقرأ أبو وجزة السعدي «١» إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٢» يقال: هاد يهود، هذا المعروف، إذا تاب ويقال: ثوب مهوّد أي مرقّق مليّن. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي الذين أشاء أي المستحقّين له. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كلّ شيء من الخلق حتّى إنّ البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٧]

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خفض على البدل من «الذين» الأول وإن شئت كان نعتا وكذا الَّذِي يَجِدُونَهُ «والذين هم» عطف، وقرأ أبو جعفر وأيّوب وابن عامر والضحّاك وضع عنهم آصارهم وهو جمع إصر، وأصله في اللغة الثقل وهو ما تعبّدوا به مما يثقل، وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول، وقيل: هو ما كان يؤخذ عليهم من العهود إنّهم كانوا يطيعون الله جلّ وعزّ ويؤمنون بأنبيائه صلوات الله عليهم ويوالون أهل الطاعة ويعادون أهل المعصية قربوا أو بعدوا. قال الأخفش: وقرأ الجحدري وعيسى وَعَزَّرُوهُ «٣» بالتخفيف، وكذا وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة: ١٢] قال أبو إسحاق: يقال: عزره يعزره ويعزره.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٥٩]

وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
يكون لمن آمن منهم، ويكون لقوم قد هلكوا أو لمن لحق عيسى صلّى الله عليه وسلّم فآمن به،
(١) أبو وجزة السعدي: يزيد بن عبيد المدني، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وكان شاعرا مجيدا (ت ١٣٠ هـ). ترجمته في غاية النهاية ٢/ ٣٨٢.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٤٦، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٠، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.
(٣) وهذه قراءة قتادة وسليمان التيمي أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٠٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أُصِيبُ بِهِ

إدغام الباء في الباء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الباء الأولى مرفوعة

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف ورش عن نافع قالون عن نافع

عَذَابِى أُصِيبُ

(عَذَابِى) إسكان الياء ومدها 3 حركات

الدوري عن أبي عمرو

(عذابى) إسكان الياء ومدها 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(عَذَابِى) إسكان الياء ومدها 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

(عَذَابِى) إسكان الياء ومدها 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(عَذَابِى) إسكان الياء ومدها حركتين

السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(عَذَابِىَ) بفتح الياء

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٦ من سورة الأعراف

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٣٢ قولًا
١
عن عطاء الخراساني -من طريق يزيد بن سمرة- في قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، قال: ليس لك، ولا لأصحابك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٠.
٢
قال مقاتل بن سليمان: قال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ يعني: الرحمة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فعزل إبليس، يعني: للذين يُوَحِّدون ربَّهم، ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يعني: أُمَّة محمد ﷺ، ﴿والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: بالقرآن؛ يُصَدِّقون أنّه من الله. قالت اليهود: فنحن نتقي الله، ونؤتي الزكاة. فعزل إبليسَ واليهودَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٦-٦٧.
٣
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ورحمتي﴾ التوبة، ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ قال: فرحمته التوبة التي سأل موسى، كتبها الله لنا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٤/٥٩) هذا القول، فقال: «وهي خاصَّةٌ -على هذا - في الرحمة وفي الأشياء؛ لأنّ المراد مَن قد تقع منه التوبة».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، قال: يَتَّقون الشِّرك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٧.
٥
عن عبد الله بن عباس قال: سأل موسى ربَّه مسألةً، فأعطاها محمدًا ﷺ؛ قوله: ﴿واختار موسى قومه﴾ إلى قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾. فأعطى محمدًا ﷺ كلَّ شيء سأل موسى ربَّه في هذه الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (٢٢١٣ - كشف). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، قال: كتَبها الله لهذه الأمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١١‏/‏٥٠٣، وابن جرير ١٠‏/‏٤٨٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: دعا موسى، فبعَث الله سبعين، فجعَل دعاءَه حينَ دَعاه لِمَن آمن بمحمد ﷺ واتَّبَعه؛ قولُه: ﴿فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾، فيما كتَبها للذين يتَّقون، ويُؤْتون الزكاة، والذين يَتَّبِعون محمدًا ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٣٢٢.
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾، فقال موسى: ربِّ، سألتُك التوبةَ لقومي، فقلتَ: إنّ رحمتك كتبتَها لقومٍ غيرِ قومك! فليتك أخَّرتني حتى تخرجني حيًّا في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٠.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿ويؤتون الزكاة﴾، قال: يطيعون الله ورسوله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٨، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨١.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف في المراد بالزكاة على قولين: الأول: أنها زكاة الأموال. الثاني: أنها زكاة النفس بالطاعة. ووجَّه ابنُ جرير (١٠/٤٨٨) القول الثاني الذي قاله ابن عباس، فقال: «فكأن ابن عباس تأول ذلك بمعنى أنه العمل بما يُزَكِّي النَّفْس ويطهِّرها من صالحات الأعمال». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٦٠) القول الأول، فقال: «الظاهر من قوله:﴿يُؤْتُونَ﴾ أنها الزكاة المختصة بالمال، وخصَّها هنا بالذكر تشريفًا لها، وجعلها مثالًا لجميع الطاعات».
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قوله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة﴾: الَّذين يتبعون محمدًا ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨١.
١١
عن قتادة بن دعامة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨١.
١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، قال: أُمَّةُ محمدٍ ﷺ. فقال موسى: يا ليتَني أُخِّرْتُ في أمةِ أحمد. فقالت اليهود لموسى: أيخلُقُ ربُّك خلقًا ثم يُعَذِّبُهم؟ فأوحى الله إليه: يا موسى، ازرَعْ. قال: قد زَرَعْتُ. قال: احصُدْ. قال: قد حَصدتُ. قال: دُسْ. قال: قد دُسْتُ. قال: ذَرْه. قال: قد ذرَيْتُه. قال: ما بقِي؟ قال: ما بَقِي شيءٌ فيه خير. قال: كذلك لا أُعَذِّبُ مِن خَلقي إلا مَن لا خيرَ فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٩ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١٣
قال نوف البكالي الحميري -من طريق شهر-: لَمّا اختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتِ ربِّه؛ قال اللهُ لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأةُ والحرُّ والعبد والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إنّ الله قد يجعل لكم الأرض طهورًا ومسجدًا. قالوا: لا نُريد أن نُصَلِّي إلا في الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلا أن تكون كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، ويقرؤها الرجلُ منكم والمرأة والحرُّ والعبد والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظرًا. فقال الله: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٠ بنحوه.
١٤
عن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين -من طريق محمد بن مسلم البصري- ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، قالا: يتَّقون الشركَ، وعبادةَ الأوثان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠.
١٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ معاصيَ الله١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٨٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٤/٦٠): «ومن قال: الشرك لا غير. خرج إلى قول المرجئة، ويَرِد عليه من الآية شرطُ الأعمال بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾. ومن قال: المعاصي ولا بُدّ. خرج إلى قول المعتزلة، والصوابُ أن تكون اللفظةُ عامَّةً، ولكن ليس بأن نقول: ولا بُدّ من اتقاء المعاصي. بل أن نقول: مع أنّ مُواقِع المعاصي في مشيئة الله تعالى».
١٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قال: هؤلاء أُمَّة محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٩١.
١٧
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع بن أنس- قال: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
١٨
عن سعيد ين جبير -من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني- في قوله: ﴿إنا هدنا إليك﴾، قال: تُبْنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٤٠. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
١٩
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- قال: تبنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٠. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢٠
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إنا هدنا إليك﴾، يقول: تُبنا إليك١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٤٤، وأخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢١
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق أبي حُجَيْرٍ- قال: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢٢
عن إبراهيم التيمي -من طريق العَوّام بن حَوْشَبٍ- قال: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٩‏/‏٣٠٣ (٣٦١٢١)، وابن جرير ١٠‏/‏٤٨٠. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢٣
عن عكرمة مولى ابن عباس، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إنا هدنا إليك﴾، أي: إنّا تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١. وعلقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٢٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿إنا هدنا إليك﴾، يقول: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١.
٢٦
عن عطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٧.
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾، يعني: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٦-٦٧.
٢٨
عن عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ رجلًا يسأل سعيد [بن عبدالعزيز]: ﴿إنا هدنا إليك﴾. قال: إنّا تُبنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨١. ولعمرو ثلاثة شيوخ اسمهم سعيد: سعيد بن عبد العزيز، وسعيد بن عطية، وسعيد بن بشر. ينظر: تهذيب الكمال ٢٢‏/‏٥٣. ويظهر بالاستقراء أن أكثر من يروي عنه منهم سعيد بن عبد العزيز الدمشقي.
٢٩
عن عبد الله بن مسعود -من طريق إبراهيم- قال: نحن أعلم مِن حيثُ تَسَمَّت اليهود باليهودية منهم كلمة موسى ﷺ: ﴿إنا هدنا إليك﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.
٣٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن نُجَيٍّ- قال: إنّما سُمِّيَت: اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿هدنا إليك﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٢.
٣١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿إنا هدنا إليك﴾، قال: تُبْنا إليك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٧٩-٤٨٠، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣٢
عن أبي الطفيل، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧.

نزول الآية، ونسخها

٦ أقوال
١
عن إسماعيل السدي، قال: لَمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾ قال إبليس: وأنا مِن الشيء. فنسَخها الله، فأنزل: ﴿فسأكتبُها للذين يتقونَ﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
قال أبو بكر الهذلي -من طريق سفيان-: فلمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من الشيء. فنزعها الله من إبليس، قال: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾. فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا. فنزعها الله من اليهود، وقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ الآيات كلها. قال: فنزعها الله من إبليس، ومن اليهود، وجعلها لهذه الأمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٣. وأخرج أوله ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣
عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجّاج- قال: لَمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا مِن كلِّ شيء. قال الله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة﴾. قالت يهودُ: فنحن نَتَّقِي، ونُؤْتِي الزكاة. قال الله: ﴿الذين يتبعون الرسول النَّبِيّ الأمي﴾. فعزَلها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤
عن سفيان بن عُيَينةَ -من طريق يحيى بن آدم- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾ مدَّ إبليسُ عُنُقَه، فقال: أنا مِن الشيء. فنزلت: ﴿فسأكتُبها للذين يتقونَ ويؤتون الزكاةَ والذين هم بئاياتنا يؤمنون﴾. فمَدَّت اليهودُ والنصارى أعناقَها، فقالوا: نحن نؤمنُ بالتوراةِ والإنجيل، ونؤدِّي الزكاة. فاختَلَسَها الله من إبليس، واليهود، والنصارى، فجعَلها لهذه الأمة خاصةً، فقال: ﴿الذين يتبعون﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٩) عن أبي بكر الهذلي.
٥
قال عبد الله بن عباس: لَمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾. فتَمَنّاها اليهودُ والنصارى، وقالوا: نحن نتقي، ونؤمن، ونؤتي الزكاة. فجعلها الله لهذه الأمة، فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٤‏/‏٢٩٠-٢٩١، والبغوي في تفسيره ٣‏/‏٢٨٨.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد– قوله: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فقال إبليس: أنا من ذلك الشيء. فأنزل الله: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٩ بنحوه.

تفسير

٢٣ قولًا
١
قال عبد الله بن عباس -من طريق علي-: كان اللهُ كتب في الألواح ذِكْرَ محمد، وذِكْرَ أُمَّته، وما ادَّخر لهم عنده، وما يسَّر عليهم في دينهم، وما وسَّع عليهم فيما أحَلَّ لهم، فقال: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، يعني: الشرك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٩.
٢
عن الحسن البصري، وقتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ورحمتي وسعتْ كل شيءٍ﴾، قالا: وسِعَت في الدنيا البَرَّ والفاجرَ، وهي يوم القيامة للذين اتَّقوا خاصَّةً١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٤٣، وابن جرير ١٠/ ٤٨٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٨. وعزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٣
عن الحسن البصري -من طريق الحسن بن ذكوان- في قوله: ﴿ورحمتي وسعتْ كل شيءٍ﴾، قال: اشترك في هذه الآيةِ في الدنيا المسلمُ والكافرُ، فإذا كان يومُ القيامة كانت للمتقين خاصَّةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٨.
٤
قال عطية العوفي: ﴿وسعتْ كل شيءٍ﴾، ولكن لا تَجِبُ إلا للَّذين يتقون، وذلك أنّ الكافر يُرْزَق ويُدْفَع عنه بالمؤمنين؛ لِسَعَة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجَبَتْ للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنارِ غيره إذا ذَهَبَ صاحبُ السراجِ بسراجه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٩٠، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٧.
٥
عن عطاء [بن أبي رباح]، في قوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾، قال: رحمتُه في الدنيا على خلقِه كلِّهم، يَتَقَلَّبون فيها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٦
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق عمرو بن دينار- قال: إنّ الله خلق رحمتَه مائةَ رحمةٍ، فقسم بين خلقه رَحْمَةً، وادَّخَر لنفسه تسعةً وتسعين، فمِن تلك الرحمةِ يتعاطف بها بنو آدم بعضُهم على بعض، والبهائمُ بعضُها على بعض، حتى يُوجِدَ الطير على فراخه، فإذا كان يومُ القيامة يجمع تلك الرحمةَ إلى التسعة والتسعين؛ فوَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٨.
٧
قال أبو روق عطية بن الحارث الهمداني: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، يعني: الرحمة التي قسمها بين الخلائق، يعطف بها بعضُهم على بعض١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٩٠.
٨
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قال: لَمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا مِن كلِّ شيء. قال الله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة﴾. قالت يهودُ: فنحن نَتَّقِي ونُؤْتِي الزكاةَ. قال الله: ﴿الذين يتبعون الرسول النَّبِيّ الأمي﴾. فعزَلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأُمَّة محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٩
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٤-٤٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
١٠
عن سِماكِ بن الفضل -من طريق إبراهيم بن خالد- أنّه ذُكِر عندَه: أيُّ شيءٍ أعظمُ؟ فذكَروا السماواتِ والأرضَ وهو ساكِتٌ، فقالوا: ما تقولُ، يا أبا الفضل؟ فقال: ما مِن شيءٍ أعظمُ مِن رحمته؛ قال الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٨-١٥٧٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، يعني: ملأت كلَّ شيء، قال إبليس: فأنا مِن كل شيء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٦-٦٧.
١٢
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ورحمتي﴾: التوبة، ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ قال: فرحمته: التوبة التي سأل موسى كتبها الله لنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٨ من طريق أصبغ بن الفرج.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ﴾ الله: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٦-٦٧.
١٤
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾، لِلعذابِ الذي ذكر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٦، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٨ من طريق أصبغ بن الفرج.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٥٩) أنّ قوله تعالى: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ معناه: أنّ الرجفة التي أُنزلت بالقوم هي عذابي أصيب به من شئتُ. ثم أخبر بعد ذلك عن رحمته، ثم أورد احتمالًا آخر، ورجَّحه فقال: «ويحتمل -وهو الأظهر- أنّ الكلام قُصِد به الخبر عن عذابه وعن رحمته مِن أول ما ابتدأ، ويندرج أمر أصحاب الرجفة في عموم قوله: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾».
١٥
عن سلمان، قال: قال النبيُّ ﷺ: «إنّ الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض، كلُّ رحمةٍ منها طِباقَ ما بين السماء والأرض، فأهْبَط منها رحمةً إلى الأرض، فيها تَراحَمُ الخلائق، وبها تَعطِفُ الوالدةُ على ولدِها، وبها يشربُ الطير والوحوش مِن الماء، وبها يعيشُ الخلائقُ، فإذا كان يومُ القيامة انتَزَعها مِن خلقِه، ثم أفاضَها على المتَّقين، وزادَ تسعةً وتسعين رحمةً». ثُمَّ قرأ: ﴿ورحمتي وسعت كلَّ شيءٍ فسأكتبها للذين يتقونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق ١‏/‏٤٤٠ (٢٢٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧‏/‏٦٠ (٣٤٢٠٦) عن سلمان موقوفًا. وأصله في صحيح مسلم مرفوعًا، كما سيأتي في الآثار المتعلقة بالآية.
١٦
عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان- قال: خَلَق اللهُ مئةَ رحمةٍ، فجعل منها رحمةً بين الخلائق، كلُّ رحمةٍ أعظمُ مِمّا بين السماء والأرض، فبها تَعْطِفُ الوالدةُ على ولدها، وبها يشرب الطيرُ والوحش الماءَ، فإذا كان يومُ القيامة قبضها الله من الخلائق، فجعلها والتسعَ والتسعين للمتقين، فذلك قوله: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٨‏/‏٥٣١ (٣٥٣٤٧).
١٧
قال عبد الله بن عباس: لَمّا نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏٢٨٨.
١٨
قال عبد الله بن عباس -من طريق أُنيس أبي العُريان- ﴿واكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قال: فلم يُعْطِها موسى، ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٥.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق أُنيس أبي العُريان- في قوله: ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾ قال: فلم يُعطِها موسى، ﴿قال عذابي أصيبُ به من أشاء﴾ إلى قوله: ﴿المفلحون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٩٦٤ - تفسير)، وابن جرير ١٠‏/‏٤٨٥.
٢٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾، قال: فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأُمَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٦.
٢١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة﴾، قال: مغفرةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٧٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واكْتُبْ لَنا فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ يعني: المغفرة، ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ حسنة، يعني: الجنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٦٦-٦٧.
٢٣
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك﴾، سأل موسى هذا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٤٨٦.

آثار متعلقة بالآية

٥ أقوال
١
عن جُندَب بن عبد الله البَجَليِّ، قال: جاء أعرابيٌّ، فأناخَ راحلتَه، ثم عَقَلها، ثم صلّى خلف رسول الله ﷺ، ثم نادى: اللهمَّ، ارحمني ومحمدًا، ولا تُشْرِكْ في رحمتِنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: «لقد حَظَرْتَ رحمةً واسعةً، إنّ الله خلق مائة رحمة، فأنزَل رحمةً يَتعاطف بها الخلق؛ جِنُّها وإنسُها وبَهائِمُها، وعندَه تسعةٌ وتسعون»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣١‏/‏٩٩ (١٨٧٩٩)، وأبو داود ٧‏/‏٢٤٦-٢٤٧ (٤٨٨٥) مختصرًا، والحاكم ١‏/‏١٢٤ (١٨٧)، ٤‏/‏٢٧٦ (٧٦٣٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال العقيلي في الضعفاء الكبير ٢‏/‏٢١٦: «إسناده غير محفوظ، ومتنه معروف بغير هذا الإسناد، لا يُتابَع عليه ولا على شيء من حديثه، وأما المتن فقد روي بغير هذا الإسناد بأسانيد صحاح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٤‏/‏٣٧ معلقًا على الحاكم والذهبي: «هو كما قالا».
٢
عن سلمان، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ لله مائةَ رحمة، فمنها رحمةٌ يتراحَمُ بها الخلق، وبها تَعْطِفُ الوحوش على أولادِها، وأخَّر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢١٠٨-٢١٠٩ (٢٧٥٣)، وأحمد ٣٩‏/‏١٢٤-١٢٥ (٢٣٧٢٠) واللفظ له.
٣
عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ الفاجرُ في دينِه الأحمقُ في معيشتِه، والذي نفسي بيده، ليَدْخُلَنَّ الجنةَ الذي قد مَحَشَتْهُ١ النارُ بذنبِه، والذي نفسي بيده، لَيَغْفِرَنَّ اللهُ يوم القيامة مغفرةً يتطاولُ لها إبليسُ رجاءَ أن تُصِيبَه»٢
التخريج
  1. ١مَحَشَته النار وامْتَحَشَتْه: أحرقته. لسان العرب (محش).
  2. ٢أخرجه الطبراني في الكبير ٣‏/‏١٦٨ (٣٠٢٢)، والأوسط ٥‏/‏٢٥٠ (٥٢٢٧). قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٨٢: «هذا حديث غريب جدًّا، وسعد هذا لا أعرفه». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢١٦ (١٧٦٣٢): «رواه الطبراني في الكبير، والأوسط... وفي إسناد الكبير سعد بن طالب أبو غيلان، وثَّقه أبو زرعة، وابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجال الكبير ثقات». وأخرجه ابن عدي في الكامل ٥‏/‏٣١٧ من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور، ثم نقل عن ابن معين قوله عنه: «ليس بشي. وقال البخاري: منكر الحديث». ثم قال: «وعامة أحاديثه مما لا يتابعه عليه الثقات».
٤
عن أبي سعيد الخدريِّ، أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «افْتَخَرَتِ الجنةُ والنار؛ فقالت النارُ: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرةُ والملوكُ والأشرافُ. وقالت الجنةُ: يا ربِّ، يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. فقال الله للنار: أنتِ عذابي أصيبُ بك مَن أشاء. وقال للجنة: أنتِ رحمتي وسِعْتِ كلَّ شيء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٧‏/‏١٦٣-١٦٤ (١١٠٩٩)، ١٨‏/‏٢٦٧ (١١٧٤٠)، وابن حبان ١٦‏/‏٤٩٢ (٧٤٥٤)، وهو في مسلم ٤‏/‏٢١٨٧ (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١١٢ (١١٣٦٢): «رواه أحمد، ورجاله ثقات؛ لأن حماد بن سلمة روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط».
٥
عن ابن معيقيب -من طريق عامر بن إبراهيم بن يعقوب، عن أخيه أبي بكر- قال: يُنادِي مُنادٍ يومَ القيامة من السماء: رحمتي وسعت كل شيء. قال: فيطمع فيها البرُّ والفاجرُ، ثم ينادي: رحمتي وسعت كل شيء. فيطمع فيها البرُّ والفاجرُ، ثم ينادي: رحمتي وسعت كل شيء. فيطمع فيها البرُّ والفاجر، ثم ينادي: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾. قال: فيطمع فيها أهلُها، ويَيْأَس مَن ليس لها بأهل١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢‏/‏٣٦٥.

قراءات

قول واحد
١
عن محمد بن إسحاق قال: سمعت أبا وجْزَةَ السَّعْدِيّ -وكان من أعلم الناس بالعربية- قال: لا واللهِ، لا أعلمُها في كلام أحدٍ من العرب ﴿هدنا﴾. قيل: فكيف؟ قال: (هِدنا) بكسر الهاء. يقول: مِلنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر -كما في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب ص١٥٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٧٧. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. والقراءة شاذة كما في مختصر ابن خالويه ص٤٦، والمحتسب لابن جني ١‏/‏٢٦٠.
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

٤٢ وقفةً في هذه الآية

  • "ورحمتي (وسعت)كل (شيء)" هذه سنة الرحمة حين يكون وجعك أو خوفك أو عدوك أخطر. يكون ما أعطاك ربك من الرحمة أعظم لتسعها.

    — عبدالله بلقاسم

  • لا تستكثر ذنوبك أمام رحمة الله ولا تقنط،فلن يفرح بك من العالمين أحد كفرح الله بتوبتك،ألست شيئا من مخلوقاته وهو القائل(ورحمتي وسعت كل شيء)؟!.

    — سعود الشريم

  • "ورحمتي (وسعت)كل (شيء)" هذه سنة الرحمة حين يكون وجعك أو خوفك أو عدوك أخطر. يكون ما أعطاك ربك من الرحمة أعظم لتسعها. .

    — عبدالله بلقاسم

  • } و رحمتي وسعت كل شيء .. } اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين . .

    — نايف الفيصل

  • " ورحمتي وسعت كل شيء " محروم.... من تتنزل عليه الرحمات ولم يشعر ولم يشكر !

    — نايف الفيصل

  • مهـما كان حزنك...... تذكر أنك تعبد رباً قال في كتابه: " ورحمتي وسعت كل شيء "

    — نايف الفيصل

  • ﴿ ورحمتي وسعَـت كلَّ شيء ﴾ مهما كان ذنبك عظيماً.. فإن رحمة الله أوسع منه !

    — نايف الفيصل

  • تخيل أن أمك هي من تحاسبك يوم القيامة ! فالله سبحانه أرحم بك من أمك ! هو من خلق رحمتها لك . ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ . .

    — حاتم بن صالح المالكي

  • ﴿ ورحمتي وسعت كلّ شيء ﴾ تسع أحلامك و آمالك و حزنك و آلامك تسع كل حديث تركته في صدرك رحمة الله أوسع مما تظن . .

    — حاتم بن صالح المالكي

  • ( ورحمتِي وسعت كل شيء ) حينما تتأمل هذه الآية بقلبك ، لن تقنط من سعة رحمة ربك .

    — عايض المطيري

  • ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيُّ قُنوطٍ سيمحو أملاً غمرَ جَنَاني بعدَ قراءتي هذهِ الكلمَاتْ !

    — الأثر الباقي

  • ﴿ورحمتي وسَعَتْ كلّ شيء﴾ وهل تظنُّه استثناكَ منها !! ليركبك الهمُّ و يُضنيك اليأس ؟ حاشاهُ سبحانه ،، فإيّاك أن تقنط.

    — محلقة لله

و٣٠ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٥٦ من سورة الأعراف

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥٦ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(156) And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال