غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات ﴿عذابي أصيب﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع ﴿أصارهم﴾ على الجمع : أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون على التوحيد.
الوقوف ﴿لميقاتنا﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿وإياي﴾ ط ﴿منا﴾ ج لتصدر «أن» النافية مع اتحاد القائل ﴿فتنتك﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿وتهدي من تشاء﴾ ط ﴿الغافرين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿من أشاء﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿كل شيء﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿الإنجيل﴾ ج لأن ﴿يأمرهم﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿مكتوباً﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿كانت عليهم﴾ ط ﴿أنزل معه﴾ لا لأن ما بعده خبر «فالذين». ﴿المفلحون﴾ ه ﴿والأرض﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ويميت﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة. ﴿تهتدون﴾ ه ﴿يعدلون﴾ ه.
﴿واكتب﴾ أوجب ﴿لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ربنا آتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١] وقد فسرنا في سورة البقرة. واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته. وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء. فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿إنَّا هدنا إليك﴾ قال أهل اللغة : النهود التوبة أي تبنا ورجعنا. وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿قال﴾ الله تعالى في جواب موسى ﴿عذابي﴾ من حالة وصفته أني ﴿أصيب به من أشاء﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي. وقالت المعتزلة : أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وقرأ الحسن ﴿من أساء﴾ من الإساءة ﴿ورحمتي﴾ من شأنها أنها ﴿وسعت كل شيء﴾ قالت الأشاعرة : هذا من العام الذي أريد به الخاص. وقال أكثر المحققين : إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته. وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ وقيل : الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته. وقيل : الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب. وقالت المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة. واعلم أن تكاليف الله تعالى كثيرة ولكنها محصورة في نوعين : التروك والأفعال. فقوله ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ إشارة إلى التروك. التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ويؤتون الزكاة﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿واختار موسى قومه﴾ المختار من الخلق من اختاره الله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾ [القصص: ٦٨] فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿وأنا اخترتك﴾ [طه: ١٣]. والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة. وهاهنا نكتة هي أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة. فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة. ولما كان موسى عليه السلام ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿إن هي إلا فتنتك﴾ تزيغ بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف. ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد ﷺ ﴿فسأكتبها﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿للذين يتقون﴾ بالله عن غيره ﴿ويؤتون﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿الزكاة﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون. وفي قوله ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال ﷺ :«أول ما خلق الله روحي» وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون. فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يؤل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله :«علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما اتباعه في مقام أمته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿مكتوباً عندهم﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ وهو طلب الحق ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ طلب ما سواه ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ الدنيا وما فيها ﴿ويضع عنهم أصرهم﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله :«الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم» فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام. فقد وضع النبي ﷺ هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿فالذين آمنوا به وعزروه﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿واتبعوا﴾ نور الوحدة الذي ﴿أنزل معه﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية. وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿وبه يعدلون﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿لن تراني﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم :«كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق» فلهذا دعا موسى عليه السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.
الوقوف ﴿لميقاتنا﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿وإياي﴾ ط ﴿منا﴾ ج لتصدر «أن» النافية مع اتحاد القائل ﴿فتنتك﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿وتهدي من تشاء﴾ ط ﴿الغافرين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿من أشاء﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿كل شيء﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿الإنجيل﴾ ج لأن ﴿يأمرهم﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿مكتوباً﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿كانت عليهم﴾ ط ﴿أنزل معه﴾ لا لأن ما بعده خبر «فالذين». ﴿المفلحون﴾ ه ﴿والأرض﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ويميت﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة. ﴿تهتدون﴾ ه ﴿يعدلون﴾ ه.
﴿واكتب﴾ أوجب ﴿لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ﴿ربنا آتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١] وقد فسرنا في سورة البقرة. واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته. وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء. فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله ﴿إنَّا هدنا إليك﴾ قال أهل اللغة : النهود التوبة أي تبنا ورجعنا. وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين ﴿قال﴾ الله تعالى في جواب موسى ﴿عذابي﴾ من حالة وصفته أني ﴿أصيب به من أشاء﴾ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي. وقالت المعتزلة : أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وقرأ الحسن ﴿من أساء﴾ من الإساءة ﴿ورحمتي﴾ من شأنها أنها ﴿وسعت كل شيء﴾ قالت الأشاعرة : هذا من العام الذي أريد به الخاص. وقال أكثر المحققين : إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته. وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ وقيل : الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته. وقيل : الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب. وقالت المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة. واعلم أن تكاليف الله تعالى كثيرة ولكنها محصورة في نوعين : التروك والأفعال. فقوله ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ إشارة إلى التروك. التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله ﴿ويؤتون الزكاة﴾ وإما غيره وذلك قوله ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علماً وعملاً.