التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿إنا هدنا إليك﴾ أي : تبنا وهذا الكلام الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو استعطاف ورغبة إلى الله وتضرع إليه ولا يقتضي شيئا مما توهم الجهال فيه من الجفاء في قوله :﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ لأنا قد بينا أنه إنما قال ذلك استعطافا لله وبراءة من فعل السفهاء.
﴿قال عذابي أصيب به من أشاء﴾ قيل : الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم وقرئ من أساء. بالسين وفتح الهمزة من الإساءة، وأنكرها بعض المقرئين وقال إنها تصحيف.
﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا فيكون خصوصا في الرحمة وعموما في كل شيء لأن المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي : تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا، ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصا في كل شيء، لأن الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق، فيكون عموما في الرحمة، وفي كل شيء.
﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصة بهؤلاء الذين كتب بها الله لهم وهم أمة محمد ﷺ، وإن كانت رحمة الدنيا، فهي أيضا مختصة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم وأعلا دينهم على جميع الأديان ومكن لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم وإن كانت على الإطلاق : فكقوله :﴿سأكتبها﴾ تخصيص للإطلاق.
﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ أي : يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى