زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾ أي : حقق لنا وأوجب ﴿في هذه الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ وهي الأعمال الصالحة ﴿وَفِي الآخرة﴾ المغفرة والجنة ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي : تبنا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، والضحاك، والسدي. وقال ابن قتيبة : ومنه ﴿الَّذِينَ هَادُواْ﴾ [البقرة: ٦٢] كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء. وقرأ أبو وجزة السعدي :" إِنَّا هُدْنَا " بكسر الهاء. قال ابن الأنباري : المعنى : لا نتغير ؛ يقال : هاد يهود ويهيد.
قوله تعالى :﴿قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾. وقرأ الحسن البصري، والأعمش، وأبو العالية :" منْ أَسَاء " بسين غير معجمة مع النصب.
قوله تعالى :﴿ورحمتي وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾ في هذا الكلام أربعة أقوال :
أحدها : أن مخرجه عام ومعناه خاص، وتأويله : ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد ﷺ، لقوله تعالى :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، قاله ابن عباس.
والثاني : أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة ؛ وتأويلها : ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، البر والفاجر، وفي الآخرة هي للمتقين خاصة، قاله الحسن، وقتادة. فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يرزق ويدفع عنه، كقوله في حق قارون :﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
والثالث : أن الرحمة : التوبة فهي على العموم، قاله ابن زيد.
والرابع : أن الرحمة تسع كل الخلق، إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الأنباري. قال الزجاج : وسعت كل شيء في الدنيا. ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ في الآخرة. قال المفسرون : معنى ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ : فسأوجبها. وفي الذين يتقون قولان :
أحدهما : أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس. والثاني : للمعاصي، قاله قتادة. وفي قوله :﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ قولان :
أحدهما : أنها زكاة الأموال، قاله الجمهور.
والثاني : أن المراد بها طاعة الله ورسوله، قاله ابن عباس والحسن، ذهبا إلى أنها العمل بما يزكي النفس ويطهرها. وقال ابن عباس، وقتادة : لما نزلت ﴿ورحمتي وَسِعَتْ كُلَّ شيء﴾ قال إبليس : أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله من إبليس، فقال :﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يُؤْمِنُونَ﴾ فقالت اليهود : نحن نتقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وجعلها لهذه الأمة،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى