فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال :﴿الذين يتبعون﴾ قال الرازي : هم من بني إسرائيل خاصة وقال الجمهور : هم جميع الأمة سواء كانوا منهم أو من غيرهم ﴿الرسول النبي الأمي﴾ هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإجماع المفسرين فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل، والأمي إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب ولا تقرأ، وهم العرب قاله الزجاج أو نسبة إلى الأم والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وقيل نسبة إلى الأم والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وقيل نسبة إلى أم القرى، وهي مكة والأول أولى.
وكونه أميا من أكبر معجزاته وأعظمها، قال السيد الغبريني المقري شارح البردة : إن كونه أميا معجزة له كما قرروه حتى لا يرتاب أحد في كلام الله، يرد عليه إنه لو ثم قيل عليه لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير فصيح حتى يعلم أن ما يتلوه من الكلام المعجز ببلاغته ليس كلامه.
قال الشهاب في الريحانة قوله هذا ليس بشيء لأن الأمية سابقة في أكثر فصحاء العرب وهم في غناء عن الكتابة، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعيب عظيم منزه عنه عال مقامه، وطاهر فطرته وجوهر جبلته، وهذا البحث مما لا تراه في غير كتابنا هذا.
وقال في حاشية البيضاوي قيل إنه منسوب إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب، ويؤيده قراءة يعقوب بفتح الهمزة انتهى.
قال أبو السعود : أي الذي لم يمارس القراءة والكتابة وقد جمع مع ذلك علوم الأولين والآخرين انتهى، وهل صدر عنه ذلك في كتابه صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور أو إنه لم يكتب وإنما أسند إليه مجازا، وقيل إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة وتفصيله في فتح الباري.
﴿الذي يجدونه﴾ يعني اليهود والنصارى أي يجدون نعته ﴿مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ وهما مرجعهم في الدين وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون.
قال الرازي : وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب فيهما لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله وينفر الناس عن قبول قوله، فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته انتهى وسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذه الآية إن شاء الله تعالى مستوفى.
أخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء ابن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
وروي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ وزيادة ونقص في بعض عن جماعة، وذكر الخميسي في تاريخه أن لفظ محمد مذكور في التوراة باللغة السريانية بلفظ المنحمنا، ومعنى هذا اللفظ في تلك اللغة هو معنى لفظ محمد وهو الذي يحمده الناس كثيرا وذكر أن لفظ أحمد مذكور في الإنجيل بهذا اللفظ العربي الذي هو أحمد.
﴿يأمرهم بالمعروف﴾ أي بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ أي عما تنكره القلوب ولا تعرفه وهو ما كان من مساوئ الأخلاق، قال عطاء : يأمرهم بخلع الأنداد وصلة الأرحام، وينهاهم عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام.
﴿ويحل لهم الطيبات﴾ أي المستلذات التي تستطيبها الأنفس، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل، وقيل ما حرم عليهم من الأشياء التي حرمت عليهم بسبب ذنوبهم من لحوم الإبل وشحوم الغنم والمعز والبقر، وقيل ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي.
﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ أي المستخبثات كالحشرات والخنازير والربا والرشوة وقال ابن عباس يريد الميتة والدم ولحم الخنزير وقيل هو كل ما يستخبثه الطبع أو تستقذره النفس فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل.
﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ الإصر الثقل أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة أو العهد الذي أخذ عليهم أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام وقد تقدم بيانه في البقرة ﴿والغلال التي كانت عليهم﴾ الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها، وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت، وإن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس إلى غير ذلك.
﴿فالذين آمنوا به﴾ أي بمحمد ﷺ واتبعوه فيما جاء به من الشرائع ﴿وعزروه﴾ أي عظموه ووقروه قاله الأخفش وقيل معناه منعوه من عدوه وأصل العزر المنع ﴿ونصوره﴾ أي قاموا بنصره على من يعاديه ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ أي القرآن الذي أنزل عليه مع نبوته وقيل المعنى واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهى عنه أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه.
﴿أولئك﴾ إشارة إلى المتصفين بهذه الأوصاف ﴿هم المفلحون﴾ أي الناجون الفائزون بالخير والفلاح والهداية لا غيرهم من الأمم.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة وحجة نيرة على كون ذكر نبينا محمد ﷺ ثابتا في الكتب القديمة، فلنذكر ههنا ما يوافقها منها فأقول.
قال أهل الكتاب يجب على النبي أن يكون منصوصا عليه فيما قبله من الكتب، ومحمد لم يكن منصوصا عليه فليس بنبي، أما الصغرى فلأنه لو لم يكن منصوصا عليه لأشكل على الأمة معرفته، وأما الكبرى فلعدم وجود النص.
والجواب عنه بمنع الصغرى لأنه لا يجب أن يكون منصوصا عليه في سجل من قبله لأن شرط صدق النبوة الاتيان بالخارقة، ولو كان شرطه النص لامتنع الاستعجاز وعليه أهل التحقيق فيبطل القياس، وبمنع الكبرى لأن محمدا ﷺ قد نص عليه موسى ويوشع وداود وسليمان وأشعيا وارميا وملاخيا وزكريا وعيسى عليهم السلام فيكون نبيا.
ومن البراهين على إثبات نبوته ﷺ ما ورد في الأعمال من كتاب الاستثناء " وسيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم نبيا مثلي فاسمعوا جميع ما يأمركم به فإن كل نفس لا تسمع أمر ذلك النبي تستأصل من بين القوم ".
وهذا هو الدليل الذي تمسك به جماعة من المسلمين على نبوته ﷺ وأثبتوا دلالته على ذلك بعشرة وجوه ذكرت في محلها، وفسره النصارى في شأن المسيح وزعموا أنه هو الذي وعد به موسى لأنه تولد في دار يوسف بن يعقوب بن متان من زوجته مريم بنت عمران، وهذا التفسير بديهي البطلان إذ لو كان المراد به نبيا من بني إسرائيل لكان الأولى به يوشع بن نون أو اشمويل أو العزير أو داود أو سليمان أو اشعيا أو غيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، ولكنه تعالى فرزه عن بين إسرائيل بقوله :" من إخوتكم " نظرا إلى أنهم نفس إسحاق فتكون أخوتهم بنو إسماعيل بلا مناقشة.
وهذا حوار مطرد عند اليهود والعرب كما قال :" سيأتي المنقذ من صهيون ويخرج النفاق من يعقوب " أي من بني يعقوب إلى غير ذلك.
وإلا فأقول إن عيسى ابن مريم بن إسرائيل وإسرائيل أخ لنفسه ينتج أن عيسى بن مريم ابن أخ لنفسه، وليس الأمر كذلك أما الصغرى فلاعتراف النصارى بأن المسيح من أولاد داود ولا شك أن داود من أولاد إسرائيل وولد الولد ولد، وأما الكبرى فلما ظهر من هذا النص من أخ الإنسان عبارة عن نفسه.
وأجيب بمنع الصغرى لأن الأخوين لفظان متباينان لا يصدق أحدهما على مفهوم الآخر وإلا يلزم ترادف المتباينين وهو باطل، ولا يرد عليه مثل البيع لأن العمدة في اللغة السماع ولم ينقل عن أحد فيكون المنصوص عليه محمدا ﷺ بلا مناقشة بدليل قوله :" فاسمعوا جميع ما يأمركم به " الخ لأن عيسى عليه السلام لم يأت في دعوته بقهر يجبر به القوم لأن دعوته كانت على سبيل الترغيب لا غير.
وإلا فليكن المسيح هو المنصوص عليه، وحينئذ أقول كل نصراني يسلم أو يتهود يجب عليه القتل وكل نصرانية تزني يجب عليها الرجم لقوله :﴿كل نفس﴾ الخ لكن النصراني إذا ارتد والنصرانية إذا زنت لا يحدا، فالمسيح ليس بمنصوص عليه في هذا المقام، أما المقدم فلوضوح النص في قوله :﴿كل نفس لا تسمع﴾ الخ لأنه أمر بالاستقامة على الدين والإحصان وإلا فليس بنبي، وأما التالي فلعدم إجراء الحدود في ملته ألم تر أن النصراني يسلم ويتهود ويتبرهم ولا يجب عليه حد، وإنه ربما ينقض جميع سنن الإنجيل وأحكامه ويرتكب ما يخالفهما ولا ينكر عليه أحد.
وهذا بخلاف ملة محمد ﷺ فإن عدم امتثال بعض أوامره يوجب هرق الدم وازهاق الأنفس فيكون هو المنصوص عليه بهذا النص، هذا هو معنى قوله تعالى :﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾.
وفي إنجيل متى وفي كتاب اشعيا هذا هو عبدي الذي انتخبت ومحبوبي الذي رضيت عيه فسأحل روحي عليه وسيظهر للعوام الدينونة ولن يصرخ ولن يصيح ولن يسمع صوته في الأزقة أحد، ولن يكسر قصبة مرضوضة ولن يطفئ ذبالة مدخنة حتى يخرج الدينونة المنصرة ويتكل على اسمه العوام انتهى، وهذا نص صريح على إثبات نبوة نبينا ﷺ.
وأما استدلال النصارى بهذا على كون المسيح ابن الله وخاتم الأنبياء فلا دلالة لها عليه إذ الجزاء فيه اتكال العوام عليه، وقد صلب أو رفع ولم يتكل عليه العوام، وقد مضى من ارتفاعه أو صلبه إلى زمان تحرير هذه السطور ١٨٧٩ سنة ولم يجتمع عليه من العوام أحد إلا اليونانيون والأرمن والجروج والفرنج وبعض الحبش، وهذا ليس بإجماع لأن أقل مراتب الإجماع أعظم النصفين، وقد يظهر لك بالنظر في الجغرافيا أن النصارى أقل من عشر غيرهم فينتقض الإجماع.
وأما حلول الروح عليه وإظهاره الدينونة للعوام واتصافه بهذه الصفات المرضية فلا دلالة لها على كونه ابن الله وخاتم الأنبياء، لأن نزول الروح مما يختص بالأخيار وإظهار الدينونة مما يختص بالملوك، ولا شك أن روح القدس قد حلت عليه، وأنه قد أخبرنا بالدينونة العظمى التي هي محمد ﷺ، لكنه يدل على أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله وهو ممنوع.
وأما إظهار الدينونة واتكال العوام عليه، فليس كما أوله النصارى، بل إنما المراد بالإظهار الإخبار، وباتكال العوام عليه، اتكالهم على ذلك الأخبار لا غير، وإلا لفسد المعنى لأن حلول الروح عليه وإظهاره الدينونة للعوام وعدم صراخه وصياحه على آخره مقيد بأخبار الدينونة للنصرة واتكال العوام على اسمه ووقوع المشروط عين إطلاق الشرط فيما يكون بعد ذلك.
فإن قلت سيكون سلطانا شديدا منعته لعدم وقوعه وعدم ادعاء

تفسير هذه الآية من كتب أخرى