غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات ﴿عذابي أصيب﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع ﴿أصارهم﴾ على الجمع : أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون على التوحيد.
الوقوف ﴿لميقاتنا﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿وإياي﴾ ط ﴿منا﴾ ج لتصدر «أن» النافية مع اتحاد القائل ﴿فتنتك﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿وتهدي من تشاء﴾ ط ﴿الغافرين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿من أشاء﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿كل شيء﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿الإنجيل﴾ ج لأن ﴿يأمرهم﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿مكتوباً﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿كانت عليهم﴾ ط ﴿أنزل معه﴾ لا لأن ما بعده خبر «فالذين». ﴿المفلحون﴾ ه ﴿والأرض﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ويميت﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة. ﴿تهتدون﴾ ه ﴿يعدلون﴾ ه.
ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره. وصف محمداً ﷺ في هذه الآية بصفات تسع : الأولى الرسالة. الثانية النبوة. فإن قيل : النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر ؟ قلت : لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١] وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر. ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً. الثالثة. كونه أمياً. قال الزجاج : معناه أنه على صفة أمة العرب. قال صلى الله عليه وآله :«إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » وقيل : إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة. وكان هذا من جملة معجزات نبينا ﷺ وبيانه من وجوه : الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] الثالث : أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة ﴿الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالإتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿والإنجيل﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك. الخامسة والسادسة ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله ﷺ :«ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله » فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها. السابعة ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ قيل : أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة. وقيل : يعني الأشياء التي حكم الله تعالى بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل : ويحل المحللات وهو تكرار. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات. وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل. وقيل : يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. الثامنة ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ قال عطاء عن ابن عباس : الميتة والدم ونحوهما من المحرمات. وقيل : كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل. التاسعة ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة. وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب. وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله تعالى أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل. عن عطاء : كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبدة. فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال ﷺ :«بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة. ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿فالذين آمنوا به﴾ قال ابن عباس : يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿وعزروه﴾ وقروه وعظموه. قال في الكشاف : وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح. فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ونصروه﴾ فرق كبير ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق ب ﴿اتبعوا﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿أولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه سبحانه لما قال ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿واختار موسى قومه﴾ المختار من الخلق من اختاره الله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾ [القصص: ٦٨] فالذي اختاره الله كان مثل موسى ﴿وأنا اخترتك﴾ [طه: ١٣]. والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة. وهاهنا نكتة هي أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصاً بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقروناً بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهاراً فأخذتهم الصاعقة. فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة. ولما كان موسى عليه السلام ثابتاً في مقام التوحيد كان ينظر بنور الواحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختياراً لهم فقال ﴿إن هي إلا فتنتك﴾ تزيغ بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف. ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة﴾ الرؤية كما كتبت لمحمد ﷺ ﴿فسأكتبها﴾ يعني حسنة الرؤية والرحمة ﴿للذين يتقون﴾ بالله عن غيره ﴿ويؤتون﴾ عن نصاب هذا المقام ﴿الزكاة﴾ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون. وفي قوله ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعداً لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما قال ﷺ :«أول ما خلق الله روحي» وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون. فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يؤل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال صلى الله عليه وآله :«علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما اتباعه في مقام أمته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ﴿مكتوباً عندهم﴾ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ وهو طلب الحق ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ طلب ما سواه ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ الدنيا وما فيها ﴿ويضع عنهم أصرهم﴾ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله :«الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم» فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام. فقد وضع النبي ﷺ هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿فالذين آمنوا به وعزروه﴾ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة ﴿واتبعوا﴾ نور الوحدة الذي ﴿أنزل معه﴾ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية. وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق﴾ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى ﴿وبه يعدلون﴾ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوباً بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب بـ ﴿لن تراني﴾ وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين وقال في حقهم :«كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق» فلهذا دعا موسى عليه السلام : اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ شوقاً إلى لقاء ربه فافهم جداً.
الوقوف ﴿لميقاتنا﴾ ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب ﴿وإياي﴾ ط ﴿منا﴾ ج لتصدر «أن» النافية مع اتحاد القائل ﴿فتنتك﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿وتهدي من تشاء﴾ ط ﴿الغافرين﴾ ه ﴿إليك﴾ ط ﴿من أشاء﴾ ط للفصل بين الجملتين تعظيماً لشأنهما مع الاتفاق في اللفظ ﴿كل شيء﴾ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص ﴿يؤمنون﴾ ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل ﴿الإنجيل﴾ ج لأن ﴿يأمرهم﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتاً أي مكتوباً أمراً أو بدلاً من ﴿مكتوباً﴾ أو مفعولاً بعد مفعول أي يجدونه أمراً، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ﴿كانت عليهم﴾ ط ﴿أنزل معه﴾ لا لأن ما بعده خبر «فالذين». ﴿المفلحون﴾ ه ﴿والأرض﴾ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ﴿ويميت﴾ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولاً فأمنوا إجابة. ﴿تهتدون﴾ ه ﴿يعدلون﴾ ه.
ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره. وصف محمداً ﷺ في هذه الآية بصفات تسع : الأولى الرسالة. الثانية النبوة. فإن قيل : النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر ؟ قلت : لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولاً ولا يكون نبياً كقوله ﴿جاعل الملائكة رسلاً﴾ [فاطر: ١] وقد يكون نبياً لا رسولاً ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنياً عن الآخر. ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمناً. الثالثة. كونه أمياً. قال الزجاج : معناه أنه على صفة أمة العرب. قال صلى الله عليه وآله :«إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » وقيل : إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطأ ودراسة. وكان هذا من جملة معجزات نبينا ﷺ وبيانه من وجوه : الأول أنه كان يقرأ عليهم كتاب الله منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨] الثالث : أن تعلم الخط لا يتفقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلاً عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة ﴿الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالإتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله ﴿والإنجيل﴾ أنهم يجدون نعته مكتوباً عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك. الخامسة والسادسة ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في قوله ﷺ :«ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله » فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها. السابعة ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ قيل : أي ما يستطاب طبعاً لأن تناول ذلك يفيد لذة. وقيل : يعني الأشياء التي حكم الله تعالى بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل : ويحل المحللات وهو تكرار. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات. وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعاً وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل. وقيل : يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. الثامنة ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ قال عطاء عن ابن عباس : الميتة والدم ونحوهما من المحرمات. وقيل : كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل. التاسعة ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة. وكذا الأغلال التي كانت علهيم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب. وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله تعالى أغلالاً لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل. عن عطاء : كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبدة. فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما قال ﷺ :«بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة. ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله ﴿فالذين آمنوا به﴾ قال ابن عباس : يعني من اليهود والأولى حمله على العموم ﴿وعزروه﴾ وقروه وعظموه. قال في الكشاف : وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح. فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ﴿ونصروه﴾ فرق كبير ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق ب ﴿اتبعوا﴾ أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه ﴿أولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه سبحانه لما قال ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان.