محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
[ ١٥٧ ] ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ( ١٥٧ )﴾.
﴿الذين﴾ بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع/ عليه، أي أعني الذين أو هم الذين ﴿يتبعون الرسول﴾ أي الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم ﴿النبي﴾ أي الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي ﴿الأمي﴾ أي الذي لم يحصل علما من بشر ﴿الذي يجدونه مكتوبا﴾ أي باسمه ( محمد وأحمد ) ونعوته ﴿عندهم﴾ زيد هذا لزيادة التقرير، وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا ﴿في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف﴾ يعني الإيمان بالله. ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ يعني الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ أي التي حرمت عليهم لمعاصيهم ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ أي التي كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم- هذا في باب المأكولات ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة ﴿والأغلال التي كانت عليهم﴾ جمع ( غل ) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي يخفف عنهم ما كلفوه منها- وهذا في باب العبادات ﴿فالذين آمنوا به﴾ أي بالنبي الأمي وهو محمد ﷺ ﴿وعزروه﴾ أي عظموه ووقروه ﴿ونصروه﴾ أي على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه ﴿واتبعوا النور الذي معه﴾ وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.
ولا يقال : القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى ﴿أنزل معه﴾ ؟ لأن المراد مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به. ويجوز أن يعلق ب ( اتبعوا ) أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمرا بالعمل بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب ﴿النور﴾ المنبئ عن كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع ﴿أولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة.
تنبيهات
الأول : يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى :﴿قال عذابي...﴾ الخ جواب لموسى عليه السلام، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، كتابة حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، برًّا أو فاجرا، لما سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا ( لمن أساء ) فعل ماض من ( الإساءة )، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا : إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، المتبعون النبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك. ولا يقال- على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه ؟ لأنا نقول : الاتباع أعم من الاتباع ( بالقوة )، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما ( بالفعل ) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبي ﷺ، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى :﴿الذين يتبعون﴾ بدلا من الموصول الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي : أعني الذين، أو هم الذين.
وقال بعضهم : إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى :﴿الذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة. وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقا، وعليه فيكون قوله تعالى :﴿الذين يتبعون﴾ مبتدأ خبره ﴿أولئك هم المفلحون﴾، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي، كانوا هم المفلحين.
وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى :﴿قال عذابي﴾ ارتجال خطاب للنبي ﷺ. قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، ﷺ بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي ﷺ وأتباعه المتقين، ما لا يخفى.
الثاني : تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى :﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾(١) بدليل المقابلة بقوله :﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾(٢) فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا :﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم.
وقال أبو منصور : ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادّون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظّ للكافر فيها. وذلك قوله :﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾(٣) أي : معصية الله، والخلاف له، ﴿ويؤتون الزكاة﴾، كقوله تعالى :﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾(٤) جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-. ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾(٥) أنهم سألوا الرحمة، فقال : سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى.
الثالث : إنما أفرد ﴿الزكاة﴾ بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرطوا فيها.
الرابع : كونه ﷺ لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور(٦)، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه صدر منه ذلك معجزة ؟- انظر في ( فتح الباري ) تفصيله-.
و ﴿الأمي﴾ نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث(٧) " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وأما نسبته إلى ( أم القرى ) فلأن أهلها كانوا كذلك. أو إلى ( أمه ) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل : إنه منسوب ( إلى الأم ) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضم الهمزة من تغيير النسب. ويؤديه قراءة يعقوب ﴿الأميّ﴾ - بفتح الهمزة- وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلوّ كعب، لأنها معجزة له كما قال البوصيريّ.
* كفاك بالعلم في الأميّ معجزة*
كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في ( العناية ).
الخامس : في قوله تعالى :﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام، بنبوته ﷺ.
قال الماورديّ في ( أعلام النبوة ) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته عليه الصلاة والسلام :
إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد ﷺ، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميّزه بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماورديّ البشائر من نصوص كتبهم.
وجاء في ( إظهار الحق ) ما نصه : إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب. ومن عرف أولا طريق إخبار النبي المتقدم، عن النبي المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة.
وجاء في ( منية الأذكياء في قصص الأنبياء ) ما نصه : إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي عليه الصلاة والسلام. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد/ به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم :
فمنها : في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا :
١١- وقال لها ملاكُ الربّ أنت حُبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك.
١٢- وإنه يكون إنسانا وشيا. يده على كل واحد يد كل واحد عليه. وأمام جميع خوته يسكن.
هذه بشارة بمحمد ﷺ، لا بجده إسماعيل، لأن اسماعيل عليه السلام، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أُخرجا من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحق، وكان الملك والنبوة في بني إسحق، وكان إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله ﷺ، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس :( يا إسرائيل ! ألا تخشى الله ربكَ، وتسلُك في سبيله وتعمل له ) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى :( اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل
﴿الذين﴾ بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع/ عليه، أي أعني الذين أو هم الذين ﴿يتبعون الرسول﴾ أي الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم ﴿النبي﴾ أي الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي ﴿الأمي﴾ أي الذي لم يحصل علما من بشر ﴿الذي يجدونه مكتوبا﴾ أي باسمه ( محمد وأحمد ) ونعوته ﴿عندهم﴾ زيد هذا لزيادة التقرير، وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا ﴿في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف﴾ يعني الإيمان بالله. ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ يعني الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ أي التي حرمت عليهم لمعاصيهم ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ أي التي كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم- هذا في باب المأكولات ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة ﴿والأغلال التي كانت عليهم﴾ جمع ( غل ) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي يخفف عنهم ما كلفوه منها- وهذا في باب العبادات ﴿فالذين آمنوا به﴾ أي بالنبي الأمي وهو محمد ﷺ ﴿وعزروه﴾ أي عظموه ووقروه ﴿ونصروه﴾ أي على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه ﴿واتبعوا النور الذي معه﴾ وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.
ولا يقال : القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى ﴿أنزل معه﴾ ؟ لأن المراد مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به. ويجوز أن يعلق ب ( اتبعوا ) أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمرا بالعمل بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب ﴿النور﴾ المنبئ عن كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع ﴿أولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة.
تنبيهات
الأول : يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى :﴿قال عذابي...﴾ الخ جواب لموسى عليه السلام، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، كتابة حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، برًّا أو فاجرا، لما سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا ( لمن أساء ) فعل ماض من ( الإساءة )، وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا : إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، المتبعون النبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك. ولا يقال- على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه ؟ لأنا نقول : الاتباع أعم من الاتباع ( بالقوة )، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته على زمن بعثته، وإما ( بالفعل ) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبي ﷺ، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى :﴿الذين يتبعون﴾ بدلا من الموصول الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي : أعني الذين، أو هم الذين.
وقال بعضهم : إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى :﴿الذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، كما أصاب أصحاب الرجفة. وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقا، وعليه فيكون قوله تعالى :﴿الذين يتبعون﴾ مبتدأ خبره ﴿أولئك هم المفلحون﴾، وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي، كانوا هم المفلحين.
وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى :﴿قال عذابي﴾ ارتجال خطاب للنبي ﷺ. قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، ﷺ بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي ﷺ وأتباعه المتقين، ما لا يخفى.
الثاني : تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى :﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾(١) بدليل المقابلة بقوله :﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾(٢) فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا :﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم.
وقال أبو منصور : ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادّون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، لا حظّ للكافر فيها. وذلك قوله :﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾(٣) أي : معصية الله، والخلاف له، ﴿ويؤتون الزكاة﴾، كقوله تعالى :﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾(٤) جعل طيبات الدنيا ونعيمها مشتركة بين المسلم والكافر، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-. ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾(٥) أنهم سألوا الرحمة، فقال : سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى.
الثالث : إنما أفرد ﴿الزكاة﴾ بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوها وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرطوا فيها.
الرابع : كونه ﷺ لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور(٦)، أو أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه صدر منه ذلك معجزة ؟- انظر في ( فتح الباري ) تفصيله-.
و ﴿الأمي﴾ نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث(٧) " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وأما نسبته إلى ( أم القرى ) فلأن أهلها كانوا كذلك. أو إلى ( أمه ) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل : إنه منسوب ( إلى الأم ) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضم الهمزة من تغيير النسب. ويؤديه قراءة يعقوب ﴿الأميّ﴾ - بفتح الهمزة- وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلوّ كعب، لأنها معجزة له كما قال البوصيريّ.
* كفاك بالعلم في الأميّ معجزة*
كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في ( العناية ).
الخامس : في قوله تعالى :﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام، بنبوته ﷺ.
قال الماورديّ في ( أعلام النبوة ) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء بنبوته عليه الصلاة والسلام :
إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، بنبوة محمد ﷺ، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على القبول. فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميّزه بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماورديّ البشائر من نصوص كتبهم.
وجاء في ( إظهار الحق ) ما نصه : إن الإخبارات الواقعة في حق محمد ﷺ، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب. ومن عرف أولا طريق إخبار النبي المتقدم، عن النبي المتأخر، على ما عرفت في الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه السلام، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة.
وجاء في ( منية الأذكياء في قصص الأنبياء ) ما نصه : إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي عليه الصلاة والسلام. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد/ به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم :
فمنها : في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا :
١١- وقال لها ملاكُ الربّ أنت حُبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك.
١٢- وإنه يكون إنسانا وشيا. يده على كل واحد يد كل واحد عليه. وأمام جميع خوته يسكن.
هذه بشارة بمحمد ﷺ، لا بجده إسماعيل، لأن اسماعيل عليه السلام، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أُخرجا من وطنهما مكرهين، ولم يرث إسماعيل مع إسحق، وكان الملك والنبوة في بني إسحق، وكان إسماعيل في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله ﷺ، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ذلك قوله في السفر الخامس :( يا إسرائيل ! ألا تخشى الله ربكَ، وتسلُك في سبيله وتعمل له ) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى :( اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل
١ - [٧٦/ الإنسان/ ٣١]..
٢ -[٧٦/ الإنسان/ ٣١]..
٣ - [٧/ الأعراف/ ١٥٦]..
٤ - [٧/ الأعراف/ ٣٢]..
٥ - [٧/ الأعراف/ ١٥٦]..
٦ - أخرجه البخاري في: ٥٤- كتاب الشهادات، ١٥- باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أجل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم ٨٨١ ورقم ٨٨٢..
٧ - أخرجه البخاري قي: ٢٠- كتاب الصوم، ١٣- باب قول النبي ﷺ "لا نكتب ولا نحسُب" حديث رقم ٩٦٨..
٢ -[٧٦/ الإنسان/ ٣١]..
٣ - [٧/ الأعراف/ ١٥٦]..
٤ - [٧/ الأعراف/ ٣٢]..
٥ - [٧/ الأعراف/ ١٥٦]..
٦ - أخرجه البخاري في: ٥٤- كتاب الشهادات، ١٥- باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أجل الحرب وكتابة الشروط، حديث رقم ٨٨١ ورقم ٨٨٢..
٧ - أخرجه البخاري قي: ٢٠- كتاب الصوم، ١٣- باب قول النبي ﷺ "لا نكتب ولا نحسُب" حديث رقم ٩٦٨..