جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىَ رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضا يا محمد، إذ قالت أمة منهم، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرّم عليهم. أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم : عظتنا إياهم مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ نؤدّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وَلَعَلّهُمْ يَتّقونَ يقول : ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعدّيه على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس : قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ لسخطنا أعمالهم. وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ : أي ينزعون عما هم عليه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ قال : يتركون هذا العمل الذي هم عليه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : قالُوا مَعْذِرَةً فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة والبصرة :«مَعْذِرَةٌ » بالرفع على ما وصفت من معناها. وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة : مَعْذِرَةً نصبا، بمعنى : إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك.
واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ هل كانت من الناجية، أم من الهالكة ؟ فقال بعضهم : كانت من الناجية، لأنها كانت من الناهية الفرقةَ الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا هي قرية على شاطىء البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرّعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم فلم يزدادوا إلاّ غيّا وعتوّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ ؟ وكانوا أشدّ غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا : معذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ وكلّ قد كانوا ينهون. فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، والذين قالوا : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : واسألهم عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِم وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول : إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرّعا، يعني من كلّ مكان، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِمْ. وأنهم قالوا : لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين : إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذّبهم عذابا شديدا. قال المؤمنون بعضهم لبعض : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ إن كان هلاك فلعلنا ننجو وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرّغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا : هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإن رجلاً منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله : هل أمرك بهذا أحد ؟ فلم يجد أحدا أمره، فرجمه أصحابه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قال بعض الذين نهوهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هانىء، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قال : ما أدري أنجا الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نجوا، فكساني حُلّة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه : فما زلت أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا.
حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال : حدثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال : دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك جعلني الله فداءك ؟ قال : فقرأ : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس : لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم. فقلت : أما تسمع الله يقول : فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهوا عَنْه ؟ فسرّي عنه وكساني حُلّة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : ثني رجل، عن عكرمة، قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك ؟ فقال : هؤلاء الورقات. قال : وإذا هو في سورة الأعراف. قال : تعرف أيلة ؟ قلت : نعم. قال : فإنه كان حيّ من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا كأنها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون : الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ قال الأيمنون : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أي ينتهون، فهو أحبّ إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون : قد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب قال : ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقول لهم : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها نعم. ثم قرأ ابن عباس : فَلَمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال : فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال : قلت : أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ ؟ قال : فأمر بي فكسيت بردين غليظين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحرِ ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعُدت في الماء حتى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، فقال : إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد. . . قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ فصار القوم ثلاثة أصناف : أما صنف، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله : حاضِرَةَ البَحْرِ قال : حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرّعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالاً ومعصية، فقال الله لهم : كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ. . . حتى بلغ : وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ لعلهم يتركون ما هم عليه. قال : كانوا قد بلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرّعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد. قال : وكانوا قوما قد قرنوا بحبّ الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتا، فربط في ذنبه خيطا، ثم ربطه إلى خَشَفَة، ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجترّه بالخيط، ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال : يا فلان إني أجد في بيتك ريح ن
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضا يا محمد، إذ قالت أمة منهم، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرّم عليهم. أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم : عظتنا إياهم مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ نؤدّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وَلَعَلّهُمْ يَتّقونَ يقول : ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعدّيه على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس : قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ لسخطنا أعمالهم. وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ : أي ينزعون عما هم عليه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ قال : يتركون هذا العمل الذي هم عليه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : قالُوا مَعْذِرَةً فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة والبصرة :«مَعْذِرَةٌ » بالرفع على ما وصفت من معناها. وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة : مَعْذِرَةً نصبا، بمعنى : إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك.
واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ هل كانت من الناجية، أم من الهالكة ؟ فقال بعضهم : كانت من الناجية، لأنها كانت من الناهية الفرقةَ الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا هي قرية على شاطىء البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرّعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم فلم يزدادوا إلاّ غيّا وعتوّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ ؟ وكانوا أشدّ غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا : معذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ وكلّ قد كانوا ينهون. فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، والذين قالوا : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : واسألهم عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِم وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول : إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرّعا، يعني من كلّ مكان، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِمْ. وأنهم قالوا : لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين : إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذّبهم عذابا شديدا. قال المؤمنون بعضهم لبعض : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ إن كان هلاك فلعلنا ننجو وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرّغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا : هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإن رجلاً منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله : هل أمرك بهذا أحد ؟ فلم يجد أحدا أمره، فرجمه أصحابه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قال بعض الذين نهوهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هانىء، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قال : ما أدري أنجا الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نجوا، فكساني حُلّة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه : فما زلت أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا.
حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال : حدثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال : دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك جعلني الله فداءك ؟ قال : فقرأ : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس : لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم. فقلت : أما تسمع الله يقول : فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهوا عَنْه ؟ فسرّي عنه وكساني حُلّة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : ثني رجل، عن عكرمة، قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك ؟ فقال : هؤلاء الورقات. قال : وإذا هو في سورة الأعراف. قال : تعرف أيلة ؟ قلت : نعم. قال : فإنه كان حيّ من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا كأنها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون : الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ قال الأيمنون : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أي ينتهون، فهو أحبّ إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون : قد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب قال : ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقول لهم : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها نعم. ثم قرأ ابن عباس : فَلَمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال : فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال : قلت : أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ ؟ قال : فأمر بي فكسيت بردين غليظين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحرِ ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعُدت في الماء حتى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، فقال : إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد. . . قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ فصار القوم ثلاثة أصناف : أما صنف، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله : حاضِرَةَ البَحْرِ قال : حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرّعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالاً ومعصية، فقال الله لهم : كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ. . . حتى بلغ : وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ لعلهم يتركون ما هم عليه. قال : كانوا قد بلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرّعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد. قال : وكانوا قوما قد قرنوا بحبّ الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتا، فربط في ذنبه خيطا، ثم ربطه إلى خَشَفَة، ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجترّه بالخيط، ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال : يا فلان إني أجد في بيتك ريح ن