محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٦٤ من سورة الأعراف في ١٠٦ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

١٠٦ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىَ رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضا يا محمد، إذ قالت أمة منهم، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرّم عليهم. أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم : عظتنا إياهم مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ نؤدّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وَلَعَلّهُمْ يَتّقونَ يقول : ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعدّيه على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس : قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ لسخطنا أعمالهم. وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ : أي ينزعون عما هم عليه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ قال : يتركون هذا العمل الذي هم عليه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : قالُوا مَعْذِرَةً فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة والبصرة :«مَعْذِرَةٌ » بالرفع على ما وصفت من معناها. وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة : مَعْذِرَةً نصبا، بمعنى : إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك.
واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ هل كانت من الناجية، أم من الهالكة ؟ فقال بعضهم : كانت من الناجية، لأنها كانت من الناهية الفرقةَ الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا هي قرية على شاطىء البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة، فحرّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرّعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرّمها الله عليكم يوم سبتكم فلم يزدادوا إلاّ غيّا وعتوّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حقّ عليهم العذاب لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكهُمْ ؟ وكانوا أشدّ غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا : معذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعلّهُمْ يَتّقُونَ وكلّ قد كانوا ينهون. فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ، والذين قالوا : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : واسألهم عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِم وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول : إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرّعا، يعني من كلّ مكان، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأتِيهِمْ. وأنهم قالوا : لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين : إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذّبهم عذابا شديدا. قال المؤمنون بعضهم لبعض : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ إن كان هلاك فلعلنا ننجو وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرّغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدّى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا : هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإن رجلاً منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله : هل أمرك بهذا أحد ؟ فلم يجد أحدا أمره، فرجمه أصحابه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : قال بعض الذين نهوهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ يقول : لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هانىء، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قال : ما أدري أنجا الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نجوا، فكساني حُلّة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، قال : قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه : فما زلت أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا.
حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال : حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال : حدثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال : دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك جعلني الله فداءك ؟ قال : فقرأ : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ. . . إلى قوله : بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال ابن عباس : لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم. فقلت : أما تسمع الله يقول : فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهوا عَنْه ؟ فسرّي عنه وكساني حُلّة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : ثني رجل، عن عكرمة، قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك ؟ فقال : هؤلاء الورقات. قال : وإذا هو في سورة الأعراف. قال : تعرف أيلة ؟ قلت : نعم. قال : فإنه كان حيّ من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرّعا بيضا سمانا كأنها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون : الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا ؟ قال الأيمنون : مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أي ينتهون، فهو أحبّ إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون : قد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب قال : ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقول لهم : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها نعم. ثم قرأ ابن عباس : فَلَمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ قال : فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال : قلت : أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ ؟ قال : فأمر بي فكسيت بردين غليظين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحرِ ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعُدت في الماء حتى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، فقال : إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد. . . قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مَعَذّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ فصار القوم ثلاثة أصناف : أما صنف، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله : حاضِرَةَ البَحْرِ قال : حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرّعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالاً ومعصية، فقال الله لهم : كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ قالَتْ أُمّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ. . . حتى بلغ : وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ لعلهم يتركون ما هم عليه. قال : كانوا قد بلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرّعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد. قال : وكانوا قوما قد قرنوا بحبّ الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتا، فربط في ذنبه خيطا، ثم ربطه إلى خَشَفَة، ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجترّه بالخيط، ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال : يا فلان إني أجد في بيتك ريح ن
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضًا، يا محمد= "إذ قالت أمة منهم"، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (٢) "لم تعظون قومًا الله
(١) (٢) ضبطت الآية ((معذرة)) بالنصب على قراءتنا في مصحفنا، وتفسير أبي جعفر واختياره في القراءة، رفع ((معذرة))، فتنبه إليه.
(٢) (٣) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ص ١٧٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
مهلكهم"، في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرم عليهم= "أو معذبهم عذابًا شديدًا"، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= "ولعلهم يتقون"، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: -
١٥٢٦٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "قالوا معذرة إلى ربكم"، لسخطنا أعمالهم. (١)
* * *
= "ولعلهم يتقون"،: أي ينزعون عما هم عليه. (٢)
* * *
١٥٢٦٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "ولعلهم يتقون" قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "قالوا معذرة". (٣) فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع، على ما وصفتُ من معناها.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: (مَعْذِرَةً) نصبًا، بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك.
* * *
(١) الأثر: ١٥٢٦٤ مضى مطولا برقم: ١١٣٩ (٢: ١٧٠).
(٢) (٢) انظر تفسير ((اتقى) فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(٣) (٣) انظر ذكر هذه الآية وإعرابها فيما سلف ٢: ١٠٧، ١٠٨.
واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، هل كانت من الناجية، أم من الهالكة!
فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت. (١)
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٦٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: "أيلة"، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها. فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم! فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، (٢) لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، والذين قالوا: "معذرة إلى ربكم"، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.
١٥٢٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت
(١) (١) في المطبوعة والمخطوطة: ((لأنها كانت من الناهية))، ولا معنى لقوله: ((من))، هنا، والصواب ما أثبت.
(٢) (٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((تعلمون)، والصواب ما أثبت: ((تعلموا)) فعل أمر، بتشديد اللام، بمعنى: اعلموا.
حاضرة البحر، إلى قوله: "ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم. يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين. فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت! فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدًا أمره، فرجمه أصحابه.
١٥٢٦٨- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون".
١٥٢٦٩- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم" أم لا! قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة. (١)
(١) الأثر: ١٥٢٦٩ - ((معاذ بن هانئ القيسي))، ثقة، روى عن همام بن يحيى، ومحمد بن مسلم الطائفي، وحماد بن سلمة، وغيرهم ٠ ٠مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٦٧، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٥٠.
١٥٢٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا.
١٥٢٧١- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، إلى قوله: (بما كانوا يفسقون".) قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم! فقلت: أما تسمع الله يقول: "فلما عتوا عمّا نهوا عنه"؟ فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة. (١)
١٥٢٧٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات! قال: وإذا هو في "سورة الأعراف"، قال: تعرف أيلة! قلت: نعم! قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، (٢) تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. (٣) فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال:
(١) (١) الأثر: ١٥٢٧١ - مضى صدر هذا الخبر، وجزء آخر منه فيما سلف برقم: ١٥٢٥٤.
(٢) (٢) ((الماخض))، التي قد دنا ولادها من الشاء وغيرها. وفي حديث الزكاة: ((فاعمد إلى شاة قد امتلأت مخاضاً، وشحماً))، أي نتاجاً، يعنى بذلك سمنها وبضاضتها.
(٣) (٣) في المطبوعة وابن كثير ٣: ٥٧٧: ((تنتطح)) ولا معنى لها هنا، وفي المخطوطة ((تلتطح))، كانها من قولهم ((لطح الرجل به الأرض))، و ((لطحه بالأرض))، إذا ضربه بالأرض. وقاس منه ((التطح)) أي تتقلب ضاربة بظهورها وبطونها الأرض. وصوابها ما أثبت ((تنبطح)) أو ((تتبطح)) (بتشديد الطاء)، أي تتمرغ في البطحاء. وانظر ما سيأتي في ص: ١٩٠، تعليق: ٠٢ وقد حذف هذه الكلمة السيوطي في روايته للخبر في الدر المنثور ٣: ١٣٧، كعادته إذا أشكل عليه الكلام.
إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام! فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم! اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تعترّضوا لعقوبة الله! (١) وقال الأيسرون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ قال الأيمنون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"! أي: ينتهون، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله! والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم، (٢) والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب! (٣) فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم! ثم قرأ ابن عباس: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ). قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها! قال قلت: إنَّ جعلني الله فداك، (٤) ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم"؟ قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين.
١٥٢٧٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، (٥) لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد!..... (٦) قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، صار القوم ثلاثة أصناف، (٧) أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.
(١) (١) هذه الجملة: ((وقال الأيمنون....)) ساقطة من المخطوطة، ثابتة في المطبوعة. وفي المطبوعة: ((الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله))، ولا أدرى من أين جاء بها. وأثبت نص ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٥٧، وفي الدر المنثور ٣: ١٣٧: ((ويلكم، لا تتعرضوا لعقوبة الله)).
(٢) (٢) في المطبوعة: ((والله لا نبايتنكم)) وفي ابن كثير: ٣: ٥٧٧: ((لنأتينكم))، وفي الدر المنثور ٣: ١٣٧: ((لنسبا يتنكم))، ومثله في المخطوطة، وأرجح أن الصواب ما أثبت، يعنون أنهم لن يبيتوا معهم في مدينتهم. فهذا ظاهر السياق.
(٣) (٣) في المخطوطة والمطبوعة، والدر المنثور: ((ما أراكم))، والصواب من ابن كثير.
(٤) (١) في المطبوعة، والدر المنثور: ((أي جعلني الله فداك))، ولا معنى لها، وحذفها ابن كثير في روايته الخبر. وأثبت ما في المخطوطة، وقوله: ((إن)) (مكسورة الألف مشددة النون) بمعنى: نعم، يعنى: إنه قد كان، وإنهم قد نجوا. قال أبو عبيد في مثله: ((وهذا اختصار من كلام العرب، يكتفي منه بالضمير، لأنه قد علم معناه)). وقد قال مسعود بن عبد الله الأسدي: قَالُوا: غَدَرْتَ! فَقُلْتُ:
إنّ! وَرُبّمَانَالَ العُلَى وشَفَى الغَلِيلَ الغادِرُ
(٥) في المطبوعة: ((تنتطح))، وهي في المخطوطة واضحة كما أثبتها، وانظر التعليق السالف ص: ١٨٨، رقم: ٣.
(٦) وضعت هذه النقط، لدلالة على خرم في الخبر لا شك فيه، فإنه غير متصل. ولكن كهذا هو في المخطوطة. وفي المخطوطة لم يسق الآية هكذا بل كتب: (قوله: ((وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً))، فقرأ حتى بلغ ((ولعلهم يتقون)) )، فكان هذا دليلاً أيضاً على الخرم الذي وقع في نسخة التفسير. ولكن انظر بعض هذا الخبر بهذا الإسناد فيما سلف: ١١٤٠.
(٧) في المطبوعة: ((فصار))، وأثبت ما في المخطوطة بغير فاء، لأنى لا أعلم ما قبله من السقط الذي حدث، ما هو.
١٥٢٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله: "حاضرة البحر"، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية، فقال الله لهم: "كونوا قردة خاسئين"، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: "لم تعظون قومًا".
١٥٢٧٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم" حتى بلغ "ولعلهم يتقون"، لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً، (١) فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا، ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، (٢) ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جارٌ له ريح حوت، فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ! (٣) فقال: لا! قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ، فقال: إني أرى الله سيعذِّبك. قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما، ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه، (٤) فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن
(١) ((قرم إلى اللحم)) (بكسر الراء) ((قرماً)) بفتحتين: اشتدت شهوته إليه. وقوله: ((لقوامنه))، الضمير في ((منة)) عائد إلى مصدر ((قرموا))، أي: القرم.
(٢) (٢) في المطبوعة: ((خسفة))، ولا معنى لها، وهي في المخطوطة غير منقوطة، والصواب ما أثبت. و ((الخشفة)) بالخاء المعجمة و ((الحشفة)) بالحاء المهلة (وبفتح الخاء والشين) : هي حجارة تنبت في الأرض نباتاً، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض.
(٣) (٣) ((النون)) : الحوت والسمك.
(٤) (٤) قوله: ((جعلوا يصيدونه))، فخالف السياق المفرد السابق، فأخشى أن يكون سقط من الكلام ما معناه أن بعض جيرانه اتبعوه وفشا فيهم، فجعلوا يصيدونه...
المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ، وفرقة تنهاهم ولا تكف. فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ فقال الآخرون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون". فقال الله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ). إلى قوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) قَالَ اللَّهُ (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين). وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء، من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء! قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورًا، فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ، (١) فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء! (٢) قال: وأنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
١٥٢٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حُلَّة.
(١) (١) في المطبوعة: ((بعذابه))، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) (٢) في المخطوطة: ((فليس إلا تكاكا))، ولا أدرى ما وجهها، وقد سلف في الخبر رقم ١٥٢٧٢، في آخره: ((فتشم ثيابه فتبكي))، فتركت ما في المطبوعة على حاله، حتى يتبين لما في المخطوطة وجه مرضى من الصواب.
١٥٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت. فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا، فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه! فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع! فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبض، (١) فغلَّقوها، فأصابهم من المسْخ ما أصابهم. فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوَّروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به.
* * *
وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، كانت من الفرقة الهالكة.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" إلى قوله: "شرعًا"، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه، فحرِّمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم
(١) (١) ((الربض)) (بفتحتين) : هو الفضاء حول المدينة.
السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه، (١) ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً. قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم"، في سخطنا أعمالهم، "ولعلهم يتقون* فلما نسوا ما ذُكِّروا به"، إلى قوله: "قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا، وثلث قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم، فَعَلوْا على دورهم، (٢) فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا، فانظروا ما شأنهم! فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة، يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة: ٦٦].
١٥٢٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنجينا الذين ينهون عن السوء" الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين!
(١) (١) في المطبوعة: ((فخرم أنفه))، وأثبت ما في المخطوطة، وهذا صواب قراءته ونقطه. ((خزم الدابة)) ثقب في أنفها ثقباً، وجعل فيه خزامة من شعر أو غيره، و ((الخزامة)) (بكسر الخاء) الحلقة المعقودة.
(٢) (٢) في المطبوعة: ((فعلقوا عليهم دورهم))، أراد أن يجتهد فأخطأ أشنع الخطأ، والصواب البين ما في المخطوطة، كما أثبته.
١٥٢٨٠- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت، والموعوظة التي وُعِظت، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم".
=وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت، والتي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم" قال: هي الموعوظة.
١٥٢٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، أحبُّ إليّ مما عُدِل به!
١٥٢٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال، قال ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: أسمع، الله يقول: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"؟
١٥٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيام ستةٌ، الأحد إلى الجمعة. فوضعت اليهود يوم السبْت، وسبّتوه على أنفسهم، فسبَّته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوكّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتَانِ، فجعلت تشرع يوم السبت، فيتقون أن يصيبُوا منها، حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا، ونحن وكّدناه على أنفسنا، فلو تناولت من هذا السمك! فتناول حوتًا من الحيتان، فسمع بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرب من منزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم
السبت. فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت، واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف. فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم، انتهوا عما تفعلون، إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت! فأبوا، فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها، سكنت أصواتهم أوّل الليل، فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا! فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم. فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض، قد مُسخوا قردةً، فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا! فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه، فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، (١) بما كسبت يداي. (٢)
١٥٢٨٤- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، (٣) وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، (٤)
(١) (١) في المخطوطة والمطبوعة: ((أي نعم))، والصواب الجيد ما أثبت.
(٢) (٢) الأثر: ١٥٢٨٣ - (ما هان أبو صالح الحنفي))، قال البخاري ((ما هان، أبو سالم الحنفي،... وقال بعضهم: ما هان، أبو صالح، ولا يصح)) وقد مضى ذلك برقم ٣٢٢٦، ١٣٢٩١، وهو مترجم في التهذيب والكبير ٤ / ٢ / ٦٧، ، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٣٤.
(٣) (٣) في المطبوعة: ((كان حوتاً حرمه الله))، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) (٤) في المخطوطة: ((كأنه المحاصر)) غير منقوطة، وكأن ما في المطبوعة هو الصواب، وقد سلف في ص: ١٨٨، وتعليق: ٢،: ((كانت تأتيهم... بيضاً سماناً كأنها بالمخاض))، وفسرته هناك بأنه أراد بالمخاض، الشاة أو الناقة التي دنا ولادها، وأنه عنى بذلك سمنها وترارتها. و ((الماخض)) : الإبل الحوامل، يريد التي امتلأت حملا وسمناً.
لا يمتنع من أحد. وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، (١) فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه، فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ، (٢) أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة! (٣) وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] ! (٤) وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، [سورة القمر: ٤٦].
١٥٢٨٥- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن أبي موسى، عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض، (٥) فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط، (٦) أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة!
وقال
(١) (١) ((الاهتمام))، يريد: الهم به، لا من ((الاهتمام)) بمعنى الاغتمام والحزن. وهو صريح القياس: ((اهتم بالأمر))، بمعنى ((هم به))، ولم تذكرها معاجم اللغة.
(٢) (٢) استعمال ((قط)) مع غير النفي، أعنى في المثبت، مما أنكروه، وقد جاء في الكلام كثيراً، ونبه إليه ابن مالك في مشكلات الجامع الصحيح: ١٩٣، قال: ((وفي قوله: ونحن أكثر ما كنا قط، استعمال قط غير مسبوقة بنفي، وهو مما خفي على كثير من النحويين. لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي، نحو: ما فعلت ذلك قط وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي. وله نظائر)). وانظر الخبر الآتي رقم ١٥٢٨٥.
(٣) (٣) قوله: ((أبقاه خزياً))، أعاد الضمير مع ((أفعل)) التفضيل بالإفراد والتذكير، وهي عائدة إلى ((أكلة))، وهي مؤنثة، وذلك صريح العربية، وقد مضت الإشارة إلى ذلك فيما سلف ٥: ٤٨٨، تعليق: ١: ٥: ٥٥٧، تعليق ١ / ٦: ٣٩٥، ٣٩٦، تعليق: ٢ / ٧: ٨٧، تعليق: ٤ والأثر رقم: ١٤٨١٣. وكان في المطبوعة: ((أثقله خزياً))، والصواب من الدر المنثور ٣: ١٣٨، وفي المخطوطة: ((أبقى خزياً في الدنيا، وأشد عقوبة في الآخرة)).
(٤) (٤) هذه الجملة التي بين القوسين في المطبوعة، ولم ترد في المخطوطة، ولا في الدر المنثور ٣: ١٣٨، ونصها في المخطوطة: ((وايم الله، للمؤمن أعظم حرمة))، فلا أدرى، أهي زيادة من ناسخ لنسخة أخرى، أم سقطت من ناسخ نسختنا.
(٥) (٥) في المخطوطة: ((كأنها المحاصر))، كما سلف في الخبر السالف، انظر ص ١٩٦، تعليق: ٤
(٦) (٦) انظر التعليق السالف رقم: ٣.
الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان!
١٥٢٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه، فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود! قال: قال ابن مسعود: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن فتجيء، (١) فلا يستطيعون أن يمسوها. وكان إذا ذهب السبت ذهبت، فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت، اصطادوا، فنهاهم قوم من صالحيهم، فأبوا، وكَثَرَهم الفجَّار، (٢) فأراد الفجار قتالهم، فكان فيهم من لا يشتهون قتاله، أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم! وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا! (٣) ففعلوا، فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا! فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً، يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم.
* * *
(١) (١) في المطبوعة: ((وتجئ))، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) (٢) ((كثرهم الفجار))، أي: غلبوهم بكثرتهم.
(٣) (٣) في المخطوطة: ((أدانهم، وأنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً))، هكذا، فرأيت قراءتها كما أثبتها. أما في المطبوعة، فقد غير الجملة وغير ضمائرها فكتب: ((إذًا نباينهم، وأنا نجعل بيننا وبينهم حائطاً)). وقوله ((إذا نتهم))، يعنى: إذا نتهم بما فعلتم من العدوان في السبت، ويأخذنا الله بالعقاب، ونحن براء مما فعلتم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق : فرقة(١) ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة. وفرقة نهت عن ذلك، [ وأنكرت ](٢) واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ أي : لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله ؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم. قالت لهم المنكرة :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقديره : هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب، أي : نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي : فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون : ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟ على قولين :
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [ قال :](١) هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة، يقال لها :" أيلة "، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها. فمضى على ذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟ فلم يزدادوا إلا غيًا وعتوًا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ]﴾(٢) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟ فقالوا :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ والذين قالوا :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة.
وروى العوفي، عن ابن عباس قريبًا من هذا.
وقال حماد بن زيد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾
قال : ما أدري أنجا الذين قالوا :" أتعظون قوما الله مهلكهم "، أم لا ؟ قال : فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم نجوا، فكساني حلة.
قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جُرَيْج، حدثني رجل، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا(٣) المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس، جعلني الله فداك ؟ قال : فقال : هؤلاء الورقات. قال : وإذا هو في " سورة الأعراف "، قال : تعرف(٤) أيلة قلت : نعم. قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، تتبطح(٥) ظهورها لبطونها بأفنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام. فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت. فكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون : ويلكم، الله، الله ننهاكم أن(٦) تتعرضوا لعقوبة الله. وقال الأيسرون :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ قال الأيمنون :﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون : فقد(٧) فعلتم، يا أعداء الله. والله لا نبايتكم(٨) الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب. فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله، قردة والله تعاوي لها أذناب. قال : ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها(٩) من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها(١٠) من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها، أي نعم. ثم قرأ(١١) ابن عباس :﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟. قال : قلت : جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ ؟ قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين(١٢)
وكذا روى مجاهد، عنه.
وقال ابن جرير : حدثنا يونس، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز، عن مالك، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى :﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ قال : كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ - لذلك - رجل خيطًا ووتدًا، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد، أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم :" فإنه جلد حوت وجدناه ". فلما كان السبت(١٣) الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا رائحة، فجاءوا(١٤) فسألوه(١٥) فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع. فقالوا له : وما صنعت ؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم. فغدوا(١٦) عليهم جيرانهم مما كانوا(١٧) حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسح به(١٨)
وقد قدمنا في سورة " البقرة " (١٩) من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية، ولله الحمد والمنة.
القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين.
قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ؛ أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعا، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتًا فخزم أنفه ثم، ضرب له وتدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد، إلا عصبة منهم نهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق، ففعل علانية. قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا : سخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى قوله :﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال ابن عباس : كانوا أثلاثًا : ثلث نهوا، وثلث قالوا :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.
وهذا إسناد جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين، أولى من القول بهذا ؛ لأنه تبين حالهم بعد ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا.
و ﴿بَئِيسٍ﴾ فيه قراءات كثيرة، ومعناه في قول مجاهد :" الشديد "، وفي رواية :" أليم ". وقال قتادة : موجع. والكل متقارب، والله أعلم.
وقوله :﴿خاسئين﴾ أي : ذليلين حقيرين مهانين.


١ في ك، م، أ: "ففرقة"..
٢ زيادة من ك، م، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ (١) ارْتَكَبَتِ الْمَحْذُورَ، وَاحْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ، [وَأَنْكَرَتْ] (٢) وَاعْتَزَلَتْهُمْ. وَفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تَنْهَ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ أَيْ: لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ؟ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَهْيِكُمْ إِيَّاهُمْ. قَالَتْ لَهُمُ الْمُنْكِرَةُ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِهِ: هَذَا مَعْذِرَةٌ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: نَفْعَلُ ذَلِكَ ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يَقُولُونَ: وَلَعَلَّ بِهَذَا الْإِنْكَارِ يَتَّقُونَ مَا هُمْ فِيهِ وَيَتْرُكُونَهُ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَائِبِينَ، فَإِذَا تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: فَلَمَّا أَبَى الْفَاعِلُونَ الْمُنْكَرَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: ارْتَكَبُوا الْمَعْصِيَةَ ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ وَهَلَاكِ الظَّالِمِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا، وَلَا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ: هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ مِنَ النَّاجِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [قَالَ:] (٣) هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: "أَيْلَةُ"، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، وَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا مَضَى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا. فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنْ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَخَذُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فَنَهَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: تَأْخُذُونَهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ سَبْتِكُمْ؟ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَيًّا وَعُتُوًّا، وَجَعَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى تَنْهَاهُمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّهَاةِ: تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا]﴾ (٤) وَكَانُوا أَشَدَّ غَضَبًا لِلَّهِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى؟ فَقَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَكُلٌّ قَدْ كَانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وَالَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾
(١) في ك، م، أ: "ففرقة".
(٢) زيادة من ك، م، أ.
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ.
قال: ما أدري أنجا الَّذِينَ قَالُوا: "أَتَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ"، أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عرَّفته أَنَّهُمْ نَجَوْا، فَكَسَانِي حُلَّةً.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي، وَإِذَا (١) الْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَعْظَمْتُ أَنْ أَدْنُوَ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَقَدَّمْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْوَرَقَاتِ. قَالَ: وَإِذَا هُوَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، قَالَ: تَعْرِفُ (٢) أَيْلَةَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ بِهَا حَيٌّ مِنْ يَهُودَ سِيقَتِ الْحِيتَانُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، ثُمَّ غَاصَتْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَغُوصُوا بَعْدَ كَدٍّ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْمَاخِضُ، تَتَبَطَّحُ (٣) ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا بِأَفْنِيَتِهِمْ. فَكَانُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ إِنِ الشَّيْطَانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَخُذُوهَا فِيهِ، وَكُلُوهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ. فَقَالَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا وَأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا يَوْمَ السَّبْتِ. فَكَانُوا كَذَلِكَ، حَتَّى جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ، فَغَدَتْ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَأَبْنَائِهَا وَنِسَائِهَا، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَكَتَتْ. وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: وَيَلْكُمُ، اللَّهَ، اللَّهَ نَنْهَاكُمْ أَنْ (٤) تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الْأَيْسَرُونَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ قَالَ الْأَيْمَنُونَ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ إِنْ يَنْتَهُوا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا أَلَّا يُصَابُوا وَلَا يَهْلِكُوا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَمَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ. فَمَضَوْا عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: فَقَدْ (٥) فَعَلْتُمْ، يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ. وَاللَّهِ لَا نُبَايِتُكُمُ (٦) اللَّيْلَةَ فِي مَدِينَتِكُمْ، وَاللَّهِ مَا نَرَاكُمْ تُصْبِحُونَ حَتَّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا ضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَنَادَوْا، فَلَمْ يُجَابُوا، فَوَضَعُوا سُلَّمًا، وَأَعْلَوْا سُورَ الْمَدِينَةِ رَجُلًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، قِرَدَةٌ وَاللَّهِ تُعَاوِي لَهَا أَذْنَابٌ. قَالَ: فَفَتَحُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا (٧) مِنَ الْإِنْسِ، وَلَا تَعْرِفُ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ، فَجَعَلَتِ الْقُرُودُ يَأْتِيهَا نَسِيبُهَا (٨) مِنَ الْإِنْسِ فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي، فَتَقُولُ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ كَذَا؟ فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا، أَيْ نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ (٩) ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قَالَ: فَأَرَى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا، وَلَا أَرَى الْآخَرِينَ ذُكِرُوا، وَنَحْنُ نَرَى أَشْيَاءَ نُنْكِرُهَا وَلَا نَقُولُ فِيهَا؟. قَالَ: قُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَخَالَفُوهُمْ وَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ ؟ قَالَ: فَأَمَرَ لِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ (١٠)
وَكَذَا رَوَى مُجَاهِدٌ، عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن مالك، قال: زعم ابن رومان
(١) في أ: "إن".
(٢) في أ: "قال هل تعرف".
(٣) في م: "حتى تنبطح".
(٤) في أ: "الله، الله ينهاكم عن ذلك ولا".
(٥) في أ: "قد".
(٦) في م: "لنأتينكم".
(٧) في م: "أنسابهم".
(٨) في أ: "تأت نسبها".
(٩) في أ: "ثم فسر".
(١٠) تفسير عبد الرزاق (١/٢٢٦).
أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ قَالَ: كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ، فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ السَّبْتِ الْآخَرِ، فَاتَّخَذَ -لِذَلِكَ -رَجُلٌ خَيْطًا وَوَتَدًا، فَرَبَطَ حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ، أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجَحَدَهُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: "فَإِنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ". فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ (١) الْآخَرُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ -وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ: رَبَطَ حُوتَيْنِ -فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدُوا رَائِحَةً، فَجَاءُوا (٢) فَسَأَلُوهُ (٣) فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ. فَقَالُوا لَهُ: وَمَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ. وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ، فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ. فَغَدَوْا (٤) عَلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّا كَانُوا (٥) حَوْلَهُمْ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ يَدْنُو يَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَدْنُو مِنْهُ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ (٦)
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" (٧) مِنَ الْآثَارِ فِي خَبَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ابْتَدَعُوا السَّبْتَ فَابْتُلُوا فِيهِ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحِيتَانُ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ، شَرَعَتْ لَهُمُ الْحِيتَانُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ. فَإِذَا انْقَضَى السَّبْتُ، ذَهَبَتْ فَلَمْ تُرَ حَتَّى السَّبْتِ الْمُقْبِلِ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ جَاءَتْ شُرَّعًا، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ حُوتًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ ثُمَّ، ضَرَبَ لَهُ وَتَدًا فِي السَّاحِلِ، وَرَبَطَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْمَاءِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، أَخَذَهُ فَشَوَاهُ فَأَكَلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ، وَلَا يَنْهَاهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إِلَّا عُصْبَةٌ مِنْهُمْ نَهَوْهُ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، فَفُعِلَ عَلَانِيَةً. قَالَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فَقَالُوا: سَخِطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ نَهَوْا، وَثُلْثٌ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وَثُلْثٌ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ، فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ رُجُوعَهُ إِلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ فِي نَجَاةِ السَّاكِتِينَ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حَالَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا نَجَوْا.
وَ ﴿بَئِيسٍ﴾ فِيهِ قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ: "الشَّدِيدُ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "أَلِيمٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: مُوجِعٌ. وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ، وَاللَّهُ أعلم.
(١) في م: "فلما كان يوم السبت".
(٢) في م: "فأتوه".
(٣) في م: "فسألوه عن ذلك فجحدهم".
(٤) في م: "فعدا".
(٥) في ك، م: "ممن كان".
(٦) تفسير الطبري (١٣/١٩٣).
(٧) سورة البقرة الآية: ٦٠.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
( ١٦٤ ) معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك.
وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم.
وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا كأنهم يقولون : لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم اللّه، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه، إما بهلاك أو عذاب شديد.
فقال الواعظون : نعظهم وننهاهم مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي : لنعذر فيهم.
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي : يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم.
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل اللّه أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٦٣} ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي: اسأل بني إسرائيل ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب الله إياهم.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي: كثيرة طافية على وجه البحر.
﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ أي: إذا ذهب يوم السبت ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم (١) الله، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم الله، ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق:
{١٦٤} معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك.
وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم.
(١) كذا في ب، وفي أ: يبليهم.

وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ كأنهم يقولون: لا فائدة في -[٣٠٧]- وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله، إما بهلاك أو عذاب شديد.
فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: لنعذر فيهم.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم.
وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر، والنهي.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم.
﴿أَنْجَيْنَا﴾ من العذاب ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهكذا سنة الله في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم الذين اعتدوا في السبت ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون.
فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٦ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أُمَّةٌ
جَمَاعَةٌ.
مَعْذِرَةً
أَيْ: نَعِظُهُمْ؛ لِنُعْذِرَ إِلَى اللهِ فيهِمْ.

إعراب الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

الفعل عند سيبويه لكثرة استعمالهم إياه وعند أبي العباس لأن الفعل بمعنى المصدر، وقال أبو إسحاق هو على الحكاية أي يوم يقال هذا، ولا يفعل عند سيبويه نفي ليفعلنّ أو هو يفعل إذا أراد المستقبل. كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي نشدّد عليهم في العباد ونختبرهم والكاف في موضع نصب. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بفسقهم.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٤]

وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الأصل «لما» حذفت الألف لأنه استفهام، وقيل:
«ما» حرف خفض. فإذا أوقفت في غير القرآن قلت: لمه الهاء لبيان الحركة.
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ «١» وقرأ عيسى وطلحة مَعْذِرَةً «٢» بالنصب. ونصبه عند الكسائي من جهتين: إحداهما أنه مصدر، والأخرى أن التقدير فعلنا ذلك معذرة.
وقد فرّق سيبويه «٣» بين الرفع والنصب وبيّن أنّ الرفع الاختيار فقال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليمسوا عليه ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة، ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا يريد اعتذارا لنصب. وهذا من دقائق سيبويه رحمه الله ولطائفه التي لا يلحق فيها.

[سورة الأعراف (٧) : آية ١٦٥]

فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)
الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ وفي هذا إحدى عشرة قراءة»
وكان الإعراب أولى بذكرها لما فيها من النحو ولأنه لا يضبط مثلها إلّا أهل الإعراب. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بِعَذابٍ بَئِيسٍ على وزن فعيل، وقرأ أهل مكة بِعَذابٍ بَئِيسٍ بكسر الباء والوزن واحد، وقرأ أهل المدينة «٥» بِعَذابٍ بَئِيسٍ الباء مكسورة وبعدها ياء ساكنة والسين مكسورة منونة، وقرأ الحسن بعذاب بئس بما الباء مكسورة وبعدها همزة ساكنة والسين مفتوحة، وقرأ أبو عبد الرحمن المقرئ بعذاب بئس الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. قال يعقوب القارئ: عن بعض القراء
(١) انظر تيسير الداني ٩٣، وهي قراءة الجمهور.
(٢) انظر تيسير الداني ٩٣، والبحر المحيط ٤/ ٤٠٩.
(٣) انظر الكتاب ١/ ٣٨٢.
(٤) انظر الحجة لابن خالويه ١٤١، وتيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤١٠.
(٥) انظر تيسير الداني ٩٤، والبحر المحيط ٤/ ٤١٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

مَعْذِرَةً إِلَى

(مَعْذِرَةٌ إِلَى) بترقيق الراء ورفع التاء ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها

ورش عن نافع

(مَعْذِرَةٌ إِلَى) بتفخيم الراء ورفع التاء دون سكت أو نقل

إدريس عن خلف قالون عن نافع إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(مَعْذِرَةٌ إِلَى) بتفخيم الراء ورفع التاء والسكت على الساكن قبل الهمزة

خلف عن حمزة

(مَعْذِرَةً إِلَى) بتفخيم الراء ونصب التاء وتحقيق الهمزة دون سكت أو نقل

حفص عن عاصم
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٦٤ من سورة الأعراف

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق معمر، عن قتادة- ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم﴾، قال: هم ثلاثُ فِرَق: الفِرْقَةُ التي وعَظَتْ، والموعوظة التي وُعِظَت، واللهُ أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم﴾؟! ، وقال محمد بن السائب الكلبي-من طريق معمر-: هما فرقتان: الفرقة التي وعَظَتْ، والفرقة التي قالت: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم﴾. قال: هي الموعوظة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠/ ٥٢١.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ عطية (٤/ ٧٢) مستندًا إلى لفظ الآية أنّ بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، مُبَيِّنًا أنّ ما يؤيِّد ذلك «الضمائر في قوله: ﴿إلى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ﴾، فهذه المخاطبة تقتضي مخاطِبًا ومخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنه».
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ يعني: عصابة منهم، وهي الظَّلَمة للواعِظة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾. وذلك أنّ الواعظة نَهَوْهُم عن الحيتان، وخوَّفوهم، فلم ينتبهوا، فرَدَّت عليهم الواعظة، ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ لسُخْطنا أعمالهم، ﴿ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ينزِعون عمّا هم عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١١.
٤
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ولعلهم يتقون﴾، قال: يتركون هذا العملَ الذي هم عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٥١١، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٠١ من طريق أصبغ بن الفرج.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ﴾ يعني: ولكي ينتهوا فيُؤَخَّروا، أو يُعَذَّبوا فينجوا، ﴿ولَعَلَّهُمْ﴾ يعني: ولكي ﴿يَتَّقُونَ﴾ المعاصيَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٧٠.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن سفيان، قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العُمَريِّ العابِدِ في الأمر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر: تَأمُرُ مَن لا يَقبلُ منك؟! قال: يكونُ معذِرةً. وقرأ: ﴿قالُوا مَعذِرَةً إلى رَبِكُم﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

٨ وقفات في هذه الآية

  • (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم) (اللوامون) فئة همهم لوم غيرهم حتى في فعل الخيرات(فلا يبادرون ولا للوم يتركون)

    — عقيل الشمري

  • "معذرة إلى ربكم" واضح أن الله سيسألنا لماذا لم ننكر

    — عبدالله بلقاسم

  • مراعاة المحتسب لعِلَّةِ (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ)، دون عِلَّةِ (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)؛ تجعله يراعي جانبَ المضمون دون الوسيلة.. اجعلهما نصب عينيك، وافرح بهداية الناس.

    — مهند المعتبي

  • للتدبر العميق: ( وإذ قالت أمةٌ منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون ( 164) فلما نسوا ما ذُكِّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذابٍ بئيس ٍبما كانوا يفسقون ( 165) كن من الذين ينهون عن السوء

    — تدبر

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة الأعراف آية 164

    — حازم شومان

  • {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} النصيحة تبرئة للذمة، ورغبة في هداية الناس.

    — مجالس التدبر

  • وقفات مع آيات سورة الأعراف آية 164

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • - 【 لَعَلَّهُمۡ يتضرعون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ يفقهون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ يضرعون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ يذكرون 】. - 【 وَلَعَلَّهُمۡ يتقون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ يرجعون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ ينتهون 】. - 【 لَعَلَّهُمۡ يحذرون】. 【 اعرض نفسك على هذه الآيات 】

    — أحمد عيسى المعصراوى

ترجمات معاني الآية ١٦٤ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(164) And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال