جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه وضيعت ما وعظتها الطائفة الواعظة وذكرتها ما ذكرتها به من تحذيرها عقوبة الله على معصيتها فتقدمت على استحلال ما حرّم الله عليها، أنجى الله الذين ينهون منهم عن السوء، يعني عن معصية الله، واستحلال حرمه. وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا يقول : وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت فاستحلوا فيه ما حرّم الله من صيد السمك وأكله، فأحلّ بهم بأسه وأهلكهم. بِعَذَابٍ شديد بِئِيسٍ بِمَا كانُوا يَفْسُقونَ يخالفون أمر الله، فيخرجون من طاعته إلى معصيته، وذلك هو الفسق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، في قوله : فَلمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ قال : فلما نسوا موعظة المؤمنين إياهم، الذين قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْما.
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا حرميّ، قال : ثني شعبة، قال : أخبرني عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنْجَيْنا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ قال : يا ليت شعري ما السوء الذي نهوا عنه.
وأما قوله : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة :«بِعَذَابٍ بِيسٍ » بكسر الباء وتخفيف الياء بغير همز، على مثال «فِعْل ». وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة والبصرة : بِعَذَابِ بَئِيسٍ على مثل «فعيل » من البؤس، بنصب الباء وكسر الهمزة ومدّها. وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين، غير أنه كسر بار :«بِئِيسٍ » على مثال «فِعِيل ». وقرأه بعض الكوفيين :«بَيْئِسٍ » بفتح الباء، وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة على مثال «فَيْعِلٍ ». وذلك شاذّ عند أهل العربية، لأن «فيعل » إذا لم يكن من ذوات الياء والواو، فالفتح في عينه الفصيح في كلام العرب، وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم : صيقل، ونيرب، وإنما تكسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو، كقولهم : سيد، وميت. وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابس الكنديّ :
| كِلاهُما كانَ رَئِيسا بَيْئِسَا | يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا |
| لَيْتَنِي ألْقَي رُقَيّةَ فِي | خَلْوَةٍ مِنْ غيرِ ما بَئِسِ |
وأولى هذه القراءات عندي بالصواب قراءة من قرأه : بَئِيس بفتح الباء وكسر الهمزة ومدّها على مثال فَعِيل، كما قال ذو الأصبع العدواني :
| حَنَقا عَليّ وَلَنْ تَرَى | لي فِيهِمُ أثَرا بَئِيسا |
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : أخبرني رجل عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ : أليم وجيع.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ قال : شديد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ : أليم شديد.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ قال : موجع.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ قال : بعذاب شديد.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه، وضيَّعت ما وَعظتْها الطائفة الواعظة وذكَّرتها به، (١) من تحذيرها عقوبةَ الله على معصيتها، فتقدّمت على استحلال ما حرم الله عليها (٢) أنجى الله الذين ينهون منهم عن "السوء"= يعني عن معصية الله، واسْتحلال حِرْمه (٣) = "وأخذنا الذين ظلموا"، يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت، فاستحلوا فيه ما حرَّم الله من صيد السمك وأكله، فأحلَّ بهم بأسَه، وأهلكهم بعذاب شديدٍ بئيس بما كانوا يخالفون أمر الله، (٤) فيخرجون من طاعته إلى معصيته، وذلك هو "الفسق". (٥)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٨٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج في قوله: "فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء"، قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنين إياهم، الذين قالوا: "لم تعظون قومًا".
(٢) (٢) انظر تفسير ((النسيان)) فيما سلف من فهارس اللغة (نسى).
(٣) (٣) ((الحرم)) (بكسر فسكون)، ((هو الحرام)).
(٤) (٤) في المطبوعة: ((بما كانوا يفسقون يخالفون))، وقوله ((يفسقون)) كانت في المخطوطة، ولكنه ضرب عليها، فكان حقاً على الناشر أن يحذفها كما فعلت.
(٥) (٥) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
* * *
وأما قوله: "بعذاب بَئيس"، فإنّ القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: (بِعَذَابٍ بِيسٍ) بكسر الباء وتخفيف الياء، بغير همز، على مثال "فِعْل".
* * *
وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة: (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) على مثل "فعيل"، من "البؤس"، بنصب الباء وكسر الهمزة ومدِّها.
* * *
وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين، غير أنه كسر باء: (بِئِيسٍ) على مثال "فِعِيل".
* * *
وقرأه بعض الكوفيين: (بَيْئِسٍ) بفتح الباء وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة، على مثال "فَيْعِل".
* * *
= وذلك شاذ عند أهل العربية، لأن "فَيْعِل" إذا لم يكن من ذوات الياء والواو، فالفتح في عينه الفصيحُ في كلام العرب، وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: "صَيْقَل، ونَيْرَب"، وإنما تُكْسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو كقولهم: "سَيِّد" و"ميِّت"، وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابسٍ الكنديّ:
كِلاهُمَا كَانَ رَئيسًا بَيْئِسَا يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهِيَاجِ القَوْنَسَا (١)
* * *
وذكر عن آخر من الكوفيين أيضًا أنه قرأه: (بَيْئَسٍ)، نحو القراءة التي ذكرناها قبل هذه، وذلك بفتح الباء وتسكين الياء وفتح الهمزة بعد الياء، على مثال "فَيْعَل" مثل "صَيْقَل".
* * *
وروي عن بعض البصريين أنه قرأه: (بَئِسٍ) بفتح الباء وكسر الهمزة، على مثال "فَعِل"، كما قال ابن قيس الرقيَّات:
لَيْتَنِي أَلْقَي رُقَيَّةَ فِي خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَئِسِ (١)
* * *
وروي عن آخر منهم أنه قرأ: (بِئْسَ) بكسر الباء وفتح السين، على معنى: بِئْسَ العذاب.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ من قرأه: (بَئِيسٍ) بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدّها، على مثال "فَعِيل"، كما قال ذو الإصبع العَدْوانيّ:
حَنَقًا عَلَيَّ، وَمَا تَرَى لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئيسَا (٢)
(٢) (٢) الأغاني ٣: ١٠٢، ١٠٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣١ من شعر جيد في ابن عم له كان يعاديه، فكان يتدسس إلى مكارهه، ويؤلب عليه، ويسعى بينه وبين عمه، ويبغيه شراً، فقال فيه:
| وَليَ ابْنُ عَمٍّ لا يَزَا | لُ إِلَىَّ مُنْكَرُه دَسِيسَا |
| دَبَّتْ لَهُ، فأحَسَّ بَعْ | دَ البُرْءِ مِنْ سَقَمٍ رَسِيسَا |
| إِمَّا عَلانِيَةً، وَإِمَّا | مُخْمِرًا أَكْلا وَهِيسًا |
| إِنِّي رَأَيتُ بَني أَبِيـ | ـــكَ يحمِّجُون إِليَّ شُوسَا |
وقوله: ((دبت له))، يعني العداوة. و ((الرسيس)) : أول الحمى، وقوله: ((مخمرا)) أي يستر ما يريد، ((أخمر الشيء)) : ستره. ((الأكل الوهيس)) : الشديد، يعنى ما يغتابه به ويأكل به لحمه. و ((التحميج))، إدامة النظر، والقلب كاره أو محنق. و ((الشوس)) جمع ((أشوس))، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه مغيظاً يتحرق. وكان في المطبوعة: ((ولن ترى))، وأثبت ما في المخطوطة، وإنما جاء بها من الأغاني.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٢٨٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني رجل عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"،: أليم وجيع.
١٥٢٩٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "بعذاب بئيس"، قال: شديد.
١٥٢٩١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "بعذاب بئيس"، أليم شديد.
١٥٢٩٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "بعذاب بئيس" قال: موجع.
١٥٢٩٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: "بعذاب بئيس"، قال: بعذاب شديد.