غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً. وقيل : فلما عتوا تكرير لقوله ﴿فلما نسوا﴾ والعذاب البئيس هو المسخ. عن الحسن : أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة. هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر. وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي هاهنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا ؟ فقيل : فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة «لم تعظون » فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم﴾ بزعمكم. والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية. والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿لم تعظون﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا. بقي الكلام في الثالثة : فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء. وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرئ عليه هذه الآية بكى. وقال : أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئاً. وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي. ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين. ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله تعالى أعلم بالسرائر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطئ بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿وإذ قالت أمة منها﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿أو معذبهم عذاباً شديداً﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿قالوا معذرة إلى ربكم﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿يتقون﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿بعذاب بئيس﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ليبعثن عليهم﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿من يسومهم﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿سوء العذاب﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿وقطعناهم﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿منهم الصالحون﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ومنهم دون ذلك﴾ في القبول ﴿وبلوناهم بالحسنات﴾ وهي الطاعات ﴿والسيئات﴾ وهي المعاصي ﴿لعلهم يرجعون﴾ إلى الحق. وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت. أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حل إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿فخلف﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ورثوا الكتاب﴾ وهو ما ألهم الله تعالى الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ويقولون سيغفر لنا﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا استغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن. وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله تعالى بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى