اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ الآية.
لمَّا شرح قبائح أعمال اليهود ذكر هنا حكمه عليهم بالذل والصَّغارِ إلى يوم القيامة، و " تَأذَّنَ " فيه أوجه، أحدها : أنَّهُ بمعنى :" آذَنَ " أي : أعْلَمَ.
قال الواحديُّ : وأكثر أهل اللغة على أنَّ :" التَّأذَُّن " بمعنى الإيذان، وهو الإعلامُ.
قال الفارسي :" آذَنَ " أعْلَمَ، و " أذَّنَ " نادى وصاح للإعلام، ومنه قوله ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤].
قال : وبعض العرب يُجْرِي " آذَنْتُ " مجرى " تَأذَّنْتُ " فيجعل " آذَنَ وتَأذَّنَ " بمعنى فإذا كان " أذَّنَ " أعلم في لغة بعضهم، ف " أذَّنَ " تفعَّل من هذا.
وقيل : معناه : حَتَّمَ وأوْجبَ وهو معنى قول مجاهد : أمر(١) ربك، وقول عطاء : حكم ربّك(٢).
وقال الزمخشري :" تأذَّن " عزم ربك، وهو تفعَّل من الإيذانِ وهو الإعلامُ ؛ لأنَّ العازمَ على الأمر يُحدِّثُ به نفسه ويؤذنها بفعله، وأجري مُجْرَى فعل القسم ك : عَلِمَ الله، وشَهِدَ الله، ولذلك أجيب بما يجابُ به القسم وهو :" لَيَبْعَثَنَّ ".
وقال الطبريُّ وغيره " تَأذَّنَ " معناه " أعْلَمَ "، وهو قلقٌ من جهة التصريف، إذ نسبةُ " تأذَّنَ " إلى الفاعل غيرُ نسبة " أعْلَمَ "، وبين ذلك فرقٌ من التعدي وغيره.
وقال ابن عباس : تأذَّنَ ربُّك قال ربُّكَ(٣).
قوله :﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ فيه وجها : أصحهما : أنَّهُ متعلقٌ ب : لِيَبَعْثَنَّ.
والثاني : أنَّهُ متعلقٌ ب : تَأذَّنَ نقله أبو البقاء، ولا جائزٌ أن يتعلق ب : يَسُومُهُمْ ؛ لأن " مَنْ " إمَّا موصولةٌ، وإمَّا موصوفةٌ، والصلةُ والصفة لا يعملان فيما قبل الموصول والموصوف.

فصل


الضمير في عليهم يقتضي رجوعه إلى الذين :﴿عتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ لكنَّهم قد مسخوا، فلم يستمر عليهم التَّكليف ؛ فلذلك اختلفوا :
فقيل : المراد نسلهم.
وقيل : المراد سائر اليهود، فإنَّ أهل القرية كانوا فرقتين، فالمتعدِّي مسخ، وألْحَقَ الذُّلَّ بالبقيَّةِ.
وقال الأكثرون : هُمُ اليهُودَ الذين كانُوا في زمن الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - ؛ لأن المقصودَ من الآية تخويفهم وزجرهم، وهذا العذابُ في الدُّنْيَا، لأنه نص على أنَّ ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة ثمَّ اختلفوا فيه :
فقيل : هو أخذ الجزيةِ.
وقيل : الاستخفافُ والإهانةُ لقوله تعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا﴾ [آل عمران: ١١٢] وقيل : القتل والجلاء الذي وقع بأهل خيبر وبني قريظة والنضير.

فصل


دلَّت هذه الآية على أنَّ اليهود لا دولة لهم ولا عزَّ، وأن الذُّلَّ والصغار لا يفارقهم، وقد ورد في الحديث : أن أتباع الدَّجَّالِ هم اليهود(٤) فإن صحَّ فمعناه : أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً، ثم دانوا بإلهيته ؛ فذكروا بالاسم الأول، ولوا ذلك لكانوا في وقت اتباعهم الدَّجَّال قد خرجوا عن الذلةِ والقهرِ، وهو خلاف الآيةِ.
ثم قال :﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾ والمراد التَّحذيرُ من عذابه في الآخرة مع الذِّلةِ في الدُّنيا ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن تاب من الكُفْرِ، واليهوديَّةِ، وآمن باللَّهِ وبرسوله.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/١٠٢) عن مجاهد..
٢ ذكره البغوي في تفسيره (٢/٢٠٩)..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ أخرجه مسلم (٤/٢٢٦٦) كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب في بقية من أحاديث الدجال حديث (١٢٤/٢٩٤٤) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى