فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ معطوف على ما قبله، أي واسألهم وقت تأذن ربك، وتأذن تفعل من الإيذان، وهو الإعلام. قال أبو علي الفارسي : آذن بالمد أعلم، وأذّن بالتشديد نادى. وقال قوم : كلاهما بمعنى أعلم، كما يقال : أيقن وتيقن، والمعنى في الآية : واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قيل : وفي هذا الفعل معنى القسم كعلم الله، وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، حيث قال :﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي : ليرسلنّ عليهم ويسلّطن، كقوله :﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ غاية لسومهم سوء العذاب ممن يبعثه الله عليهم، وقد كانوا أقماهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل، وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية، في كل قطر من أقطار الأرض، في الذلة المضروبة عليهم والعذاب والصغار، يسلمون الجزية بحقن دمائهم، ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار. ومعنى ﴿يَسُومُهُمْ﴾ يذيقهم. وقد تقدّم بيان أصل معناه، ثم علل ذلك بقوله :﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾ يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي : كثير الغفران والرحمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله :﴿يَسُومُهُمْ سُوء العذاب﴾ قال محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب : الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، قال ﴿سُوء العذاب﴾ الخراج. وفي قوله :﴿وقطعناهم﴾ قال : هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس منها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، في قوله :﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قال : على اليهود والنصارى ﴿إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب﴾ فبعث الله عليهم أمة محمد ﷺ، يأخذون منهم الجزية، وهم صاغرون ﴿وقطعناهم فِي الأرض أُمَمًا﴾ قال : يهود ﴿مّنْهُمُ الصالحون﴾ وهم مسلمة أهل الكتاب ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ قال : اليهود ﴿وبلوناهم بالحسنات﴾ قال : الرخاء والعافية ﴿والسيئات﴾ قال : البلاء والعقوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ بالخصب والجدب.
وأخرج أبو الشيخ عنه، أنه سئل عن هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى﴾ قال : أقوام يقبلون على الدنيا، فيأكلونها، ويتبعون رخص القرآن ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قال : النصارى ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى﴾ قال : ما أشرف لهم من شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه، ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا الغد مثله يأخذوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية يقول : يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي زيد، في قوله :﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ قال : علموا ما في الكتاب، لم يأتوه بجهالة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله :﴿والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب﴾ قال : هي لأهل الإيمان منهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله :﴿والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب﴾ قال : من اليهود والنصارى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى