الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ : فيه وجهان، أظهرهما : أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ [ أوجه ]، أحدُهما : الجملة من قوله :" إنَّا لا نُضيع أَجْرَ المُصْلحين " وفي الرابط حينئذ أقوال، أحدها : أنه ضميرٌ محذوفٌ لفَهْم المعنى. والتقدير : المُصْلحين منهم، وهذا على قواعد جمهور البصريين وقواعد الكوفيين تقتضي أن أل قائمةٌ مَقام الضمير تقديره : أَجْر مصلحيهم كقوله :﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]، أي : مَأْواه، وقوله :
﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، أي أبوابها، وقوله :﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم: ٣]، أي أرضهم، إلى غير ذلك. والثاني : أن الرابطَ تكرُّرُ المبتدأ بمعناه نحو : زيد قام أبو عبد الله وهو رأيُ الأخفش، وهذا كما يُجيزه في الموصول نحو : أبو سعيدٍ الذي رويتُ عن الخدريّ، والحجَّاج الذي رأيت ابنُ يوسف، وقد قدَّمْت من ذلك شواهد كثيرة. الثالث : أن الرابطَ هو العمومُ في " المُصْلحين " قاله أبو البقاء، قال :" وإن شِئْتَ قلت : لمَّا كان المصلحون جنياً والمبتدأ واحد منه استغنيت عن ضمير ". قلت : العمومُ رابطٌ من الروابط الخمسة وعليه قولُه :
ألا ليت شعري هَلْ إلى أمِّ سالمٍسبيلٌ فأمَّا الصبر عنها فلا صبرا
ومنه " نِعْم الرجل زيد " على أحدِ الأوجه.
والوجه الثاني من وجهَيْ الخبر أنه محذوف تقديره : والذين يمسكون مأجورون أو مُثابون ونحوه، وقوله :" إنَّا لا نضيع " جملةٌ اعتراضية، قاله الحوفي، ولا ضرورة إلى ادِّعاء مثلِه.
الثاني من وجهي " والذين يُمْسكون " : أنه في محل جر نسقاً على " للذين يتقون "، أي : ولَدار الآخرة خيرٌ للمتقين وللمتمسكين، قاله الزمخشري، إلا أنه قال :" ويكون قوله " إنَّا لا نُضيع اعتراضاً ". وفيه نظرٌ لأنه لم يقعْ بين شيئين متلازمَيْن ولا بين/ شيئين بينهما تعلُّقٌ معنويٌّ فكان ينبغي أن يقولَ : ويكون على هذا مستأنفاً.
وقرأ العامَّة :" يُمَسِّكون " بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي : إنَّ فَعَّل بمعنى تَفَعَّل، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في : تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم ورُوِيت عن أبي عمرو وأبي العالية :" يُمْسِكون " بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمْسَك، وهما لغتان يقال : مَسَكْت وأَمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله :
ولا تُمَسِّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمَتْإلا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيلُ
ولكن أمسك متعدّ. قال تعالى :﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ﴾ فعلى هذا مفعولُه محذوفٌ تقديرُه :" يُمْسِكون دينَهم وأعمالهم بالكتاب "، فالباءُ يجوز أن تكونَ للحال وأن تكونَ للآلة، أي : مصاحبين للكتاب، أي لأوامره ونواهيه. وقرأ الأعمش وهي قراءة عبد الله " استمسكوا ". وأُبَيّ " تَمَسَّكوا " ماضيَيْن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى