زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ فيه سبعة أقوال :
أحدها :﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ أشككهم في آخرتهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أرغبهم في دنياهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي : من قبل حسناتهم، ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل سيئاتهم، قاله ابن عباس.
والثاني : مثله، إلا أنهم جعلوا ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الدنيا، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآخرة، قاله النخعي، والحكم بن عتيبة.
والثالث : مثل الثاني، إلا أنهم جعلوا ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل الحق أصدهم عنه، ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الباطل أردهم إليه، قاله مجاهد، والسدي.
والرابع :﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من سبيل الحق، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من سبيل الباطل، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل آخرتهم، ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من أمر الدنيا، قاله أبو صالح.
والخامس :﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حيث يبصرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون، نقل عن مجاهد أيضا.
والسادس : أن المعنى : لأتصرفن لهم في الإضلال من جميع جهاتهم، قاله الزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. فعلى هذا، يكون ذكر هذه الجهات، للمبالغة في التأكيد.
والسابع :﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فيما بقي من أعمارهم، فلا يقدمون فيه على طاعة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فيما مضى من أعمارهم، فلا يتوبون فيه من معصية، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من قبل الغنى، فلا ينفقونه في مشكور ﴿وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من قبل الفقر، فلا يمتنعون فيه من محظور، قاله الماوردي.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : موحدين، قاله ابن عباس.
والثاني : شاكرين لنعمتك، قاله مقاتل. فإن قيل : من أين علم إبليس ذلك ؟ فقد أسلفنا الجواب عنه في سورة النساء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى