اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾.
يجوزُ في " ما " أوجه :
أحدها : أن تكون استفهامية في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ " بصَاحبهم " أي : أيُّ شيء استقرَّ بصاحبهم من الجُنُونِ ؟ ف : الجِنَّة : مصدرٌ يراد بها الهيئة، ك : الرِّكْبَةِ، والجلسة.
وقيل : المراد بالجِنَّة : الجِنُّ، كقوله ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ [الناس: ٦] ولا بدَّ حينئذٍ من حذف مضافٍ. أي : مَسِّ جنة، أو تخبيط جنَّة.
والثاني : أنَّ " ما " نافية، أي : ليس بصاحبهم جنون، ولا مسُّ جِنّ. وفي هاتين الجملتين أعني الاستفهامية أو المنفية، فيهما وجهان :
أظهرهما : أنَّهما في محلِّ نصب بعد إسقاط الخافض ؛ لأنَّهُمَا علَّقا " التَّفكُّر " ؛ لأنَّهُ من أفعال القلوب.
والثاني : أنَّ الكلام تمَّ عند قوله :﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾، ثمَّ ابتدأ كلاماً آخر، إمَّا استفهام إنكار، وإمَّا نفياً.
وقال الحوفيُّ إنَّ " مَا بِصَاحبِهِم " معلقةٌ لفعلٍ محذوف، دلَّ عليه الكلامُ، والتقديرُ : أو لم يتفكروا فيعلمُوا ما بصاحبهم.
قال : و " تفكَّر " لا يعلَّقُ ؛ لأنَّهُ لم يدخل على جملة. وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أن فعل القَلْبِ المتعدِّي بحرف جرٍّ أو إلى واحد إذا عُلِّقَ هل يبقى على حاله أو يُضَمَّن ما يتعدَّى لاثنينِ ؟
الثالث : أن تكون " ما " موصولة بمعنى " الذي "، تقديره : أو لم يتفكَّرُوا في الذي بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم، وعلى قولنا : إنَّهَا نافيةٌ يكونُ " مِن جِنَّةٍ " مبتدأ، ومِنْ مزيدةٌ فيه، وبِصَاحِبِهم خبره، أي : مَا جِنَّةٌ بِصَاحِبِهم.

فصل


دخول " مِنْ " في قوله من جنَّةٍ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون.
قال الحسنُ وقتادةُ : إنَّ النبيَّ ﷺ قام ليلةً على الصَّفَا يدعو قريشاً فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يا بني فلان، يُحذرُهم بأسَ الله وعقابه.
فقال قَائِلُهُمْ : إنَّ صاحبكم هذا المجنون، بات يُصوِّت إلى الصَّباحِ، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية(١).
وقيل : إنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام كان يَغْشَاهُ حالة عجيبة عند نزولِ الوحي فيتغيَّر وجهه ويصفر لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، والجهال كانوا يقولون : إنَّهُ جُنُونٌ، فبيَّنَ اللَّهُ تعالى في هذه الآية أنَّه ليس بمجنون إنَّمَا هُو نذير مبينٌ من ربِّ العالمين.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/١٣٤-١٣٥) عن قتادة مرسلا.
وذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٢٧٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى