تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
أمره الله تعالى أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى :﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. [ إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ]﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧](١)
وقوله :﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال : لو كنت أعلم متى أموت، لعملت عملا صالحا.
وكذلك روى ابن أبي نجِيح عن مجاهد : وقال مثله ابن جُرَيْج.
وفيه نظر ؛ لأن عمل رسول الله ﷺ كان دَيمة. وفي رواية : كان إذا عمل عملا أثبته(٢)
فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله، عز وجل، في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المرادُ أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم.
والأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس :﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي : من المال. وفي رواية : لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما(٣) أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، وما مسني السوء، قال : ولا يصيبني الفقر.
وقال ابن جرير : وقال آخرون : معنى ذلك : لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت(٤) الغَلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم :﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال : لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون، واتقيته.
ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي : نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى :﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]
١ زيادة من م، أ.
.

٢ رواه مسلم في صحيحه برقم (٧٨٣) من حديث عائشة، رضي الله عنها..
٣ في م: "مما"..
٤ في أ: "ولوقت"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى