تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم، عليه السلام، وأنه خلق منه زوجه(١) حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ](٢)﴾ الآية [النساء: ١].
وقال في هذه الآية الكريمة :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي : ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين زَوْجين أعظم مما بين الزوجين ؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي : وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النُّطفة، ثم العَلَقة، ثم المُضغة.
وقوله :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد : استمرت بحمله. وروي عن الحسن، وإبراهيم النَّخَعَي، والسُّدِّي، نحوه.
وقال ميمون بن مهران : عن أبيه استخفته.
وقال أيوب : سألت الحسن عن قوله :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال : لو كنت رجلا عربيًا لعرفت ما هي. إنما هي : فاستمرت به.
وقال قتادة :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ واستبان حملها.
وقال ابن جرير :[ معناه ](٣) استمرت بالماء، قامت به وقعدت.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس : استمرت به، فشكت : أحملت(٤) أم لا.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي : صارت ذات ثقل(٥) بحملها.
وقال السدي : كبر الولد في بطنها.
﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي : بشرا سويا، كما قال الضحاك، عن ابن عباس : أشفقا أن يكون بهيمة.
وكذلك(٦) قال أبو البَخْتري وأبو مالك : أشفقا ألا يكون إنسانًا.
وقال الحسن البصري : لئن آتيتنا غلامًا.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقال العَوْفي، عن ابن عباس قوله في آدم :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شَكَّت(١٨) أحَبَلتْ أم لا ؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال : هل تدريان ما يولد لكما ؟ أم هل تدريان ما يكون ؟ أبهيمة(١٩) يكون أم لا ؟ وزيَّن لهما الباطل ؛ إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان : إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويا، ومات كما مات الأولان(٢٠) فسميا ولدهما " عبد الحارث "، فذلك قول الله [ تعالى ](٢١) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.
وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال : قال الله تعالى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ [ حَمْلا خَفِيفًا ]﴾(٢٢) فأتاهما إبليس - لعنه الله - فقال : إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لَتطيعُنِّي أو لأجعلنَّ قرني له(٢٣) أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنَّ ولأفعلنَّ - يخوفهما - فسمِّياه " عبد الحارث " فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثانية، فأتاهما أيضا فقال : أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلُنَّ أو لأفعلَنَّ - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا، فذكر لهما، فأدركهما حبُّ الولد، فسمياه " عبد الحارث "، فذلك قوله :﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. ومن الطبقة الثانية : قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر(٢٤) حدثنا سعيد - يعني ابن بشير - عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال(٢٥) لها : أتطيعيني ويَسْلَم لك ولدك ؟ سميه " عبد الحارث "، فلم تفعلْ، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل. ثم حملت الثالث فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بَهِيمة، فهيَّبهما فأطاعا.
وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال :" إذا حَدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم "، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام : فمنها : ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله. ومنها ما علمنا كذبه، بما دُلَّ على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا. ومنها : ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله، عليه السلام :" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حَرج " وهو الذي لا يصدَّق ولا يكذب، لقوله :" فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ". وهذا الأثر :[ هل ](٢٦) هو من القسم الثاني أو الثالث ؟ فيه نظر. فأما من حدث به من صحَابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري، رحمه الله، في هذا [ والله أعلم ](٢٧) وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ؛ ولهذا قال الله :﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
وقال في هذه الآية الكريمة :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي : ليألفها ويسكن بها، كما قال تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فلا ألفة بين زَوْجين أعظم مما بين الزوجين ؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي : وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النُّطفة، ثم العَلَقة، ثم المُضغة.
وقوله :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد : استمرت بحمله. وروي عن الحسن، وإبراهيم النَّخَعَي، والسُّدِّي، نحوه.
وقال ميمون بن مهران : عن أبيه استخفته.
وقال أيوب : سألت الحسن عن قوله :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال : لو كنت رجلا عربيًا لعرفت ما هي. إنما هي : فاستمرت به.
وقال قتادة :﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ واستبان حملها.
وقال ابن جرير :[ معناه ](٣) استمرت بالماء، قامت به وقعدت.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس : استمرت به، فشكت : أحملت(٤) أم لا.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي : صارت ذات ثقل(٥) بحملها.
وقال السدي : كبر الولد في بطنها.
﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي : بشرا سويا، كما قال الضحاك، عن ابن عباس : أشفقا أن يكون بهيمة.
وكذلك(٦) قال أبو البَخْتري وأبو مالك : أشفقا ألا يكون إنسانًا.
وقال الحسن البصري : لئن آتيتنا غلامًا.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال : قال الله تعالى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم ﴿حَمَلَتْ [ حَمْلا خَفِيفًا ]﴾(٢٢) فأتاهما إبليس - لعنه الله - فقال : إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لَتطيعُنِّي أو لأجعلنَّ قرني له(٢٣) أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنَّ ولأفعلنَّ - يخوفهما - فسمِّياه " عبد الحارث " فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثانية، فأتاهما أيضا فقال : أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلُنَّ أو لأفعلَنَّ - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة فأتاهما أيضا، فذكر لهما، فأدركهما حبُّ الولد، فسمياه " عبد الحارث "، فذلك قوله :﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. ومن الطبقة الثانية : قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر(٢٤) حدثنا سعيد - يعني ابن بشير - عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال(٢٥) لها : أتطيعيني ويَسْلَم لك ولدك ؟ سميه " عبد الحارث "، فلم تفعلْ، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل. ثم حملت الثالث فجاءها فقال : إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بَهِيمة، فهيَّبهما فأطاعا.
وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال :" إذا حَدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم "، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام : فمنها : ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله. ومنها ما علمنا كذبه، بما دُلَّ على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا. ومنها : ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله، عليه السلام :" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حَرج " وهو الذي لا يصدَّق ولا يكذب، لقوله :" فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ". وهذا الأثر :[ هل ](٢٦) هو من القسم الثاني أو الثالث ؟ فيه نظر. فأما من حدث به من صحَابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري، رحمه الله، في هذا [ والله أعلم ](٢٧) وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ؛ ولهذا قال الله :﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
١ في د: "زوجته"..
٢ زيادة من م، أ.
.
٣ زيادة من أ..
٤ في د، ك، م، أ: "أحبلت"..
٥ في م: "أثقل"..
٦ في أ: "وكذا"..
٢ زيادة من م، أ.
.
٣ زيادة من أ..
٤ في د، ك، م، أ: "أحبلت"..
٥ في م: "أثقل"..
٦ في أ: "وكذا"..