التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أمر الله - تعالى - رسوله ﷺ أن يبين للناس أن كل الأمور بيد الله - تعالى -، وأن علم الغيب كله مرجعة إليه - سبحانه - فقال :
﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ أى : لا أملك لأجل نفسى جلب نفع ما ولا دفع ضرر ما.
وقوله ﴿لِنَفْسِي﴾ متعلق بأملك. أو بمحذوف وقع حالا من ﴿نَفْعاً﴾ والمراد : لا أملك ذلك في وقت من الأوقات.
وقوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ استثناء متصل. أى لا أملك لنفسى نفعا ولا ضراً في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله بأن يمكننى من ذلك، فإننى حينئذ أملكه بمشيئته.
وقيل الاستثناء منقطع، أى لكن ما شاء الله من ذلك كائن.
وقوله ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِيَ السواء﴾ أى : لكانت حالى - كما قال الزمخشرى - على خلاف ما هى عليه من استكثار الخير، واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسنى شىء منها ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب، ورابحا وخاسرا في التجارات ومصيبا ومخطئا في التدابير ".
قال الجمل : فإن قلت : قد أخبر ﷺ عن المغيبات وقد جاءت أحاديث في الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته فكيف نوفق بينه وبين قوله - تعالى - ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب﴾.. الخ.. ؟ قلت : يحتمل أنهقاله على سبيل التواضع والأدب، والمعنى : لا أعلم الغيب إلا أن يطلعنى الله عليه ويقدره لى.
ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله على علم الغيب. فلما أطلعه الله أخبر به كما قال - تعالى - ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم، ثم بعد ذلك أظهره - سبحانه - على أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته.
ثم بين القرآن وظيفة الرسول ﷺ في قوله ﴿إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أى : ما أنا إلا بعد أرسلنى الله نذيراً وبشيراً، وليس من مهمتى أو وظيفتى معرفة علم الغيب.
وقوله ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يتعلق بقوله ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ جميعا لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالإنذار والتبشير، ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿بَشِيرٌ﴾ وحده، وعليه يكون متعلق النذير محذوف أى : للكافرين. وحذف للعلم به :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى