تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ١٨٨ وقوله تعالى :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ قال بعض أهل التأويل : قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ الهدى والضلالة.
وقال قائلون من أهل التأويل :﴿لا أملك﴾ جرّ النفع [ إلى نفسي ](١) ولا دفع الضر عنها ﴿إلا ما شاء الله﴾ إلا أن أقدرني الله على ذلك، فأملك ذلك.
ويشبه أن يكون قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ قال(٢) ذلك لئلا يتخذوه معبودا، ولا ينسبوه إلى الله بالذي لا تليق النسبة به ما قالت النصارى : المسيح ابن الله، وقال اليهود : عزير ابن الله، (٣) وقال مشركو العرب : الملائكة بنات الله لعظيم ما وقع عندهم عنهم من محل هؤلاء وقدرهم، فقال ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب أولئك، أظهر من نفسه العجز والعبادة، وهو ما قال عيسى :﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ الآية :[مريم: ٣٠]
وقال ابن عباس في قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ وذلك أن أهل مكة قالوا : ألا يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة ؟ فتتّجر فيها، فتربح، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة ؟ أو يخبرك بوقت السعة والخصب ؟ فقال عند ذلك :﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ من جدوبة الأرض والقحط ﴿لاستكثرت من الخير﴾ [ يقول : لتهيّأت لذلك ﴿وما مسّني السوء﴾ من الضر والشدة. إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.
وقالوا في قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ لو(٤) كنت أعلم الغيب متى أموت ؟ لاستكثرت من الخير ](٥) ومن العمل الصالح.
ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه، لأنه إن كان لا يعلم متى يموت ؟ لا يستكثر من الخير ومن العمل الصالح. أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال بعضهم. وهذا بعيد.
ولكن التأويل، والله أعلم، أن يجعل قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ أي لا أعلم لكم نفعا ولا ضرا ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ عند الله ؛ أي لو كنت أعلم كل ذلك لصدّقتموني، وآمنتم بي ﴿لاستكثرت من الخير﴾ عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي، أو أن يقول(٦) ﴿لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ ولو كنت أملك لكم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنكم إذا رأيتموني أملك لكم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنكم إذا رأيتموني أملك لكم دفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب لآمنتم بي، وصدّقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا ؛ يجعل قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ جواب ما تقدم من الكلام، والله أعلم.
وقال بعضهم : قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ أي(٧) لا أعلم الغيب إلا قدر ما أوحي إليّ ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾. وقال بعضهم : لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إليّ، ولو كنت أعلم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ بذلك.
وحاصل التأويل في قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ ما ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا لأهله ولأصحابه، أو ما ذكرنا أي لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ضرر ما غاب أيضا لآمنتم بي، وصدّقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا.
وجائز أن يكون قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ أي لو كنت أعلم من المصدّق ؟ ومن المكذّب ؟ ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه يرد، ولا يجيب، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب، ولا يكذّب، فيستكثر أتباعه والمطيعين لله.
[ وقوله تعالى :﴿وما مسّني السوء﴾ ](٨) قال بعضهم : هو صلة قوله :﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ [الأعراف: ١٨٤] كانوا يقولون : إن به جنونا(٩)، فقال :﴿وما مسني السوء﴾ من النسبة إلى الجنون [ وقال بعضهم ](١٠) :﴿وما مسّني السوء﴾ منكم سوء رد وتكذيب ؛ لأنه لو علم عليه الذي يجيبه، ويصدّقه، من الذي لا يجيبه، ولا يصدّقه، لم يمسّه سوء منه :[ سوء ](١١) الرد والأذى لأنه لا يشتغل به بعد ما أقام عليه الحجة من المجيب [ منهم ومن الرد بقوله ](١٢) تعالى :﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾.
وقال قائلون من أهل التأويل :﴿لا أملك﴾ جرّ النفع [ إلى نفسي ](١) ولا دفع الضر عنها ﴿إلا ما شاء الله﴾ إلا أن أقدرني الله على ذلك، فأملك ذلك.
ويشبه أن يكون قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ قال(٢) ذلك لئلا يتخذوه معبودا، ولا ينسبوه إلى الله بالذي لا تليق النسبة به ما قالت النصارى : المسيح ابن الله، وقال اليهود : عزير ابن الله، (٣) وقال مشركو العرب : الملائكة بنات الله لعظيم ما وقع عندهم عنهم من محل هؤلاء وقدرهم، فقال ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب أولئك، أظهر من نفسه العجز والعبادة، وهو ما قال عيسى :﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ الآية :[مريم: ٣٠]
وقال ابن عباس في قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ وذلك أن أهل مكة قالوا : ألا يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة ؟ فتتّجر فيها، فتربح، أو لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة ؟ أو يخبرك بوقت السعة والخصب ؟ فقال عند ذلك :﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ من جدوبة الأرض والقحط ﴿لاستكثرت من الخير﴾ [ يقول : لتهيّأت لذلك ﴿وما مسّني السوء﴾ من الضر والشدة. إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.
وقالوا في قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ لو(٤) كنت أعلم الغيب متى أموت ؟ لاستكثرت من الخير ](٥) ومن العمل الصالح.
ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه، لأنه إن كان لا يعلم متى يموت ؟ لا يستكثر من الخير ومن العمل الصالح. أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال بعضهم. وهذا بعيد.
ولكن التأويل، والله أعلم، أن يجعل قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ أي لا أعلم لكم نفعا ولا ضرا ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ عند الله ؛ أي لو كنت أعلم كل ذلك لصدّقتموني، وآمنتم بي ﴿لاستكثرت من الخير﴾ عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي، أو أن يقول(٦) ﴿لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ ولو كنت أملك لكم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنكم إذا رأيتموني أملك لكم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنكم إذا رأيتموني أملك لكم دفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب لآمنتم بي، وصدّقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا ؛ يجعل قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ جواب ما تقدم من الكلام، والله أعلم.
وقال بعضهم : قوله :﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾ أي(٧) لا أعلم الغيب إلا قدر ما أوحي إليّ ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾. وقال بعضهم : لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إليّ، ولو كنت أعلم ذلك ﴿لاستكثرت من الخير﴾ بذلك.
وحاصل التأويل في قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ ما ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا لأهله ولأصحابه، أو ما ذكرنا أي لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ضرر ما غاب أيضا لآمنتم بي، وصدّقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا.
وجائز أن يكون قوله :﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ أي لو كنت أعلم من المصدّق ؟ ومن المكذّب ؟ ﴿لاستكثرت من الخير﴾ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه يرد، ولا يجيب، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب، ولا يكذّب، فيستكثر أتباعه والمطيعين لله.
[ وقوله تعالى :﴿وما مسّني السوء﴾ ](٨) قال بعضهم : هو صلة قوله :﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ [الأعراف: ١٨٤] كانوا يقولون : إن به جنونا(٩)، فقال :﴿وما مسني السوء﴾ من النسبة إلى الجنون [ وقال بعضهم ](١٠) :﴿وما مسّني السوء﴾ منكم سوء رد وتكذيب ؛ لأنه لو علم عليه الذي يجيبه، ويصدّقه، من الذي لا يجيبه، ولا يصدّقه، لم يمسّه سوء منه :[ سوء ](١١) الرد والأذى لأنه لا يشتغل به بعد ما أقام عليه الحجة من المجيب [ منهم ومن الرد بقوله ](١٢) تعالى :﴿إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾.
١ من م، في الأصل: والنفسي..
٢ من م، في الأصل: وقال..
٣ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]..
٤ أدرج قبلها في م: وقال بعضهم..
٥ ساقطة من م..
٦ في الأصل وم: يقال..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ في الأصل وم: و..
٩ في الأصل وم: جنون..
١٠ في الأصل وم: ويقول..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: منكم ومن الرد وقوله..
٢ من م، في الأصل: وقال..
٣ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]..
٤ أدرج قبلها في م: وقال بعضهم..
٥ ساقطة من م..
٦ في الأصل وم: يقال..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ في الأصل وم: و..
٩ في الأصل وم: جنون..
١٠ في الأصل وم: ويقول..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: منكم ومن الرد وقوله..