اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.
اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك.
قال ابنُ عبَّاسٍ : المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عليه الصلاة والسلام(١) - ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عليه الصلاة والسلام - من غير أذَى ليسكن إليها أي : ليأنس بها ويأوي إليها قالوا : والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم : أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ.
قال ابنُ الخطيبِ : وهذا مشكل ؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم ؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء ؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء ؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول : المرادُ من كلمة مِنْ في قوله :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه.
قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ " هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ "
والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - " في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون " والمُرادُ : نوعه.
وقال تعالى :﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي : وخلق من نوع الإنسان زوجٍ آدم، أي : جعل زوج آدم إنساناً مثله، " فلمَّا تَغشَّاهَا " أي واقعها وجامعها :﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها :" فَمَرَّتْ بِهِ " أي : استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها.
قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ : حَمْل وحِمْل.
وحكى يعقوب في حمل النَّخْلةِ : الكسر، والحمل في الآية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك : حَمَلْتُ زيداً.
قوله :" فَمَرَّتْ " الجمهور على تشديد الراء، أي : استمرت به، أي : قامت وقعدت.
وقيل : هو على القلب أي : فمَرَّ بها أي : استمرَّ ودام.
وقرأ ابنُ عبَّاسٍ(٢) : وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب : فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان :
أحدهما : أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة :﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ.
والثاني : أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي : فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض ؟
وقرأ عبدُ الله(٣) بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ : فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما : أنَّها من :" مَارَ، يمُورُ " إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي : جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ " فَعَلَتْ " والأصلُ " مَوَرَتْ " ثم قلبت الواو ألفاً فهو ك : طَافَتْ، تَطُوفُ.
والثاني : أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه " فَاعلَتْ ".
والأصْلُ " مَارَيتْ " ك " ضَارَبَتْ " فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو ك : بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ(٤) بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ : فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة.
وقرأ أبيّ(٥) فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في " فَمَارَتْ " أي : أنَّهُ يجوز أن يكون من " المِرْيَة "، والأصلُ : اسْتَمْريَتْ وأن يكون من " المَوْرِ "، والأصلُ : اسْتَمْورَتْ.
قوله :" فَلمَّا أثقَلَتْ " أي : صَارتْ ذات ثقل ودنت ولادتها كقولِهِمْ ألبَنَ الرَّجُلُ، وأتْمَرَ أي : صار ذَا لبَنٍ وتَمْرٍ.
وقيل : دخلت في الثقل ؛ كقولهم : أصبح وأمسى، أي : دخل في الصَّباح والمساءِ، وقرئ(٦) أثْقِلَتْ مبنيّاً للمفعُولِ.
قوله :" دَعَوا اللَّهَ " متعلَّقُ الدُّعاء محذوفٌ لدلالة الجملة القسميَّةِ عليه، أي : دعواهُ في أن يُؤتيهُمَا ولداً صالحاً.
قوله :" لَئِنْ آتيْتَنَا " هذا القسمُ وجوابه فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ مُفَسِّرٌ لجملة الدُّعاءِ كأنه قيل :
فما كان دعاؤهما ؟
فقيل : كان دعاؤهما كيت وكيت ؛ ولذلك قلنا إنَّ هذه الجملة دالةٌ على متعلق الدُّعاءِ.
والثاني : أنَّهُ معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، تقديره : فقالا لئن آتيتنا، ولنكُوننَّ جوابُ القسم، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ على ما تقرَّر.
وصَالِحاً فيه قولان أظهرهما : أنه مفعولٌ ثان، أي : ولداً صالحاً.
والثاني : قال مكي إنه نعتُ مصدر محذوف، أي : إيتاءً صالحاً، وهذا لا حاجة إليه، لأنه لا بد من تقدير المؤتى لهما.
قال المفسِّرون : المعنى لَئِنْ آتيتنا صالحاً بشراً سويّاً مثلنا لنكوننَّ من الشَّاكرين.
وكانت القصةُ أنَّهُ لمَّا حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما الذي في بطنكِ ؟
قالت : ما أدْرِي، قال : إني أخافُ أن يكُون بهيمةً، أو كلباً، أو خنزيراً، وما يُدريك من أين يَخْرُجُ ؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من فيك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حوَّاءُ من ذلك وذكرته لآدم، فلم يزالاَ في هُمّ من ذلك، ثمَّ عاد إليها فقال : إني من اللَّهِ بمنزلةٍ فإن دعوتُ الله أن يجعله خلقاً سويّاً مثلك، ويُسهِّل عليك خروجه تسميه عبد الحارثِ.
وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم.
فقال : لعلَّهُ صاحبنا الذي قد علمت ؛ فعاودها إبليس، فلم يزل بها حتَّى غرَّها ؛ فلمَّا ولدْتهُ سمَّيَاهُ عبد الحارثِ.
وروي عن ابن عباسٍ، قال : كانت حوَّاءُ تلدُ فتسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فيصيبهم الموتُ، فأتاهما إبليسُ، وقال : إن سَرَّكُمَا أن يعيش لكما ولدٌ فسمياه عبد الحارث ؛ فولدت فسمياهُ عبد الحارث فعاش، وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض.
واعلم أن هذا التأويل فاسدٌ لوجوه :
أحدها : قوله تعالى :﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فدلَّ على أن الذين أتوا بهذا الشركِ جماعةٌ.
وثانيها : قال بعدهُ :﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا يدلُّ على أن المقصود من الآية : الرَّد على من جعل الأصنام شركاء للَّهِ تعالى، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
وثالثها : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركُون من لا يخلُقُ ؛ لأن العاقلَ إنَّما يُذْكَرُ بصيغة من.
ورابعها : أنَّ آدم - عليه السَّلام - كان من أشدّ النَّاس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماءِ كما قال تعالى :﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فلا بد وأن يكُون قد علم أن اسم إبليس هو الحارثُ، فمع العداوة الشَّديدة التي بينهُمَا ومع علمه بأنَّ اسم إبليس الحارث كيف يسمِّي ولدهُ بعبد الحارث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماءُ بحيث لم يجد سوى هذا الاسم ؟
وخامسها : أنَّ أحدنا لو حصل له ولد فجاءهُ إنسان، ودعاه إلى أن يسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم - عليه السلام - مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا﴾ وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر ؟
وسادسها : أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إمَّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له، بمعنى أنَّهُ أخبر بهذا اللفظ أنَّهُ عبد الحارثِ، فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - اعتقد أنَّ لله شريكاً في الخلق والإيجاد، وذلك يُوجبُ الجزم بكُفْر آدم، وذلك لا يقوله عاقل ؛ فثبت فساد هذا القول.
وإذا عُرِفَ ذلك لنقُولُ في تأويل الآية وجوه :
الأول : قال القفالُ(٧) - رحمه الله - إنَّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضَرْب المثل وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، كأنَّهُ تعالى يقولُ : هو الذي خلق كُلَّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلمَّا تغشَّى الزَّوج زوجته وظهر الحمل دعا الزَّوج والزَّوجة ربهما إن أتانا ولداً صالحاً سويّاً لنكونن من الشَّاكرين لآلائك ونعمائك، فلمَّا آتاهُمَا اللَّهُ ولداً صالحاً سويّاً جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ؛ لأنَّهُم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطَّبائعِ كما يقولُ الطبيعيون، وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المُنجمين، وتارة إلى الأصنامِ والأوثان كقول عبدة الأصنام.
ثم قال تعالى :﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه الله تعالى عن ذلك الشِّرْكِ. وهذا قول عكرمة.
والثاني : أن يكون الخطابُ لقريش الذين كانُوا في عهد النبي ﷺ " وهم آل أقصى ".
والمرادُ من قوله :﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ﴾ قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلمَّا آتاهما ما طلبا من الولد الصَّالح السَّوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة : عبد منافٍ، وعبد العزَّى، وعبد قُصيٍّ وبعد اللاَّتِ وعبد الدَّار، وجعل الضمير في يُشركُونَ لهما، ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.
الثالث : إن سلَّمنا أن هذه الآية وردت في شرح قصَّةِ آدم -عليه السَّلام-.
وعلى هذا ففي دفع هذا الإشكال وجوه :
أحدها : أن المشركين كانوا يقولون : أنَّ آدم - عليه الصلاة والسلام - كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وحكى عنهما أنهما قالا :﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ أي : ذكر تعالى أنه لو آتاهما ولداً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النِّعمة.
اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك.
قال ابنُ عبَّاسٍ : المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عليه الصلاة والسلام(١) - ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عليه الصلاة والسلام - من غير أذَى ليسكن إليها أي : ليأنس بها ويأوي إليها قالوا : والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم : أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ.
قال ابنُ الخطيبِ : وهذا مشكل ؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم ؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء ؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء ؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول : المرادُ من كلمة مِنْ في قوله :﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه.
قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ " هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ "
والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - " في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون " والمُرادُ : نوعه.
وقال تعالى :﴿وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي : وخلق من نوع الإنسان زوجٍ آدم، أي : جعل زوج آدم إنساناً مثله، " فلمَّا تَغشَّاهَا " أي واقعها وجامعها :﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها :" فَمَرَّتْ بِهِ " أي : استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها.
قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ : حَمْل وحِمْل.
وحكى يعقوب في حمل النَّخْلةِ : الكسر، والحمل في الآية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك : حَمَلْتُ زيداً.
قوله :" فَمَرَّتْ " الجمهور على تشديد الراء، أي : استمرت به، أي : قامت وقعدت.
وقيل : هو على القلب أي : فمَرَّ بها أي : استمرَّ ودام.
وقرأ ابنُ عبَّاسٍ(٢) : وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب : فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان :
أحدهما : أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة :﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ.
والثاني : أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي : فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض ؟
وقرأ عبدُ الله(٣) بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ : فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما : أنَّها من :" مَارَ، يمُورُ " إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي : جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ " فَعَلَتْ " والأصلُ " مَوَرَتْ " ثم قلبت الواو ألفاً فهو ك : طَافَتْ، تَطُوفُ.
والثاني : أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه " فَاعلَتْ ".
والأصْلُ " مَارَيتْ " ك " ضَارَبَتْ " فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو ك : بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ(٤) بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ : فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة.
وقرأ أبيّ(٥) فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في " فَمَارَتْ " أي : أنَّهُ يجوز أن يكون من " المِرْيَة "، والأصلُ : اسْتَمْريَتْ وأن يكون من " المَوْرِ "، والأصلُ : اسْتَمْورَتْ.
قوله :" فَلمَّا أثقَلَتْ " أي : صَارتْ ذات ثقل ودنت ولادتها كقولِهِمْ ألبَنَ الرَّجُلُ، وأتْمَرَ أي : صار ذَا لبَنٍ وتَمْرٍ.
وقيل : دخلت في الثقل ؛ كقولهم : أصبح وأمسى، أي : دخل في الصَّباح والمساءِ، وقرئ(٦) أثْقِلَتْ مبنيّاً للمفعُولِ.
قوله :" دَعَوا اللَّهَ " متعلَّقُ الدُّعاء محذوفٌ لدلالة الجملة القسميَّةِ عليه، أي : دعواهُ في أن يُؤتيهُمَا ولداً صالحاً.
قوله :" لَئِنْ آتيْتَنَا " هذا القسمُ وجوابه فيه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ مُفَسِّرٌ لجملة الدُّعاءِ كأنه قيل :
فما كان دعاؤهما ؟
فقيل : كان دعاؤهما كيت وكيت ؛ ولذلك قلنا إنَّ هذه الجملة دالةٌ على متعلق الدُّعاءِ.
والثاني : أنَّهُ معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، تقديره : فقالا لئن آتيتنا، ولنكُوننَّ جوابُ القسم، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ على ما تقرَّر.
وصَالِحاً فيه قولان أظهرهما : أنه مفعولٌ ثان، أي : ولداً صالحاً.
والثاني : قال مكي إنه نعتُ مصدر محذوف، أي : إيتاءً صالحاً، وهذا لا حاجة إليه، لأنه لا بد من تقدير المؤتى لهما.
فصل
قال المفسِّرون : المعنى لَئِنْ آتيتنا صالحاً بشراً سويّاً مثلنا لنكوننَّ من الشَّاكرين.
وكانت القصةُ أنَّهُ لمَّا حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما الذي في بطنكِ ؟
قالت : ما أدْرِي، قال : إني أخافُ أن يكُون بهيمةً، أو كلباً، أو خنزيراً، وما يُدريك من أين يَخْرُجُ ؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من فيك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حوَّاءُ من ذلك وذكرته لآدم، فلم يزالاَ في هُمّ من ذلك، ثمَّ عاد إليها فقال : إني من اللَّهِ بمنزلةٍ فإن دعوتُ الله أن يجعله خلقاً سويّاً مثلك، ويُسهِّل عليك خروجه تسميه عبد الحارثِ.
وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم.
فقال : لعلَّهُ صاحبنا الذي قد علمت ؛ فعاودها إبليس، فلم يزل بها حتَّى غرَّها ؛ فلمَّا ولدْتهُ سمَّيَاهُ عبد الحارثِ.
وروي عن ابن عباسٍ، قال : كانت حوَّاءُ تلدُ فتسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فيصيبهم الموتُ، فأتاهما إبليسُ، وقال : إن سَرَّكُمَا أن يعيش لكما ولدٌ فسمياه عبد الحارث ؛ فولدت فسمياهُ عبد الحارث فعاش، وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض.
واعلم أن هذا التأويل فاسدٌ لوجوه :
أحدها : قوله تعالى :﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فدلَّ على أن الذين أتوا بهذا الشركِ جماعةٌ.
وثانيها : قال بعدهُ :﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا يدلُّ على أن المقصود من الآية : الرَّد على من جعل الأصنام شركاء للَّهِ تعالى، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
وثالثها : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركُون من لا يخلُقُ ؛ لأن العاقلَ إنَّما يُذْكَرُ بصيغة من.
ورابعها : أنَّ آدم - عليه السَّلام - كان من أشدّ النَّاس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماءِ كما قال تعالى :﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فلا بد وأن يكُون قد علم أن اسم إبليس هو الحارثُ، فمع العداوة الشَّديدة التي بينهُمَا ومع علمه بأنَّ اسم إبليس الحارث كيف يسمِّي ولدهُ بعبد الحارث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماءُ بحيث لم يجد سوى هذا الاسم ؟
وخامسها : أنَّ أحدنا لو حصل له ولد فجاءهُ إنسان، ودعاه إلى أن يسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم - عليه السلام - مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا﴾ وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر ؟
وسادسها : أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إمَّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له، بمعنى أنَّهُ أخبر بهذا اللفظ أنَّهُ عبد الحارثِ، فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - اعتقد أنَّ لله شريكاً في الخلق والإيجاد، وذلك يُوجبُ الجزم بكُفْر آدم، وذلك لا يقوله عاقل ؛ فثبت فساد هذا القول.
وإذا عُرِفَ ذلك لنقُولُ في تأويل الآية وجوه :
الأول : قال القفالُ(٧) - رحمه الله - إنَّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضَرْب المثل وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، كأنَّهُ تعالى يقولُ : هو الذي خلق كُلَّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلمَّا تغشَّى الزَّوج زوجته وظهر الحمل دعا الزَّوج والزَّوجة ربهما إن أتانا ولداً صالحاً سويّاً لنكونن من الشَّاكرين لآلائك ونعمائك، فلمَّا آتاهُمَا اللَّهُ ولداً صالحاً سويّاً جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ؛ لأنَّهُم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطَّبائعِ كما يقولُ الطبيعيون، وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المُنجمين، وتارة إلى الأصنامِ والأوثان كقول عبدة الأصنام.
ثم قال تعالى :﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه الله تعالى عن ذلك الشِّرْكِ. وهذا قول عكرمة.
والثاني : أن يكون الخطابُ لقريش الذين كانُوا في عهد النبي ﷺ " وهم آل أقصى ".
والمرادُ من قوله :﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ﴾ قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلمَّا آتاهما ما طلبا من الولد الصَّالح السَّوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة : عبد منافٍ، وعبد العزَّى، وعبد قُصيٍّ وبعد اللاَّتِ وعبد الدَّار، وجعل الضمير في يُشركُونَ لهما، ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.
الثالث : إن سلَّمنا أن هذه الآية وردت في شرح قصَّةِ آدم -عليه السَّلام-.
وعلى هذا ففي دفع هذا الإشكال وجوه :
أحدها : أن المشركين كانوا يقولون : أنَّ آدم - عليه الصلاة والسلام - كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وحكى عنهما أنهما قالا :﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ أي : ذكر تعالى أنه لو آتاهما ولداً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النِّعمة.
١ أخرجه الطبري في تفسيره (٦/١٤١) عن مجاهد..
٢ ينظر: الكشاف ٢/١٨٦، والمحرر الوجيز ٢/٤٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٤ ينظر السابق، والكشاف ٢/١٨٦..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٦ ينظر: الكشاف ٢/١٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٣..
٧ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٥/٧١..
٢ ينظر: الكشاف ٢/١٨٦، والمحرر الوجيز ٢/٤٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٤ ينظر السابق، والكشاف ٢/١٨٦..
٥ ينظر: البحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٢..
٦ ينظر: الكشاف ٢/١٨٦، والبحر المحيط ٤/٤٣٧، والدر المصون ٣/٣٨٣..
٧ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٥/٧١..