روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا﴾ وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما طلباه أصالة واستتباعاً من الولد وولد الولد ما تناسلوا ﴿جَعَلاَ﴾ أي النسل الصالح السوي، وثنى الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك ﴿لَهُ﴾ أي لله سبحانه وتعالى ﴿شُرَكَاء﴾ من الأصنام والأوصان ﴿فِيمَا ءاتاهما﴾ من الأولاد حيث أضافوا ذلك إليهم، والتعبير ﴿بِمَا﴾ لأن هذه الإضافة عند الولادة والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل.
وقيل : المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلاناً ﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و ﴿مَا﴾ إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى، وهذه الآية عندي من المشكلات ؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفرداً لفظاً ولم نجد ذلك في الفصيح.
واختار غير واحد أن في جعلا وآتاهما بعد مضافاً محذوفاً وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولاً لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس.
واعترض أولاً : بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقة أو حكماً ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى :﴿وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانياً : بأن إشاركهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك، وثالثاً : بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً بل بعده بأزمنة متطاولة، ورابعاً : بأن إجراء جعلا على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم.
وأجيب عن الأول : بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلق مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم يجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى والجناية عليهما السلام، وعن الثاني : بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث : بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال : لماظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد، وعن الرابع : بما حرره «صاحب الكشف » في اختيار هذا القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى :﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ [الأعراف: ١٨٩] خطاب لأهل مكة وأنه بعدماختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعاً للنبي ﷺ وحملا له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولى العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه ﷺ من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً أعني قوله سبحانه وتعالى :﴿وَمِمَّن * خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾ [الأعراف: ١٨١] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل :﴿والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له
﴿هو الذي خلقكم﴾ [الأعراف: ١٨٩] مضمناً معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل :﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في قولهما :﴿لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ [الأعراف: ١٨٩] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحاً ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقاً بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه :﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال : فظهر أن ءجراء جعلا له على غير ما أجحري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه اه، والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن الحسن. وقتادة أن ضمير جعلا وآتاهما يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال : ويكون المعنى في قوله سبحانه وتعالى :﴿خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ [الأعراف: ١٨٩] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجاً من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملاً خفيفاً وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحماً ودماً وعظماً دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحاً أي ذكرا سوياً لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى :﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأساً نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في الانتصاف وادعى أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى ولا يقصد معين من ذلك ثم قال : وكأن المعنى والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنسو إن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلاناً وإنما قتلهم بعضهم، ومثله قوله تعالى :﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم: ٦٦] و ﴿قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة.
وعن أبي مسلم أن صدر الآية ادم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى :
﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل : يجوز أن يكون ضمير جعلا لآدم وحواء كماهو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في ﴿فتعالى﴾ الخ للمشكرين، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم : إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول : فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه. وقيل : يحتمل أن يكون الخطاب في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلباً من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في ﴿يُشْرِكُونَ﴾ لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد :
واستبعد ذلك في «الكشف » بأن المخاطبني لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا كلهم وإنما هو مجمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة، وأيضاً من أين العلم إنهما وعداً عند الحمل أن يكونا شاكرين لله تبارك وتعالى ولا كفران أشد من الكفر الذي كانا فيه. وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصراً فهدم مصراً، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول الله ﷺ أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون اه. وأجيب عن قوله : من أين العلم الخ بأنه من إعلام الله تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم، ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرية في حيز المنعم. نعم في كون قصي هو أحد أجداد النبي ﷺ كان مشركاً مخالفة لما ذهب إليه جمع من أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين، وقيل : إن ضمير له للولد، والمعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالاً للولد الصالح الذي أتاهما، وقيل : هو لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس شركاء في اسمه حيث سميا ولدهما بعبد الحرث، وكلا القولين ردهما الآمدي في أبكار الأفكار، وهما لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال، وذهب جماعة من السلف كابن عباس.
ومجاه. وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير ﴿جَعَلاَ﴾ يعود آدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير ال
وقيل : المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلاناً ﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و ﴿مَا﴾ إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى، وهذه الآية عندي من المشكلات ؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفرداً لفظاً ولم نجد ذلك في الفصيح.
واختار غير واحد أن في جعلا وآتاهما بعد مضافاً محذوفاً وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولاً لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس.
واعترض أولاً : بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقة أو حكماً ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى :﴿وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانياً : بأن إشاركهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك، وثالثاً : بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً بل بعده بأزمنة متطاولة، ورابعاً : بأن إجراء جعلا على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم.
وأجيب عن الأول : بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلق مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم يجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى والجناية عليهما السلام، وعن الثاني : بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث : بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال : لماظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد، وعن الرابع : بما حرره «صاحب الكشف » في اختيار هذا القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى :﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ [الأعراف: ١٨٩] خطاب لأهل مكة وأنه بعدماختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعاً للنبي ﷺ وحملا له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولى العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه ﷺ من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً أعني قوله سبحانه وتعالى :﴿وَمِمَّن * خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾ [الأعراف: ١٨١] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل :﴿والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ [الأعراف: ١٨٢] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له
﴿هو الذي خلقكم﴾ [الأعراف: ١٨٩] مضمناً معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل :﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في قولهما :﴿لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ [الأعراف: ١٨٩] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحاً ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقاً بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه :﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال : فظهر أن ءجراء جعلا له على غير ما أجحري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه اه، والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن الحسن. وقتادة أن ضمير جعلا وآتاهما يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال : ويكون المعنى في قوله سبحانه وتعالى :﴿خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ [الأعراف: ١٨٩] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجاً من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملاً خفيفاً وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحماً ودماً وعظماً دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحاً أي ذكرا سوياً لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى :﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأساً نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في الانتصاف وادعى أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى ولا يقصد معين من ذلك ثم قال : وكأن المعنى والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنسو إن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلاناً وإنما قتلهم بعضهم، ومثله قوله تعالى :﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم: ٦٦] و ﴿قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة.
وعن أبي مسلم أن صدر الآية ادم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى :
﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل : يجوز أن يكون ضمير جعلا لآدم وحواء كماهو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في ﴿فتعالى﴾ الخ للمشكرين، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم : إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول : فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه. وقيل : يحتمل أن يكون الخطاب في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلباً من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في ﴿يُشْرِكُونَ﴾ لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد :
| فيا لقصي ما زوى الله عنكم | به من فخار لا يباري وسودد |
ومجاه. وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير ﴿جَعَلاَ﴾ يعود آدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير ال