غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿طيف﴾ بسكون الياء : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. الباقون :﴿طائف﴾ على وزن «فاعل» ﴿يمدونهم﴾ من الإمداد : أبو جعفر ونافع. الآخرون : بفتح الياء وضم الميم من المد ﴿العفو وأمر﴾ مدغماً : أبو عمرو. وقرئ بغير همز حيث كان : يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
الوقوف :﴿الجاهلين﴾ ه ﴿بالله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿مبصرون﴾ ه ج لأن قوله ﴿وإخوانهم﴾ مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين ﴿لا يقصرون﴾ ه ﴿اجتبيتها﴾ ط ﴿من ربي﴾ ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول ﴿يؤمنون﴾ ه ﴿ترحمون﴾ من الغافلين } ه ﴿يسجدون﴾ ه.
ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال ﴿وإذا لم تأتهم﴾ بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] ثم إنه ﷺ ما كان يأتيهم بها فعند ذلك ﴿قالوا لولا اجتبيتها﴾ يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر. والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك ؟ وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب ﴿إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي﴾ ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها. ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال ﴿هذا﴾ يعني القرآن ﴿بصائر﴾ إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً ﴿هدى﴾ للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان. فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع ﴿لقوم يؤمنون﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وأمر بالعرف﴾ وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ الذين يطلبون غير الله ﴿من الشيطان نزغ﴾ في طلب غير الله ﴿فاستعذ بالله﴾ من طلب غير الله ﴿إن الذين اتقوا﴾ هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال ﷺ :«التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره. ﴿طائف من الشيطان﴾ نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه ﴿وإخوانهم﴾ يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة ﴿وإذا لم تأتهم﴾ أي لم تأت القلوب ﴿بآية﴾ من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها ﴿قالوا﴾ أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس ﴿قل إنما أتبع﴾ إلهام فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني. ﴿فاستمعوا﴾ بآذانكم الظاهرة ﴿وأنصتوا﴾ بألسنتكم الباطنة ﴿لعلكم ترحمون﴾ بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله :«كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر» فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ بأن تبدل أخلاقها الله ﴿تضرعاً﴾ في البداية وهو من باب التكلف ﴿وخيفة﴾ في الوسط ﴿ودون الجهر من القول﴾ في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي : ما قال أحد الله إلا الله ﴿ولا تكوننَّ من الغافلين﴾ والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ﴿إن الذين عند ربك﴾ وهم الذين بقوا ببقاء الله ﴿يستكبرون عن عبادته﴾ لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه ﴿يسبحونه﴾ ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد ﴿وله يسجدون﴾ في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى