الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ : في نصبهما وجهان، أظهرهما : أنهما مفعولان من أجلهما لأنه يتسبَّب عنهما الذِّكْر. والثاني : أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي : متضرعين خائفين، أو ذوي تضرع وخيفة. وقرئ " وخفية " بتقديم الفاء. وقيل : وهما مصدران للفعل مِنْ معناه لا من لفظه، ذكره أبو البقاء وهو بعيد.
قوله :﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ قال أبو البقاء :" معطوف على " تضرُّع " والتقدير : ومقتصدين ". وهذا ضعيف لأن " دون " ظرف لا يتصرَّف على المشهور، فالذي ينبغي أن يُجْعَل صفةٌ لشيء محذوف، ذلك المحذوف هو الحال كما قدَّره الزمخشري فقال :" ودونَ الجهر : ومتكلماً كلاماً دون الجهر ؛ لأن الإِخفاءَ أَدْخَلُ في الإِخلاص وأقربُ إلى حسن التفكر ".
قوله :﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ متعلق باذكر، أي : اذكره في هذين الوقتين وهما عبارةٌ عن الليل والنهار. قال أبو البقاء :" بالغُدُوِّ " متعلق ب " ادعوا " وهو سَبْقُ لسانٍ وقلم، إذ ليس نظمُ القرآن كذا.
والغُدُوّ : إمَّا جمع غُدْوة كقمح وقمحة، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي. وقيل : هو مصدرٌ فيقدَّرُ زمانٌ مضاف إليه حتى يتقابل زمان مجموع بمثله، تقديره : بأوقات الغدو. والآصال : جمع أُصُل، وأُصُل جمع أصيل فهو جمع الجمع. ولا جائزٌ أن يكونَ جماً لأصيل ؛ لأن فعيلاً لا يُجْمع على أفعال. وقيل : بل هو جمعٌ لأصيل، وفعيل يُجمع على أفعال نحو : يمين وأيمان. وقيل : آصال جمع ل " أُصُل " وأُصُل مفرد، ثبت ذلك مِنْ لغتهم وهو العشيُّ، وفُعُل يُجمع على أَفْعال قالوا : عُنُق وأعناق، وعلى هذا فلا حاجة إلى دَعْوى أنه جمع الجمع، ويُجْمع على أُصلان كرَغيف ورُغْفان، ويُصَغَّر على لفظه كقوله :
وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُهاعَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
واستدلُّ الكوفيون بقولهم " أُصَيْلان " على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا البيت، وتأوَّله البصريون على أنه مفرد، وتُبدل نونه لاماً، ويُروى أصيلالاً.
وقرأ أبو مجلز واسمُه لاحق بن حميد السدوسي البصري " والإِيصال " مصدرُ آصَل، أي : دخل في الأصيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى