أحكام القرآن — الجصاص

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾. قال أبو بكر : الذكر على وجهين، أحدهما : الفكر في عظمة الله وجلاله ودلائل قدرته وآياته، وهذا أفضل الأذكار إذْ به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه، وبه يتوصل إليه. والذكر الآخر : القول، وقد يكون ذلك الذكر دعاء وقد يكون ثناء على الله تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى الله ؛ وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعاً من الفكر والقول فيكون قوله تعالى :﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ هو الفكر في دلائل الله وآياته.
وقوله تعالى :﴿ودون الجهر من القول﴾ فيه نصّ على الذكر باللسان، وهذا الذكر يجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء، فيكون الأفضل في الدعاء الإخفاء، على نحو قوله تعالى :﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وإن أراد به قراءة القرآن كان في معنى قوله :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقيل : إنما كان إخفاءُ الدعاء أفضل لأنه أبعد من الرياء وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة، إذ كانت هذه صفته. وقيل : إن ذلك خطاب للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله :﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وقيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى عام لسائر المكلفين كقوله عز وعلا :﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١]. وقال قتادة :" الآصال العَشِيَّاتُ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى