محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
وقوله تعالى :
[ ٢٠٥ ] ﴿واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجَهْر من القول بالغدُوِّ والآصَال ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ ( ٢٠٥ )﴾.
﴿واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجهر من القول بالغدُوِّ والآصَال﴾ خطاب للنبي ﷺ، والمراد عامّ. أو المعنى : واذكر ربك أيها الإنسان. الأول أظهر، لأن ما خوطب به النبي ﷺ ولم يكن من خصائصه، فإنه مشروع لأمته. وقد أوضح هذا آية :﴿يَا أيُّهَا الذين آمنُوا اذكُرُوا الله ذِكرًا كثيرا، وسَبِّحُوهُ بُكرَة وأصِيلا﴾(١). والأمر بالذكر، قال الزمخشري : هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. وقال بعض الزيدية : هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على الاستحباب. قال : وبكل فسرت الآية.
ثم إنه تعالى ذكر آدابا لذكره :
الأول : أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
الثاني : أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية.
الثالث : أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية، وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع القلب.
الرابع : أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير : فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداءً ولا جهرا بليغا. وفي ( الصحيحين ) (٢) عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال :" رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : يا أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب. أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". قال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾(٣).
الخامس : أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله ﴿ودون الجهر﴾ لأن معناه : ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا على ﴿تضرعا﴾، أو هو معطوف على ﴿في نفسك﴾. أي اذكره ذكرا في نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر.
السادس : أن يكون بالغدوّ والآصال، أي في البكرة والعشيّ. فتدل الآية على مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما، الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش. وقد روي : أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر.
ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله :﴿ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ﴾ أي من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية.
[ ٢٠٥ ] ﴿واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجَهْر من القول بالغدُوِّ والآصَال ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ ( ٢٠٥ )﴾.
﴿واذكُرْ رَبَّكَ في نفسِكَ تضَرُّعًا وخِيفَة ودونَ الجهر من القول بالغدُوِّ والآصَال﴾ خطاب للنبي ﷺ، والمراد عامّ. أو المعنى : واذكر ربك أيها الإنسان. الأول أظهر، لأن ما خوطب به النبي ﷺ ولم يكن من خصائصه، فإنه مشروع لأمته. وقد أوضح هذا آية :﴿يَا أيُّهَا الذين آمنُوا اذكُرُوا الله ذِكرًا كثيرا، وسَبِّحُوهُ بُكرَة وأصِيلا﴾(١). والأمر بالذكر، قال الزمخشري : هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. وقال بعض الزيدية : هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على الاستحباب. قال : وبكل فسرت الآية.
ثم إنه تعالى ذكر آدابا لذكره :
الأول : أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
الثاني : أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والاعتراف بالتقصير، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية.
الثالث : أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية، وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع القلب.
الرابع : أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير : فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداءً ولا جهرا بليغا. وفي ( الصحيحين ) (٢) عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال :" رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : يا أيها الناس ! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا. إن الذي تدعونه سميع قريب. أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ". قال الإمام : المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى :﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾(٣).
الخامس : أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله ﴿ودون الجهر﴾ لأن معناه : ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا على ﴿تضرعا﴾، أو هو معطوف على ﴿في نفسك﴾. أي اذكره ذكرا في نفسك، وذكرا بلسانك دون الجهر.
السادس : أن يكون بالغدوّ والآصال، أي في البكرة والعشيّ. فتدل الآية على مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما، الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش. وقد روي : أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر.
ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله :﴿ولا تكن مّنَ الغافِلِينَ﴾ أي من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية.
١ - [٣٣/ الأحزاب/ ٤١ و٤٢]..
٢ - أخرجه في البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ١٣١- باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، حديث ١٤٢٣.
وأخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٤- ٤٧ (طبعتنا)..
٣ - [١٧/ الإسراء/ ١١٠]..
٢ - أخرجه في البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ١٣١- باب ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، حديث ١٤٢٣.
وأخرجه مسلم في: ٤٨- كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤٤- ٤٧ (طبعتنا)..
٣ - [١٧/ الإسراء/ ١١٠]..