اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :" فوَسْوَسَ لَهُمَا " أي : فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لأجلهما.
والفَرْقُ بين وسْوَسَ له وَوسْوَسَ إليه أنَّ وَسْوَسَ له بمعنى لأجله كما تقدَّم، وَوَسْوَسَ إليه ألْقَى إلَيْه الوَسْوَسَةَ.
والوَسْوَسَةُ : الكلام الخفيُّ المكرر، ومثله الوسْواسُ وهو صوتُ الحليِّ، والوسوسَةُ أيضاً الخَطْرَةُ الرَّديئَةُ، وَوَسْوَسَ لا يتعدَّى إلى مَفْعُولٍ، بل هو لاَزِمٌ كقولنا : وَلْوَلَتِ المَرأةُ، ووعْوَعَ الذِّئْبُ ويقالُ : رجلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الوَاوِ، ولا يُقَالُ بفتحها، قالهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ.
وقال غيره : يقال : مُوَسْوَس له، ومُوَسْوَس إليه.
وقال اللَّيْثُ :" الوَسْوَسَةُ حديثُ النَّفْس، والصَّوْتُ الخَفِيُّ من ريحٍ تَهُزُّ قصباً ونحوه كالهمْسِ ". قال تعالى ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
وقال رُؤبَةُ بْنُ العَجَّاج يَصِفُ صَيَّاداً :[ الرجز ]
أي : لما أراد الصَّيدَ وسوس في نَفْسِهِ : أيُخْطىء أم يُصِيبُ ؟ وقال الأزْهَرِيُّ(٢) :" وسْوَسَ ووَزْوَزَ بمعنىً واحد ".
فإن قيل : كيف وَسْوَسَ إليه، وآدم كان في الجَنَّةِ وإبليس أخرج منها(٣) " ؟
فالجوابُ : قال الحسن : كان يُوَسْوِسُ من الأرْض إلى السَّمَاءِ وإلى الجِنَّةِ بالقُوَّةِ الفَوْقيَّةِ التي جعلها له.
وقال أبُوا مُسْلِمٍ الأصْفهانِيُّ(٤) : بَلْ كان آدمُ وإبليس في الجنَّةِ ؛ لأنَّ هذه الجنَّةَ كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض النَّاس من " أنَّ إبليس دخل الجنَّة في جَوْف الحيَّةِ ودخلت الحيَّة في الجنَّةِ " فتلك القصة ركيكةٌ ومشهورةٌ.
وقال آخَرُون : إنَّ آدم وحَوَّاءَ ربما قَرُبَا من باب الجَنَّةِ، وكان إبليس واقفاً من خارج الجَنَّةِ على بَابها فيقْرُبُ أحَدُهُمَا من الآخر فتحصل الوسْوسَةُ هناك(٥).
فإن قيل : إنَّ آدم - عليه السلام - كان يَعْرِفُ ما بينه وبين إبليسَ من العداوة، فَكَيْفَ قبل قوله ؟
فالجواب :[ لا يَبْعُد أنْ يُقال إنَّ إبليسَ لَقِيَ آدَمَ مِراراً كثيرةً، ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَة بِطُرُقٍ كثيرةٍ ؛ فلأجْل ](٦) المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثَّر كلامه عند وأيضاً فقال تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] أي : حَلَفَ لهما فاعْتَقَدُوا أنَّ أحَداً لا يَحْلِفُ كاذباً فلذلك قبل قوله.
قوله :" لِيُبْدِيَ لَهُمَا " في طلام " لِيُبْدِي " قولان :
أظهرهما : أنها لامُ العِلَّةِ على أصلها ؛ لأنَّ قَصْدَ الشَّيْطانِ ذلك.
وقال بعضهم :" اللاَّمُ " للِصَيْرُورةِ والعاقِبَةِ، وذلك أنَّ الشِّيْطَانَ لم يكن يعلم أنَّهُمَا يعاقبان بهذه العُقُوبَةَ الخَاصَّةِ، فالمعنى : أن أمْرَهُمَا آل(٧) إلى ذلك. الجوابُ : أنهُ يجوزُ أنْ يُعْلم ذلك بطريق من الطُّرُق المتقدِّمةِ في قوله ﴿وَلاَ نَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
ومعنى قوله :" لِيُبْدِيَ لَهَمَا " ليظهر لهما ما غُطِّي وسُتِرَ عنهما من عوراتهما.
قوله :" مَا وُوْري " " مَا " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعول ل " لِيُبْدِي " أي : لِيُظْهِر الذي سُتِرَ.
وقرأ الجمهور :" وُوْري " بواوين صريحَتَيْنِ وهو ماضٍ مبني للمفعول، أصله " وَارَى " كضارَبَ فلمَّا بُني للمفعول أبْدِلَت الألف واواً كضُورِبَ، فالواو الأولى فاء، والثَّانية زَائِدَةٌ.
وقرأ(٨) عبد الله :" أُوْرِيَ " بإبدال الأولى همزة، وهو بدلٌ جَائِزٌ لا واجب.
وهذه قَاعِدٌةٌ كليَّةٌ وهي : أنَّه إذا اجتمع في أوَّلِ الكلمةِ واوان، وتحرَّكتِ الثَّانيةُ، أو كان لها نَظِيرٌ مُتَحَرِّكٌ وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً، فمثال النَّوْعِ الأوَّلِ " أوَيْصِلٌ "، وَ " أوَاصِلُ " تصغير واصلٍ وتكسيره، فإنَّ الأصل : وُوَيْصِل، وواصل ؛ فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدالُ الأولى همزة. ومثالُ النَّوْعِ الثَّانِي أوْلى فإنَّ أصلها وُوْلَى، فالثَّانَيِةُ ساكنة ؛ لكنها قد تتحرَّكُ في الجَمْعِ في قولك : أُوَل ؛ كفُضْلَى وفُضَل، فإن لم تتحرَّك ولم تحمل على متحرّك، جَازَ الإبدَالُ كهذه الآيَةِ الكريمةِ. ومثله وُوْطِىءَ وأوْطِىءَ.
وقرأ يحيى بن(٩) وثاب " وَرِيَ " بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكَأنَّهُ من الثُّلاثيِّ المتعدِّي، وتحتاج إلى نَقْلِ أنَّ وَرَيْتُ كذا بمعنى وارَيْتُه.
والمُوَارَاةُ : السَّتْرُ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لمَّا بلغه موت أبي طالب لعليٍّ :" اذْهَبْ فوارِه ". ومنه قول الآخر :[ مخلع السبيط ]
وقد تقدَّم تحقيق هذه المادَّةِ(١١)
والجمهور على قراءة " سَوْءَاتِهما " بالجمع من غير نقل، ولا إدغام.
وقرأ مُجاهدٌ والحسن(١٢) " سَوَّتهما " بالإفراد وإبدال الهمز [ واواً ] وإدغام الواو فيها.
وقرأ الحسنُ أيضاً، وأبو(١٣) جعفر، وشَيْبَةُ بن نصاح " سَوَّاتهما " بالجمع وتشديد الواو بالعمل المتقدم.
وقرأ(١٤) أيضاً " سَواتِهما " بالجمع أيضاً، إلا أنَّهُ نقل حركة الهمزة إلى الواو من غير عملٍ آخَرَ، وكلُّ ذلك ظَاهِرٌ. فمن قرأ بالجمع فيحتمل وجهين :
أظهرهما : أنَّهُ من باب وَضْعِ الجمع موضع التَّثْنِيَةِ كراهية اجتماع تثنيتين، والجمع أخُوا التَّثْنِيَةِ فلذلك ناب منابها كقوله :﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذه القاعدة.
ويحتمل أنْ يكون الجَمْعُ هنا على حقيقته ؛ لأنَّ لكل واحد منهما قُبُلاً، ودُبُراً، والسوءات كنايةٌ عن ذلك فهي أربع ؛ فلذلك جِيءَ بالجَمْعِِ، ويؤيِّدُ الأوَّل قراءةُ الإفراد فإنَّه لا تكون [ كذلك ] إلاَّ والموضع موضع تثنية نحو :" مَسَحَ أَذُنَيْهِ ظَاهِرهُمَا وبَاطِنَهُمَا ".
دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ كَشْفَ العوْرَةِ من المُنْكَرَاتِ، وأنَّهُ لم يزل مُسْتَهْجَناً في الطِّبَاع مُسْتَقْبَحاً في العُقُولِ.
قوله :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾.
هذا استثناء مُفَرَّغٌ وهو مفعول من أجله فقدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ إلاَّ كراهة أنْ تكونا، وقدَّرَهُ الكوفِيُّون إلاّ أن لا تكونا، وقد تقدَّم مراراً أنَّ قول البَصْرِيِّين أوْلى ؛ لأنَّ إضْمَارَ الاسْمِ أحسنُ من إضمار الحَرْفِ.
وقرأ الجمهور " مَلَكَيْنِ " بفتح اللاَّم. وقرأ(١٥) عَلِيٌّ، وابن عباس والحسنُ، والضَّحَّاكُ، ويحيى بْنُ أبِي كَثِير والزُّهْرِيُّ وابن حكيم عن ابن كثير " مَلِكين " بكسرها قالوا : ويُؤيِّدُ هذه القراءة قوله في موضع آخر :﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠] والمُلك يناسِبُ المَلِك بالكسر. وأتى بقوله " مِنَ الخَالِدِينَ " ولم يقل " أو تَكُونَا خَالِدَيْن " مبالغةٌ في ذلك ؛ لأنَّ الوصف بالخُلُودِ أهمُّ من المَلْكية أو المُلْك(١٦)، فإنَّ قولك :" فُلانٌ من الصَّالحينَ " بلغُ من قولك صالحٌ، وعليه ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ [التحريم: ١٢]
هذا الكلام يمكن أنْ يَكُونَ ذكرَهُ إبْلِيسُ مُخَاطِباً لآدم وحواء، ويمكن أنْ يكُون بوسْوسَةٍ أوْقَعَها في قلبيهما، والأمران مَرْويَّانِ إلاَّ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كان على سبيل المُخَاطَبَةِ بدليل قوله تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾.
والمعنى : أنَّ إبليس قال لهما هذا الكلام، وأراد به إنْ أكلتما تكونا بمنزلة الملائِكَةِ، أو تكُونَا من الخالدينَ إنْ أكلتما، فرغبهما بأن أوْهَمَهُمَا أنَّ من أكَلَهَا صار كذلك، وأنَّهُ تعالى نَهَاكمَا عنها لكي لا يكونا بِمَنْزِلَةِ الملائِكَةِ، ولا يخْلُدَا.
وفي الآية سُؤالاتٌ :
السُّؤالُ الأولُ : كيف أطْمَعَ إبْلِيسُ آدمَ أن يكون ملكاً عند الأكْلِ من الشَّجَرَةِ مع أنَّهُ شَاهَدَ الملائِكة متواضعين سَاجِدينَ له معترفين بفضله(١٧) ؟.
والجوابُ من وجوه :
أحدها : أنّ هذا المعنى أحد ما يَدُلُّ على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض، أمّا ملائكةُ السَّموات وسكانُ العَرْشِ والكرسيِّ، والملائكةُ المقرَّبون فما سجدوا لآدم ألْبَتَّةَ. ولو كَانُوا قد سَجَدُوا له لكان هذا التَّطْميع فَاسِداً مختلاًّ.
وثانيها : نَقَلَ الواحديُّ(١٨) عن بعضهم أنَّهُ قال : إنَّ آدمَ علم أنَّ الملائكة لا يمُوتُونَ إلى يوم القيامةِ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أنْ يَصِيرَ مِثْلَ الملكِ في البَقَاءِ. وضعَّف هذا بأنَّهُ لو كان المَطْلُوبُ من الملائِكَةِ هو الخُلُودُ فحينئذٍ لا يبقى فرق بين قوله ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ وبين قوله :﴿إلاَّ أَنْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾.
وثالثها : قال الواحدي(١٩) : كان ابن عباس يقرأ(٢٠) " مَلِكَين " بكسر اللام ويقول : ما طمعا في أن يكونا مَلَكَيْن لكنهما استشرفا إلى أن يكونا مَلِكَيْن، وإنَّما أتَاهُمَا المَلْعُونُ من وجهة الملك، ويدلُّ على هذا قوله :﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠]، وضعف هذا الجواب من وجهين(٢١) :
الأول : هب أنَّهُ حصل الجوابُ على هذه القراءة فهل يقول ابنُ عبَّاسٍ أنَّ تلك القراءة المشهورة باطلة ؟ أو لا يقولُ ذلك ؟ والأولُ باطل، لأنَّ تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يُمْكِنُ الطَّعْنُ فيها ؟ وأمَّا الثَّاني فعلى هذا التَّقدير الإشكال باقٍ ؛ لأنَّ على تلك القراءة يكون بالتَّطْميع قد وقع في أنْ يَصِيرَ بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة. وحينئذ يَعُودُ السُّؤالُ.
الوجه الثاني : أنَّهُ تعالى جعله مسجود الملائكةِ، وأذِن له في أن يسكن الجنَّة، وأنْ يأكل منها رغداً حيث شاء وأراد، [ ولا مزيد ] في الملك على هذه الدَّرَجَةِ(٢٢).
السؤال الثاني : هل تدلُّ هذه الآية على أنَّ درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النُبُوَّةِ ؟
الجوابُ : أنَّا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كانت قَبْلَ النُّبُوَّةِ لم يدلَّ على ذلك ؛ لأنَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين طَلَبَ الوصُولَ إلى درجةِ الملائِكَةِ ما كان من الأنبياء، وإنْ كانت هذه الواقِعَةُ قد وقعت في زَمَن النُّبُوَّةِ فلعلَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - رغبَ في أنْ يصيرَ من الملائِكَةِ في القدرة والقُوَّة أو في خلقة الذات بأنْ يَصِيرَ جَوَْهَراً نُورَانياً، وفي أن يصيرَ من سُكَّانِ العرْشِ، وعلى هذا فلا دلالةَ في الآيةِ على ذلك(٢٣).
السُّؤال الثالثُ : نقل أنّ عمرو بْن عُبَيْدٍ قال للحسنِ في قوله :" إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين }، وفي قوله " وقَاسَمَهُمَا " قال عمرو : قلت للحسن ؛ فهل صَ
والفَرْقُ بين وسْوَسَ له وَوسْوَسَ إليه أنَّ وَسْوَسَ له بمعنى لأجله كما تقدَّم، وَوَسْوَسَ إليه ألْقَى إلَيْه الوَسْوَسَةَ.
والوَسْوَسَةُ : الكلام الخفيُّ المكرر، ومثله الوسْواسُ وهو صوتُ الحليِّ، والوسوسَةُ أيضاً الخَطْرَةُ الرَّديئَةُ، وَوَسْوَسَ لا يتعدَّى إلى مَفْعُولٍ، بل هو لاَزِمٌ كقولنا : وَلْوَلَتِ المَرأةُ، ووعْوَعَ الذِّئْبُ ويقالُ : رجلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الوَاوِ، ولا يُقَالُ بفتحها، قالهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ.
وقال غيره : يقال : مُوَسْوَس له، ومُوَسْوَس إليه.
وقال اللَّيْثُ :" الوَسْوَسَةُ حديثُ النَّفْس، والصَّوْتُ الخَفِيُّ من ريحٍ تَهُزُّ قصباً ونحوه كالهمْسِ ". قال تعالى ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
وقال رُؤبَةُ بْنُ العَجَّاج يَصِفُ صَيَّاداً :[ الرجز ]
| وَسْوَسَ يَدْعُوا مُخْلِصاً رَبِّ الفَلَقْ | لَمَّا دَنَا الصَّيْدُ دَنَا مِنَ الوَهَقْ(١) |
فإن قيل : كيف وَسْوَسَ إليه، وآدم كان في الجَنَّةِ وإبليس أخرج منها(٣) " ؟
فالجوابُ : قال الحسن : كان يُوَسْوِسُ من الأرْض إلى السَّمَاءِ وإلى الجِنَّةِ بالقُوَّةِ الفَوْقيَّةِ التي جعلها له.
وقال أبُوا مُسْلِمٍ الأصْفهانِيُّ(٤) : بَلْ كان آدمُ وإبليس في الجنَّةِ ؛ لأنَّ هذه الجنَّةَ كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض النَّاس من " أنَّ إبليس دخل الجنَّة في جَوْف الحيَّةِ ودخلت الحيَّة في الجنَّةِ " فتلك القصة ركيكةٌ ومشهورةٌ.
وقال آخَرُون : إنَّ آدم وحَوَّاءَ ربما قَرُبَا من باب الجَنَّةِ، وكان إبليس واقفاً من خارج الجَنَّةِ على بَابها فيقْرُبُ أحَدُهُمَا من الآخر فتحصل الوسْوسَةُ هناك(٥).
فإن قيل : إنَّ آدم - عليه السلام - كان يَعْرِفُ ما بينه وبين إبليسَ من العداوة، فَكَيْفَ قبل قوله ؟
فالجواب :[ لا يَبْعُد أنْ يُقال إنَّ إبليسَ لَقِيَ آدَمَ مِراراً كثيرةً، ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَة بِطُرُقٍ كثيرةٍ ؛ فلأجْل ](٦) المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثَّر كلامه عند وأيضاً فقال تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١] أي : حَلَفَ لهما فاعْتَقَدُوا أنَّ أحَداً لا يَحْلِفُ كاذباً فلذلك قبل قوله.
قوله :" لِيُبْدِيَ لَهُمَا " في طلام " لِيُبْدِي " قولان :
أظهرهما : أنها لامُ العِلَّةِ على أصلها ؛ لأنَّ قَصْدَ الشَّيْطانِ ذلك.
وقال بعضهم :" اللاَّمُ " للِصَيْرُورةِ والعاقِبَةِ، وذلك أنَّ الشِّيْطَانَ لم يكن يعلم أنَّهُمَا يعاقبان بهذه العُقُوبَةَ الخَاصَّةِ، فالمعنى : أن أمْرَهُمَا آل(٧) إلى ذلك. الجوابُ : أنهُ يجوزُ أنْ يُعْلم ذلك بطريق من الطُّرُق المتقدِّمةِ في قوله ﴿وَلاَ نَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
ومعنى قوله :" لِيُبْدِيَ لَهَمَا " ليظهر لهما ما غُطِّي وسُتِرَ عنهما من عوراتهما.
قوله :" مَا وُوْري " " مَا " موصولة بمعنى الذي، وهي مفعول ل " لِيُبْدِي " أي : لِيُظْهِر الذي سُتِرَ.
وقرأ الجمهور :" وُوْري " بواوين صريحَتَيْنِ وهو ماضٍ مبني للمفعول، أصله " وَارَى " كضارَبَ فلمَّا بُني للمفعول أبْدِلَت الألف واواً كضُورِبَ، فالواو الأولى فاء، والثَّانية زَائِدَةٌ.
وقرأ(٨) عبد الله :" أُوْرِيَ " بإبدال الأولى همزة، وهو بدلٌ جَائِزٌ لا واجب.
وهذه قَاعِدٌةٌ كليَّةٌ وهي : أنَّه إذا اجتمع في أوَّلِ الكلمةِ واوان، وتحرَّكتِ الثَّانيةُ، أو كان لها نَظِيرٌ مُتَحَرِّكٌ وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً، فمثال النَّوْعِ الأوَّلِ " أوَيْصِلٌ "، وَ " أوَاصِلُ " تصغير واصلٍ وتكسيره، فإنَّ الأصل : وُوَيْصِل، وواصل ؛ فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدالُ الأولى همزة. ومثالُ النَّوْعِ الثَّانِي أوْلى فإنَّ أصلها وُوْلَى، فالثَّانَيِةُ ساكنة ؛ لكنها قد تتحرَّكُ في الجَمْعِ في قولك : أُوَل ؛ كفُضْلَى وفُضَل، فإن لم تتحرَّك ولم تحمل على متحرّك، جَازَ الإبدَالُ كهذه الآيَةِ الكريمةِ. ومثله وُوْطِىءَ وأوْطِىءَ.
وقرأ يحيى بن(٩) وثاب " وَرِيَ " بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكَأنَّهُ من الثُّلاثيِّ المتعدِّي، وتحتاج إلى نَقْلِ أنَّ وَرَيْتُ كذا بمعنى وارَيْتُه.
والمُوَارَاةُ : السَّتْرُ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لمَّا بلغه موت أبي طالب لعليٍّ :" اذْهَبْ فوارِه ". ومنه قول الآخر :[ مخلع السبيط ]
| عَلَى صَدىً أسْوَدَ المُوَارِي | فِي التُّرْبِ أمْسَى وفِي الصَّفِيحِ(١٠) |
والجمهور على قراءة " سَوْءَاتِهما " بالجمع من غير نقل، ولا إدغام.
وقرأ مُجاهدٌ والحسن(١٢) " سَوَّتهما " بالإفراد وإبدال الهمز [ واواً ] وإدغام الواو فيها.
وقرأ الحسنُ أيضاً، وأبو(١٣) جعفر، وشَيْبَةُ بن نصاح " سَوَّاتهما " بالجمع وتشديد الواو بالعمل المتقدم.
وقرأ(١٤) أيضاً " سَواتِهما " بالجمع أيضاً، إلا أنَّهُ نقل حركة الهمزة إلى الواو من غير عملٍ آخَرَ، وكلُّ ذلك ظَاهِرٌ. فمن قرأ بالجمع فيحتمل وجهين :
أظهرهما : أنَّهُ من باب وَضْعِ الجمع موضع التَّثْنِيَةِ كراهية اجتماع تثنيتين، والجمع أخُوا التَّثْنِيَةِ فلذلك ناب منابها كقوله :﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذه القاعدة.
ويحتمل أنْ يكون الجَمْعُ هنا على حقيقته ؛ لأنَّ لكل واحد منهما قُبُلاً، ودُبُراً، والسوءات كنايةٌ عن ذلك فهي أربع ؛ فلذلك جِيءَ بالجَمْعِِ، ويؤيِّدُ الأوَّل قراءةُ الإفراد فإنَّه لا تكون [ كذلك ] إلاَّ والموضع موضع تثنية نحو :" مَسَحَ أَذُنَيْهِ ظَاهِرهُمَا وبَاطِنَهُمَا ".
فصل في أن كشف العورة من المحرمات
دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ كَشْفَ العوْرَةِ من المُنْكَرَاتِ، وأنَّهُ لم يزل مُسْتَهْجَناً في الطِّبَاع مُسْتَقْبَحاً في العُقُولِ.
قوله :﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾.
هذا استثناء مُفَرَّغٌ وهو مفعول من أجله فقدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ إلاَّ كراهة أنْ تكونا، وقدَّرَهُ الكوفِيُّون إلاّ أن لا تكونا، وقد تقدَّم مراراً أنَّ قول البَصْرِيِّين أوْلى ؛ لأنَّ إضْمَارَ الاسْمِ أحسنُ من إضمار الحَرْفِ.
وقرأ الجمهور " مَلَكَيْنِ " بفتح اللاَّم. وقرأ(١٥) عَلِيٌّ، وابن عباس والحسنُ، والضَّحَّاكُ، ويحيى بْنُ أبِي كَثِير والزُّهْرِيُّ وابن حكيم عن ابن كثير " مَلِكين " بكسرها قالوا : ويُؤيِّدُ هذه القراءة قوله في موضع آخر :﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠] والمُلك يناسِبُ المَلِك بالكسر. وأتى بقوله " مِنَ الخَالِدِينَ " ولم يقل " أو تَكُونَا خَالِدَيْن " مبالغةٌ في ذلك ؛ لأنَّ الوصف بالخُلُودِ أهمُّ من المَلْكية أو المُلْك(١٦)، فإنَّ قولك :" فُلانٌ من الصَّالحينَ " بلغُ من قولك صالحٌ، وعليه ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ [التحريم: ١٢]
فصل في بيان قوله ما نهاكما ربكما
هذا الكلام يمكن أنْ يَكُونَ ذكرَهُ إبْلِيسُ مُخَاطِباً لآدم وحواء، ويمكن أنْ يكُون بوسْوسَةٍ أوْقَعَها في قلبيهما، والأمران مَرْويَّانِ إلاَّ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كان على سبيل المُخَاطَبَةِ بدليل قوله تعالى :﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾.
والمعنى : أنَّ إبليس قال لهما هذا الكلام، وأراد به إنْ أكلتما تكونا بمنزلة الملائِكَةِ، أو تكُونَا من الخالدينَ إنْ أكلتما، فرغبهما بأن أوْهَمَهُمَا أنَّ من أكَلَهَا صار كذلك، وأنَّهُ تعالى نَهَاكمَا عنها لكي لا يكونا بِمَنْزِلَةِ الملائِكَةِ، ولا يخْلُدَا.
وفي الآية سُؤالاتٌ :
السُّؤالُ الأولُ : كيف أطْمَعَ إبْلِيسُ آدمَ أن يكون ملكاً عند الأكْلِ من الشَّجَرَةِ مع أنَّهُ شَاهَدَ الملائِكة متواضعين سَاجِدينَ له معترفين بفضله(١٧) ؟.
والجوابُ من وجوه :
أحدها : أنّ هذا المعنى أحد ما يَدُلُّ على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض، أمّا ملائكةُ السَّموات وسكانُ العَرْشِ والكرسيِّ، والملائكةُ المقرَّبون فما سجدوا لآدم ألْبَتَّةَ. ولو كَانُوا قد سَجَدُوا له لكان هذا التَّطْميع فَاسِداً مختلاًّ.
وثانيها : نَقَلَ الواحديُّ(١٨) عن بعضهم أنَّهُ قال : إنَّ آدمَ علم أنَّ الملائكة لا يمُوتُونَ إلى يوم القيامةِ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أنْ يَصِيرَ مِثْلَ الملكِ في البَقَاءِ. وضعَّف هذا بأنَّهُ لو كان المَطْلُوبُ من الملائِكَةِ هو الخُلُودُ فحينئذٍ لا يبقى فرق بين قوله ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ وبين قوله :﴿إلاَّ أَنْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾.
وثالثها : قال الواحدي(١٩) : كان ابن عباس يقرأ(٢٠) " مَلِكَين " بكسر اللام ويقول : ما طمعا في أن يكونا مَلَكَيْن لكنهما استشرفا إلى أن يكونا مَلِكَيْن، وإنَّما أتَاهُمَا المَلْعُونُ من وجهة الملك، ويدلُّ على هذا قوله :﴿هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ [طه: ١٢٠]، وضعف هذا الجواب من وجهين(٢١) :
الأول : هب أنَّهُ حصل الجوابُ على هذه القراءة فهل يقول ابنُ عبَّاسٍ أنَّ تلك القراءة المشهورة باطلة ؟ أو لا يقولُ ذلك ؟ والأولُ باطل، لأنَّ تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يُمْكِنُ الطَّعْنُ فيها ؟ وأمَّا الثَّاني فعلى هذا التَّقدير الإشكال باقٍ ؛ لأنَّ على تلك القراءة يكون بالتَّطْميع قد وقع في أنْ يَصِيرَ بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة. وحينئذ يَعُودُ السُّؤالُ.
الوجه الثاني : أنَّهُ تعالى جعله مسجود الملائكةِ، وأذِن له في أن يسكن الجنَّة، وأنْ يأكل منها رغداً حيث شاء وأراد، [ ولا مزيد ] في الملك على هذه الدَّرَجَةِ(٢٢).
السؤال الثاني : هل تدلُّ هذه الآية على أنَّ درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النُبُوَّةِ ؟
الجوابُ : أنَّا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كانت قَبْلَ النُّبُوَّةِ لم يدلَّ على ذلك ؛ لأنَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين طَلَبَ الوصُولَ إلى درجةِ الملائِكَةِ ما كان من الأنبياء، وإنْ كانت هذه الواقِعَةُ قد وقعت في زَمَن النُّبُوَّةِ فلعلَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - رغبَ في أنْ يصيرَ من الملائِكَةِ في القدرة والقُوَّة أو في خلقة الذات بأنْ يَصِيرَ جَوَْهَراً نُورَانياً، وفي أن يصيرَ من سُكَّانِ العرْشِ، وعلى هذا فلا دلالةَ في الآيةِ على ذلك(٢٣).
السُّؤال الثالثُ : نقل أنّ عمرو بْن عُبَيْدٍ قال للحسنِ في قوله :" إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين }، وفي قوله " وقَاسَمَهُمَا " قال عمرو : قلت للحسن ؛ فهل صَ
١ البيت ينظر: ديوانه ١٠٨، البحر ٤/٢٦٦، شرح المفضليات ٣/١٤٢١، الدر المصون ٣/٢٤٧..
٢ ينظر: تهذيب اللغة ١٣/١٣٦. مادة "وسوس"، وليس في التهذيب مادة "وزوز" ولا يذكر أن وزوز لغة في وسوس..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٨..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٨..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ سقط من ب..
٧ في الدر: آيل..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
٩ ينظر السابق، والمحرر الوجيز ٢/٣٨٤..
١٠ تقدم..
١١ تقدم في سورة المائدة آية ٣١..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٨٤، والبحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
١٣ ينظر: القراءة السابقة..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
١٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٨٥، والبحر المحيط ٤/٢٨٠ والدر المصون ٣/٢٤٨..
١٦ في الدر: الملكية..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٩..
١٨ ينظر: المصدر السابق..
١٩ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٠ وقرأ بها أيضا الحسن بن علي، والضحاك ويحيى بن كثير والزهري، وابن حكيم. ينظر البحر المحيط ٤/٢٨٠، والرازي ١٤/٤٠..
٢١ ينظر: الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٢ ينظر: الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٣ ينظر: المصدر السابق..
٢ ينظر: تهذيب اللغة ١٣/١٣٦. مادة "وسوس"، وليس في التهذيب مادة "وزوز" ولا يذكر أن وزوز لغة في وسوس..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٨..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٨..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ سقط من ب..
٧ في الدر: آيل..
٨ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
٩ ينظر السابق، والمحرر الوجيز ٢/٣٨٤..
١٠ تقدم..
١١ تقدم في سورة المائدة آية ٣١..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٨٤، والبحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
١٣ ينظر: القراءة السابقة..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٤/٢٧٩، والدر المصون ٣/٢٤٧..
١٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٨٥، والبحر المحيط ٤/٢٨٠ والدر المصون ٣/٢٤٨..
١٦ في الدر: الملكية..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٤/٣٩..
١٨ ينظر: المصدر السابق..
١٩ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٠ وقرأ بها أيضا الحسن بن علي، والضحاك ويحيى بن كثير والزهري، وابن حكيم. ينظر البحر المحيط ٤/٢٨٠، والرازي ١٤/٤٠..
٢١ ينظر: الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٢ ينظر: الفخر الرازي ١٤/٤٠..
٢٣ ينظر: المصدر السابق..