كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَآءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ؛ أي اسْكُنْ أنتَ وزوجَتُكَ الجنَّةَ ؛ لأن الإضافةَ إليه دليلٌ على ذلكَ، وحذفُ التاءِ أحسنُ ؛ لِما فيه من الإيجاز من غيرِ إخلالٍ بالمعنى. وأمَّّا الجنَّةُ التي أسْكَنَهُمَا اللهُ فيها ؛ فهي جَنَّةُ الْخُلْدِ في أكثرِ أقوال أهلِ العلم، بخلاف ما يقولهُ بعضُهم : إنَّهَا كَانَتْ بُسْتاناً في السَّماءِ غيرَ جنَّةِ الْخُلْدِ. وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى عَرَّفَ الجنَّةَ بالألفِ واللام على جهةِ التَّشريفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ ؛ أي مِن أيِّ شيءٍ شِئْتُمَا مُوسِعاً عليكُما، ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ منصوباً ؛ لأنَّهُ جوابُ النَّهِيِ، ويجوزُ أن يكون مَجْزُوماً عَطْفاً على النَّهيِ، ومعناهُ : فتكونا من الضَّارِّيْنَ أنفُسَكما.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ ؛ أي زَيَّنَ لَهم الشيطانُ الأكلَ من الشجرةِ ؛ لِيُظْهِرَ لَهما ما سُتِرَ من عَوْراتِهما. وَالْوَسْوَسَةُ : إلْقَاءُ الْمَعْنَى إلَى النَّفْسِ بصَوْتٍ خَفِيٍّ. والفرقُ بينَ وَسْوَسَ لهُ وَوَسْوَسَ إليهِ : أنَّ معنى وَسْوَسَ لَهُ : أوْهَمَهُ، ومعنى وَسْوَسَ إليهِ : ألْقَى إلَيْهِ.
وإنَّما سُميت العورةُ سَوْأةً، لأنه يَسُوءُ الإِنسانَ انكِشَافُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ قرأ بعضُهم :(مَلِكَيْنِ) بكسرِ اللاَّم، ومعناهُ : إلاَّ أنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ تَعْلَمَانِ الخيرَ والشَرَّ، وإن لم تكونَا ملَكين تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ لا تَموتان.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ؛ أي لا تَموتان فَتَفْنَيَانِ أبَداً، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾[طه: ١٢٠] أي على شَجَرَةٍ مَن أكلَ منها لَمْ يَمُتْ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾[طه: ١٢٠] أي جديدٌ لا يَفْنَى. وعلى قراءةِ مَنْ قرأ (مَلِكَيْنِ) بكسرِ اللاَّمِ استدلالاً لهُ بقولهِ تعالى :﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾[طه: ١٢٠].
قِيْلَ : كيفَ أوهَمَهُما أنَّهما إذا أكَلاَ من تلكَ الشجرةِ تغيَّرت صورتُهما إلى صورةِ الْمَلَكِ، أو يزدادُ في حياتِهما ؟ قِيْلَ : أوْهَمَهُمَا أنَّ من حكمةِ الله أن مَن أكَلَ منها صارَ مَلَكاً أو ليزيدَ حياتَهُ. وقِيْلَ : إنَّهُ لم يُطْمِعْهُمَا في أن تصيرَ صورتُهما كصورةِ الْمَلَكِ، وإنَّما أطْمَعْهُمَا في أن تصيرَ مَنْزِلَتُهُمَا مَنْزِلَةَ الْمَلَكِ في العُلُوِّ والرِّفْعَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ؛ أي حَلَفَ لَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فيما أقولُ. وإنَّما قال :﴿وَقَاسَمَهُمَآ﴾ على لفظ المُفَاعَلَةِ ؛ لأنهُ قَابَلَهُمَا بالحلفِ، وهذا كما يقالُ : عَاقَبْتُ اللِّصَّ ؛ ونَاوَلْتُ الرَّجُلَ.
قال قتادةُ :(حَلَفَ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا، وَقَدْ يُخْدَعُ الْمُؤْمِنُ باللهِ تَعَالَى، وَقَالَ لَهُمَا : إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا، وَأَنَا أعْلَمُ مِنْكُمَا، فَاتَّبعَانِي أُرْشِدْكُمَا). وكان بعضُ العلماءِ يقولُ :(مَنْ خَادَعَنَا باللهِ خَدَعَنَا). وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى