بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :
﴿يا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ يقول خلقنا لكم الثياب ﴿يواري سَوْءتِكُمْ﴾ يعني يستر عوراتكم، ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتَّان لباساً لكم ﴿وَرِيشًا﴾ قرأ الحسن البصري ورياشاً بالألف. وقرأ غيره ﴿وريشاً﴾ بغير ألف وقال القتبي : الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به. ويقال : الرياش : المال والمعاش. قال الفقيه : حدّثنا محمد بن الفضل. قال : حدّثنا محمد بن جعفر حدّثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله :﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ قال : هو ما تلبسون ﴿ورياشاً﴾ قال المعاش ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾ هو الحياء ﴿ذلك خَيْرٌ﴾ أي لباس التقوى وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إنْ كان حسن الثياب فإنه بادي العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول :
إني كأني أرى من لا حياء له. . . ولا أمانة وسط القوم عريانا
وقال القتبي :﴿لِبَاسَ التقوى﴾ أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار والعمل الصالح كما قال :﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ أمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغيُّر حالهم. ويقال :﴿لِبَاسَ التقوى﴾ الإيمان. ويقال : العفة. قرأ نافع والكسائي وابن عامر ﴿لِبَاسَ التقوى﴾ بالنصب يعني : أنزل لباس التقوى ومعناه : ستر العورة. وقرأ الباقون بالضم لِبَاسُ على معنى الابتداء. ويقال : فيه مضموم يعني : هو ﴿لِبَاسَ التقوى﴾ ومعناه : ستر العورة أي لباسُ المتقين. وقرأ عبد الله بن مسعود ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾ خير. وقال مجاهد : كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل قوله تعالى :﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يوارى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا﴾ يعني : من المال. ويقال : معنى قوله :﴿ذلك خَيْرٌ﴾ يعني : اللباس خير من تركه لأنهم كانوا يطوفون عراة.
قوله :﴿ذلك مِنْ آيات الله﴾ أي من نعم الله على الناس، ويقال : من عجائب الله ودلائله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي : يتّعظون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى