جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول جلّ ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرّون للطواف اتباعا منهم أمر الشيطان وتركا منهم طاعة الله، فعرّفهم انخداعهم بغروره لهم حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعم به عليهم، حتى أبدى سوآتهم وأظهرها من بعضهم لبعض، مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبَوَيهم آدم وحوّاء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما سِتر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوآتهما فعرّاهما منه : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسا : يعني بإنزاله عليهم ذلك : خلقه لهم، ورزقه إياهم. واللباس : ما يلبسون من الثياب. يُوَارِي سَوآتِكُمْ يقول : يستر عوراتكم عن أعينكم. وكنى بالسوآت عن العورات، واحدتها سَوْأة، وهي فَعْلة من السوء، وإنما سميت سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها من جسده، كما قال الشاعر :
| خَرَقُوا جَيْبَ فَتاتِهِمْ | لم يُبالُوا سَوْأةَ الرجلة |
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : لِباسا يُوَارِي سَوآتِكُمْ قال : كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، ولا يلبس أحدهم ثوبا طاف فيه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد المدني، قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشا قال : أربع آيات نزلت في قريش، كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن عوف، قال : سمعت معبدا الجُهني يقول في قوله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشا قال : اللباس الذي يلبسون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسا يُوَارِي سَوآتِكُمْ قال : كانت قريش تطوف عراة، لا يلبس أحدهم ثوبا طاف فيه، وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِباسا يُوَارِي سَوآتِكُمْ قال : اللباس الذي يواري سوآتكم : هو لبوسكم هذا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لِباسا يُوَارِي سَوآتِكُمْ قال : هي الثياب.
حدثنا الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد، قال : ثني من سمع عروة بن الزبير، يقول : اللباس : الثياب.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسا يُوَارِي سَوآتِكُمْ قال : يعني ثياب الرجل التي يلبسها.
القول في تأويل قوله تعالى : وَرِيشا.
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : وَرِيشا بغير ألف.
وذُكِر عن زرّ بن حبيش والحسن البصريّ أنهما كانا يقرآنه :«وَرِياشا ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبان العطار، قال : حدثنا عاصم، أن زرّ بن حبيش قرأها :«وَرِياشا ».
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك قراءة من قرأ : وَرِيشا بغير ألف لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وقد رُوي عن النبيّ ﷺ خبر في إسناده نظر، أنه قرأه :«وَرِياشا »، فمن قرأ ذلك :«وَرِياشا » فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع الريش، كما تجمع الذئب ذئابا والبئر بئارا، ويحتمل أن يكون أراد به مصدرا من قول القائل : رَاشَهُ الله يَرِيشُه رِيَاشا ورِيشا، كما يقال : لَبِسه يلبسه لباسا ولِبْسا وقد أنشد بعضهم :
| فَلَمّا كَشَفْنَ اللّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ | بأطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلاً مُوشّما |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال : الرياش المال :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : وَرِيشا يقول : مالاً.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَرِيشا قال : المال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :«وَرِياشا » قال : أما رياشا : فرياش المال.
حدثني الحرث قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد المدني، قال : ثني من سمع عروة بن الزبير يقول : الرياش : المال.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله :«وَرِياشا » يعني : المال.
ذكر من قال : هو اللباس ورفاهة العيش :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :«وَرِياشا » قال : الرياش : اللباس، والعيش : النعيم.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني :«وَرِياشا » قال : الرياش : المعاش.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا عوف، قال : قال معبد الجهني :«وَرِياشا » قال : هو المعاش.
وقال آخرون : الريش الجمال. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :«وَرِياشا » قال : الريش : الجمال.
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِباسُ التّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : لباس التقوى هو الإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلِباسُ التّقْوى هو الإيمان.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَلِباسُ التّقْوَى : الإيمان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : أخبرني حجاج، عن ابن جريج : وَلِباسُ التّقْوى الإيمان.
وقال آخرون : هو الحياء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهنيّ، في قوله : وَلِباسُ التّقوَى الذي ذكر الله في القرآن هو الحياء.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا عوف، قال : قال معبد الجهنيّ، فذكر مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن معبد بنحوه.
وقال آخرون : هو العمل الصالح. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَلِباسُ التّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ قال : لباس التقوى : العمل الصالح.
وقال آخرون : بل ذلك هو السمت الحسن. ذكر من قال ذلك :
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا عبد الله بن داود، عن محمد بن موسى، عن الزباء بن عمرو، عن ابن عباس : وَلِباسُ التّقْوَى قال : السمت الحسن في الوجه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال : رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص قُوهيّ محلول الزّرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهي عن اللعب بالحمام، ثم قال : يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول :«والّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ ما عَمِلَ أحَدٌ قطّ سِرّا إلاّ ألْبَسَهُ اللّهُ رِداءَهُ عَلانِيَةً، إنْ خَيْرا فخَيْرا، وَإنْ شَرّا فَشَرّا » ثم تلا هذه الآية :«وَرِياشا »، ولم يقرأها : وَرِيشا وَلِباسُ التّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ ذلكَ مِنْ آياتِ اللّهِ قال : السمت الحسن.
وقال آخرون : هو خشية الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحرث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا أبو سعد المدني، قال : ثني من سمع عروة بن الزبير يقول : لِباسُ التّقْوى خشية الله.
وقال آخرون : لِباسُ التّقْوَى في هذه المواضع : ستر العورة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلِباسُ التقْوَى يتقي الله فيواري عورته، ذلك لباس التقوى.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المكيين والكوفيين والبصريين : وَلِباسُ التّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ برفع «ولباسُ ». وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة :«ولِباسَ التّقْوَى » بنصب اللباس، وهي قراءة بعض قراء الكوفيين. فمن نصب :«وَلِباسَ » فإنه نصبه عطفا على «الريش » بمعنى : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا، وأنزلنا لباسَ التقوى. وأما الرفع، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به اللباس، فكان بعض نحويي البصرة يقول : هو مرفوع على الابتداء، وخبره في قوله : ذلِكَ خَيْرٌ. وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال : هذا غلط، لأنه لم يعد على اللباس في الجملة عائد، فيكون اللباس إذًا رفع على الابتداء وجعل ذلك خير خبرا.
وقال بعض نحويي الكوفة : وَلِباسُ يُرفع بقوله :«ولباس التقوى خير »، ويجعل ذلك من نعته. ب«خير » لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل اللباس نعتا، لا أنه عائد على اللباس من ذكره في قوله : ذلكَ خَيْرٌ فيكون خير مرفوعا بذلك وذلك به. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام إذن : رفع لباس التقوى، ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه خير لكم يا بني آدم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم فالبسوه. وأما تأويل من قرأه نصبا، فإنه : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم، وريشا، ولباس التقوى هذا الذي أنزلنا عليكم، من اللباس الذي يواري سوآتكم، والريش، ولباس التقوى خير لكم من التعرّي والتجرّد من الثياب في طوافكم بالبيت، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرّد والتعرّي من الثياب، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة، كما فعل بأبويك
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَرِيشًا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: (وَرِيشًا)، بغير"ألف".
* * *
وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري: أنهما كانا يقرآنه:"وَرِياشًا".
١٤٤٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبان العطار قال، حدثنا عاصم: أن زر بن حبيش قرأها:"وَرِياشًا".
* * *
قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، قراءة من قرأ: (وَرِيشًا) بغير"ألف"، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
وقد رُوي عن النبي ﷺ خبرٌ في إسناده نظر: أنه قرأه:"وَرِياشًا". (١)
فمن قرأ ذلك:"وَرِياشًا" فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع"الريش"، كما تجمع"الذئب"،"ذئابًا"، و"البئر""بئارًا".
ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا، من قول القائل:"راشه الله يَريشه رياشًا ورِيشًا"، (٢) كما يقال:"لَبِسه يلبسه لباسًا ولِبْسًا"، وقد أنشد بعضهم: (٣)
(٢) أراد هنا أن يجعل ((ريشا)) مصدرًا بكسر ((الراء))، كما هو بين في معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٥، ولذلك ضبطتها كذلك، والذي نص عليه أهل اللغة أن المصدر (ريشا)) بفتح فسكون.
(٣) هو حميد بن ثور الهلالي.
| فَلَما كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ | بِأَطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلا مُوَشَّمَا (١) |
و"الرياش"، في كلام العرب، الأثاث، وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يُحْشى من فراش أو دِثَار.
و"الريش" إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال. يقولون:"أعطاه سرجًا بريشه"، و"رحْلا بريشه"، أي بكسوته وجهازه. ويقولون:"إنه لحسن ريش الثياب"، وقد يستعمل"الرياش" في الخصب ورَفاهة العيش.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال:"الرياش"، المال:
١٤٤٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية،
ثم قال بعد رقم:
| ٤٠. تَخَالُ خِلالَ الرَّقْم لَمَّا سَدَلْنَهُ | حِصَانًا تَهَادَى سَامِيَ الطَّرْفِ مُلْجَمَا |
جعل الهودج قد صار كأنه فرس عليه زينته وجلاله وسرجه. وقوله: (فلما كشفن اللبس عنه))، يعني الهودج. و ((مسحنه)) يعني الجواري اللواتي صنعه وزوقنه وزينه. و ((الطفل) (بفتح فسكون) هو البنان الناعم، وأراد: مسحنه بأطراف بنان طفل، فجعل ((طفلا)) بدلا من ((البنان)) و ((الغيل)) (بفتح فسكون) الساعد الريان الممتلئ. و ((الموشم))، عليه الوشم، وكان زينة للجاهلية أبطلها الإسلام، ولعن الله متخذها، رجلا كان أو امرأة.
١٤٤٢٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وريشًا)، قال: المال.
١٤٤٣٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٤٣١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ورياشًا"، قال: أما"رياشًا"، فرياش المال. (١)
١٤٤٣٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول:"الرياش"، المال.
١٤٤٣٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:"ورياشًا"، يعني، المال.
* ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش.
١٤٤٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ورياشًا"، قال:"الرياش"، اللباس والعيش والنَّعيم.
١٤٤٣٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني:"ورياشًا"، قال:"الرياش"، المعاش.
١٤٤٣٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني:"ورياشًا"، قال: هو المعاش.
* * *
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٣٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ورياشًا"، قال:"الريش"، الجمال.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم:"لباس التقوى"، هو الإيمان.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٣٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ولباس التقوى)، هو الإيمان.
١٤٤٣٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ولباس التقوى)، الإيمان.
١٤٤٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج: (ولباس التقوى)، الإيمان.
* * *
وقال آخرون: هو الحياء.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٤١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني في قوله: (ولباس التقوى)، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء.
١٤٤٤٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا
١٤٤٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن معبد، بنحوه.
* * *
وقال آخرون: هو العمل الصالح.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٤٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ولباس التقوى ذلك خير)، قال: لباس التقوى: العمل الصالح.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْت الحسن.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٤٥- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود، عن محمد بن موسى، عن.... بن عمرو، عن ابن عباس: (ولباس التقوى)، قال: السمت الحسن في الوجه. (١)
١٤٤٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليه قميصٌ قُوهيّ محلول الزرّ، (٢) وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله ف
((محمد بن موسى))، لم أستطع أن أحدد من يكون.
(٢) ((القميص القوهي))، منسوب إلى ((قوهستان))، وهي أرض متصلة بنواحي هراة ونيسابور، ينسب إليها ضرب من الثياب.
* * *
وقال آخرون: هو خشية الله.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٤٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: (لباس التقوى)، خشية الله.
* * *
وقال آخرون: (لباس التقوى)، في هذه المواضع، ستر العورة.
* ذكر من قال ذلك:
١٤٤٤٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولباس التقوى)، يتقي الله، فيواري عورته، ذلك"لباس التقوى".
* * *
(٢) الأثر: ١٤٤٤٦ - ((إسحاق بن الحجاج الرازي الطاحوني))، مضى برقم: ٢٣٠، ١٦١٤، ١٠٣١٤. و ((إسحاق بن إسماعيل)) لعله ((إسحاق بن لإسماعيل الرازي))، أبو يزيد، حبويه. مترجم في ابن أبي حاتم ١ /١ / ٢١٢.
و ((سليمان بن أرقم))، أبو معاذ. ضعف جدًا، متروك الحديث، مضى برقم: ٤٩٢٣. فمن أجل ضعف ((سليمان بن أرقم))، قال أبو جعفر فيما سلف ص: ٣٦٣، تعليق: ١، أن في إسناد هذا الخبر نظرًا.
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٦٢، ٤٦٣، وضعفه، ثم قال: ((وقد روى الأئمة، الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب صحيحة، عن الحسن: أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر)). قلت: وخبر أحمد في المسند رقم: ٥٢١، وخبر البخاري في الأدب المفرد ص: ٣٣٢، ٣٣٣ برقم: ١٣٠١.
فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، برفع"ولباس".
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة:"وَلِبَاسَ التَّقْوَى"، بنصب"اللباس"، وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين.
* * *
فمن نصب:"ولباس"، فإنه نصبه عطفًا على"الريش"، بمعنى: قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا، وأنزلنا لباسَ التقوى.
* * *
وأما الرفع، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به"اللباس".
فكان بعض نحويي البصرة يقول: هو مرفوع على الابتداء، وخبره في قوله: (ذلك خير). وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال: هذا غلط، لأنه لم يعد على"اللباس" في الجملة عائد، فيكون"اللباس" إذا رفع على الابتداء وجعل"ذلك خير" خبرًا.
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: (ولباس)، يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويجعل"ذلك" من نعته. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع"اللباس"، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعًا بـ"خير"، وإذا رفع بـ "خير" لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل"اللباس" نعتًا، لا أنه عائد على"اللباس" من ذكره في قوله: (ذلك خير)، فيكون خير مرفوعًا بـ"ذلك"، و"ذلك"، به.
* * *
وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا، فإنه:"يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى"، هذا الذي أنزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم، والريش، ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة، كما فعل بأبويكم آدم وحواء، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها.
* * *
قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، أعني نصب قوله:"وَلِبَاسَ التَّقْوَى"، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال، مع الإيمان به واتباع طاعته = ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله، وتعرِّيهم، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خيرٌ من بعض.
وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك، الآيات التي بعد هذه الآية، وذلك قوله: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما) وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي، وبالإيمان به، واتباع أمره والعمل بطاعته،
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله:"ولباس التقوى"، استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن، لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملا ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا. ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره.
وإنما قلنا: عنى بـ"لباس التقوى"، استشعارَ النفس والقلب ذلك = لأن"اللباس"، إنما هو ادِّراع ما يلبس، واجتياب ما يكتسى، (١) أو تغطية بدنه أو بعضه به. فكل من ادَّرع شيئًا واجتابهُ حتى يُرَى عَيْنه أو أثرُه عليه، (٢) فهو له"لابس". ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسًا، وهن لهم لباسًا،
| فَبِتِلْكَ إذْ رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى | وَاجْتَابَ أَرْدِيَةَ السَّرَابِ إكَامُها |
| أَقْضِي اللُّبَانَةَ لا أُفَرِّطُ رِيبَةً | أَوْ أَنْ يَلُومَ بِحَاجَةٍ لَوَّامُها |
* * *
* ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله، إذا قرئ قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى)، رفعًا.
١٤٤٤٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (ولباس التقوى)، الإيمان = (ذلك خير)، يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.
١٤٤٥٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولباس التقوى)، قال: لباس التقوى خير، وهو الإيمان.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ذلك الذي ذكرت لكم أنّي أنزلته إليكم، أيها الناس، من اللباس والرياش، من حجج الله وأدلته التي يعلم بها مَنْ كفر صحة توحيد الله، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة = (لعلهم يذكرون)، يقول جل ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت، ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل، رحمة مني بعبادي. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
= وتفسير ((يذكر)) فيما سلف منها (ذكر).