زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَا بني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ سبب نزولها : أن ناسا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. وقيل : إنه لما ذكر عري آدم، من علينا باللباس. وفي معنى ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : خلقنا لكم. والثاني : ألهمناكم كيفية صنعه. والثالث : أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباسا. وأكثر القراء قرؤوا :﴿وَرِيشًا﴾. وقرأ ابن عباس، والحسن وزر بن حبيش، وقتادة، والمفضل، وأبان عن عاصم :" ورياشا " بألف. قال الفراء : يجوز أن تكون الرياش جمع الريش. ويجوز أن تكون بمعنى الريش كما قالوا : لبس، ولباس.
قال الشاعر :
فلما كشفن اللبس عنه مسحنهبأطراف طفل زان غيلا موشما
قال ابن عباس، ومجاهد :" الرياش " : المال ؛ وقال عطاء : المال والنعيم. وقال ابن زيد : الريش : الجمال ؛ وقال معبد الجهني : الريش، الرزق ؛ وقال ابن قتيبة : الريش والرياش : ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج : الريش : اللباس وكل ما ستر الإنسان في جسمه ومعيشته. يقال : تريش فلان، أي : صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه :
رياشي منكم وهواي معكموإن كانت زيارتكم لماما
وعلى قول الأكثرين : الريش والرياش بمعنى قال قطرب : الريش والرياش واحد. وقال سفيان الثوري. الريش : المال، والرياش : الثياب.
قوله تعالى :﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة :﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي : بنصب اللباس. قال الزجاج : من نصب اللباس، عطف به على الريش ؛ ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأ، ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار : هو ؛ المعنى : وهو لباس التقوى، أي : وستر العورة لباس المتقين. وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال :
أحدها : أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان ؛ ورواه الذيال بن عمرو عن ابن عباس. والثاني : العمل الصالح، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث : الإيمان، قاله قتادة، وابن جريج، والسدي ؛ فعلى هذا، سمي لباس التقوى، لأنه يقي العذاب.
والرابع : خشية الله تعالى، قاله عروة بن الزبير. والخامس : الحياء، قاله معبد الجهني، وابن الأنباري. والسادس : ستر العورة للصلاة، قاله ابن زيد. والسابع : أنه الدرع، وسائر آلات الحرب، قاله زيد بن علي. والثامن : العفاف، قاله ابن السائب.
والتاسع : أنه ما يتقى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. والعاشر : أن المعنى : ما يلبسه المتقون في الآخرة، خير مما يلبسه أهل الدنيا، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه.
قوله تعالى :﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ قال ابن قتيبة : المعنى : ولباس التقوى خير من الثياب، لأن الفاجر، وإن كان حسن الثوب، فهو بادي العورة ؛ و﴿ذلِكَ﴾ زائدة.
قال الشاعر في هذا المعنى :
إني كأني أرى من لا حياء لهولا أمانة وسط القوم عريانا
قال ابن الأنباري : ويقال : لباس التقوى، هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية بالتعري في الطواف.
قوله تعالى :﴿ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل : يعني : الثياب والمال من آيات الله وصنعه، لكي يذكروا، فيعتبروا في صنعه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى