غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿حتى إذا ادّاركوا﴾ كان يعقوب : إذا وقف على «إذا» يبتدئ ﴿تداركوا﴾ بالتاء. سهل : مخير، وكذلك قوله تعالى :﴿قلتم﴾ ﴿وقالوا إنا طيرنا﴾ وافق الكسائي في ﴿تثاقلتم﴾ ﴿أخراهم لأولاهم﴾ بالإمالة الشديدة : إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي وخلف. وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد ﴿أولاهم﴾ بالإمالة اللطيفة ﴿أخراهم﴾ بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في ﴿أخراهم﴾ بالإمالة الشديدة ﴿فآتهم﴾ بضم الهاء : رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة. إلا قوله :
﴿ومن يولهم﴾ [الأنفال: ٦] ﴿لا يعلمون﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد ﴿لا تفتح لهم﴾ بتاء التأنيث والتخفيف : أبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف. الباقون بتاء التأنيث والتشديد. ﴿غواشي﴾ بالياء في الوقف : يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ما كنا﴾ بغير واو العطف : ابن عامر. الآخرون بالواو. ﴿أورثتموها﴾ وبابه بإدغام الثاء : أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.
الوقوف :﴿آياتي﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ولاهم يحزنون﴾ ه ﴿النار﴾ ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿بآياته﴾ ط ﴿من الكتاب﴾ ط ﴿يتوفونهم﴾ لا لأن ما بعده جواب «إذا». ﴿من دون الله﴾ ط ﴿كافرين﴾ ه ﴿في النار﴾ ط ﴿أختها﴾ ط ﴿جميعاً﴾ لا لما قلنا. ﴿من النار﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿يكسبون﴾ ه ﴿الخياط﴾ ط ﴿المجرمين﴾ ه ﴿غواش﴾ ج ﴿الظالمين﴾ ه ﴿وسعها﴾ ط وجعل ﴿أولئك﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله :﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ معترضة ﴿الجنة﴾ ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿الأنهار﴾ ط للعطف مع العارض. ﴿اهدنا الله﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿بالحق﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿تعملون﴾ ه.
ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله :﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ [آل عمران: ١٦١] وللآية تفسيران : الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف. عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. الثاني : أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقص، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله تعالى ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير. ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله :﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ونودوا أن تلكم﴾ بأنه تلكم ﴿الجنة﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول. وإنما قيل :﴿تلكم﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم. ومعنى ﴿أورثتموها﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله. قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار. وقيل : أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث. وقيل : إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :«ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم » قالت المعتزلة قوله :﴿بما كنتم تعملون﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل. وقال غيرهم : لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة بفضله. وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿يا بني آدم أما يأتينكم رسل﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته. ﴿افترى على الله كذباً﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿أو كذب﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿أولئك ينالهم نصيبهم﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿حتى إذا جاءتهم﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿يتوفونهم﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿وشهدوا﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله تعالى. ثم قال لأهل الخذلان ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ وقدم الجن لأن الله تعالى خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر. ﴿كلما دخلت أمة﴾ في أعمال أهل النار ﴿لعنت أختها﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿حتى إذا﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار. ﴿عذاباً﴾ ﴿ضعفاً﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿لكل ضعف﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ولكن لا تعلمون﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿لا تفتح لهم أبواب﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ولا يدخلون﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿لهم من جهنم﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم. ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
التأويل :﴿يا بني آدم أما يأتينكم رسل﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته. ﴿افترى على الله كذباً﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿أو كذب﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿أولئك ينالهم نصيبهم﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿حتى إذا جاءتهم﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿يتوفونهم﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿وشهدوا﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله تعالى. ثم قال لأهل الخذلان ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ وقدم الجن لأن الله تعالى خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر. ﴿كلما دخلت أمة﴾ في أعمال أهل النار ﴿لعنت أختها﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿حتى إذا﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار. ﴿عذاباً﴾ ﴿ضعفاً﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿لكل ضعف﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ولكن لا تعلمون﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿لا تفتح لهم أبواب﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ولا يدخلون﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿لهم من جهنم﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم. ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.
﴿ومن يولهم﴾ [الأنفال: ٦] ﴿لا يعلمون﴾ بياء الغيبة : أبو بكر وحماد ﴿لا تفتح لهم﴾ بتاء التأنيث والتخفيف : أبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء تحتانية وبالتخفيف. الباقون بتاء التأنيث والتشديد. ﴿غواشي﴾ بالياء في الوقف : يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب سهل من طريق ابن دريد، ﴿ما كنا﴾ بغير واو العطف : ابن عامر. الآخرون بالواو. ﴿أورثتموها﴾ وبابه بإدغام الثاء : أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام.
الوقوف :﴿آياتي﴾ لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ﴿ولاهم يحزنون﴾ ه ﴿النار﴾ ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿بآياته﴾ ط ﴿من الكتاب﴾ ط ﴿يتوفونهم﴾ لا لأن ما بعده جواب «إذا». ﴿من دون الله﴾ ط ﴿كافرين﴾ ه ﴿في النار﴾ ط ﴿أختها﴾ ط ﴿جميعاً﴾ لا لما قلنا. ﴿من النار﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ه ﴿يكسبون﴾ ه ﴿الخياط﴾ ط ﴿المجرمين﴾ ه ﴿غواش﴾ ج ﴿الظالمين﴾ ه ﴿وسعها﴾ ط وجعل ﴿أولئك﴾ خبراً للموصول أوجه بناء على أن قوله :﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ معترضة ﴿الجنة﴾ ط ﴿خالدون﴾ ه ﴿الأنهار﴾ ط للعطف مع العارض. ﴿اهدنا الله﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿بالحق﴾ ط لابتداء النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء ﴿تعملون﴾ ه.
ثم وصف أخلاق أهل الجنة فقال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير قوله :﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ [آل عمران: ١٦١] وللآية تفسيران : الأول أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف. عن علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. الثاني : أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقص، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبريء بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضاً وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء الله تعالى في دار الدنيا أيضاً بهذه المثابة بحسن توفيق الله تعالى ونور عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى لا مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل هذا نتيجة ملكه الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح العلة ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن حذف الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى العطف المؤذن بالتغاير. ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله :﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفاً وتنبيهاً يقولون ذلك فيما بينهم سروراً واغتباطاً بما نالوا وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً فإن الجنة ليست دار التكليف ﴿ونودوا أن تلكم﴾ بأنه تلكم ﴿الجنة﴾ والضمير للشأن والحديث ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول. وإنما قيل :﴿تلكم﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون التبعيد للتعظيم. ومعنى ﴿أورثتموها﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله. قد يستعمل الإرث ولا يراد به زوال الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار. وقيل : أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيهاً بالميراث. وقيل : إن أهل الجنة يرثون منازل أهل النار لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :«ليس من مؤمن ولا كافر إلا له في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم » قالت المعتزلة قوله :﴿بما كنتم تعملون﴾ يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل لا التفضل. وقال غيرهم : لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة بفضله. وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو الملك الموكل بذلك والله تعالى أعلم.
التأويل :﴿يا بني آدم أما يأتينكم رسل﴾ الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم وفيه أن بين آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته. ﴿افترى على الله كذباً﴾ بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط ﴿أو كذب﴾ بمقامات أعطاها بعض أوليائه ﴿أولئك ينالهم نصيبهم﴾ من الشقاء الذي كتب لهم ﴿حتى إذا جاءتهم﴾ رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائماً في تيه البشرية ﴿يتوفونهم﴾ بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية ﴿قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله﴾ من الدنيا وشهواتها ﴿وشهدوا﴾ هؤلاء المجرمون المحرومون ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ ساترين الحق بالباطل فهداهم الله تعالى. ثم قال لأهل الخذلان ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ وقدم الجن لأن الله تعالى خلق أولاً بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم بعث إليهم جنداً من الملائكة - وقيل رئيسهم إبليس - فاستأصلوهم ثم خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر. ﴿كلما دخلت أمة﴾ في أعمال أهل النار ﴿لعنت أختها﴾ المتقدمة في تلك الأعمال لأنهم سنوها ﴿حتى إذا﴾ تدارك الكل في الأعمال الموجبة للنار. ﴿عذاباً﴾ ﴿ضعفاً﴾ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ﴿لكل ضعف﴾ لأن المتأخر أيضاً متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ﴿ولكن لا تعلمون﴾ أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم لمتأخريكم كما سننا لكم ﴿لا تفتح لهم أبواب﴾ سماء القلوب إلى الحضرة ﴿ولا يدخلون﴾ جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل جنة البقاء ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ الذين صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل ﴿لهم من جهنم﴾ المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم. ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تسير عليهم العبودية بحسن التوفيق.